Loading

الأحد، 31 يناير، 2010

رسالة من وزير العدل

هوامش حرة



رسالة من وزير العدل



بقلم: فاروق جـــويـدة



منذ أسبوعين تقريبا تناولت في هذه المكان ظاهرة خطيرة انتشرت في ربوع مصر في الفترة الأخيرة وهي الارتفاع الرهيب في أسعار الأراضي الزراعية خاصة الأراضي الطينية‏,‏ وقلت يومها إن الظاهرة تحتاج إلي رصد أمين‏,‏ لأن هناك من يعتقد أن وراء ذلك أيادي خفية وأن الظاهرة ليست مقصورة علي البيع والشراء بين المصريين لأن هناك أيضا من يدفع الملايين لشراء الأراضي من غير المصريين‏..‏



وتساءلت هل هناك من يتابع مثل هذه الأنشطة في أجهزة الدولة المختلفة أم أننا في زحمة المزادات والبيع والشراء والخصخصة لا يعنينا غير أن نجمع أكبر قدر من الأموال حكومة وأفرادا حتي وإن اكتشفنا بعد فوات الأوان أننا نبيع أشياء لا ينبغي أن تباع‏..‏ وحول هذه القضية وصلتني رسالة من المستشار ممدوح مرعي وزير العدل يوضح فيها بعض جوانب القضية‏..‏



يقول الوزير في رسالته‏:‏



السيد الاستاذ‏/‏ فاروق جويدة

تحية طيبة‏.....‏ وبعد‏,‏ فقد قرأت باهتمام مقالكم القيم بجريدة الأهرام بعددها الصادر يوم الجمعة‏2007/1/15‏ تحت عنوان‏'‏ حمي شراء الأراضي‏'‏ وأود في البداية أن أعبر لكم عن عظيم تقديري وامتناني لاهتمامكم المشهود بموضوع الملكية العقارية في مصر لما تمثله هذه الملكية من قيمة بالنسبة للفرد والمجتمع لم ينتقص منها التطور الحديث في أنواع التملك الأخري سواء في المنقولات أو الأوراق المالية بأنواعها المختلفة‏.‏



وبالنسبة لما تضمنه المقال عن تملك الأجانب للأرض وتركزها في الأراضي الطينية النيلية‏,‏ فأود أن أوضح أنه بالنسبة لملكية الأرض الزراعية في مصر فإن القانون رقم‏15‏ لسنة‏1963‏ لا يجيز تملك غير المصريين لهذه الأرض ولا يوجد في سجلات الشهر العقاري أي محررات مسجلة لصالح غير المصريين عن أراضي صادر لها تكليف زراعي‏.‏



وأما بالنسبة للأراض الصحراوية والقابلة للاستصلاح فقد أجازت المادة‏(12)‏ من القانون رقم‏143‏ لسنة‏1981‏ والمعدلة بالقانون رقم‏55‏ لسنة‏1988_‏ سواء للأفراد أو الشركات المتمتعين بجنسية إحدي الدول العربية فقط دون غيرهم‏_‏ تملك الأراضي الصحراوية والقابلة للاستصلاح‏..‏ وأجازت المادة‏28‏ ق‏8‏ لسنة‏1997‏ بضمانات وحوافز الاستثمار لمجلس الوزراء أن يصدر قرارا بتخصيص الأراضي المملوكة للدولة أو للأشخاص الاعتبارية العامة للشركات والمنشآت التي تقام في مناطق معينة في المجالات المحددة في المادة‏(1)‏ من هذا القانون بدون مقابل‏,‏



ومن هذه المجالات استصلاح واستزراع الأراضي البور والصحراوية والإنتاج الحيواني والداجني والسمكي والصناعة والتعدين والفنادق‏...‏ الخ وهذه المجالات هامة لتطوير وتنمية الاقتصاد القومي وتحتاج إلي تحفيز الاستثمارات المختلفة فيها‏.‏ أما بالنسبة للعقارات المبنية فقد اجاز القانون رقم‏230‏ لسنة‏1996‏ تمليكها لغير المصريين بقيود معينة أهمها ألا يزيد العقار عن وحدتين وألا يجاوز مسطح الوحدة‏400‏ م‏2‏ وتسجل الملكية بعد موافقة الجهات الأمنية علي التصرف وقد بلغت المحررات المسجلة عن هذه الملكية في العامين الماضيين‏223‏ و‏188‏ مشهرا فقط وكلها عن وحدات لازمة لسكني ملاكها وفي أماكن متفرقة بالجمهورية معظمها بمدينة القاهرة‏.‏

وتفضلوا بقبول احترامي‏...,,‏



‏****‏

وأنا من جانبي أشكر السيد المستشار ممدوح مرعي وزير العدل علي هذه الرسالة خاصة أنني تلقيت تعقيبات كثيرة من المواطنين حول الأرقام الفلكية التي وصلت إليها أسعار الأراضي الزراعية‏..‏ والغريب في هذه الرسائل أن الظاهرة تجتاح كل محافظات مصر تقريبا في الدلتا والصعيد وأن الأسعار وصلت في بعض المناطق إلي أكثر من مليون جنيه للفدان الواحد‏..‏ وأن هناك حلقات مفقودة في عمليات البيع والشراء خاصة بعض الأسماء المجهولة التي تشتري مساحات كبيرة من الأرض‏..‏ وأن عددا كبيرا من المصريين الذين سافروا أخيرا إلي أوروبا يشترون مساحات كبيرة من الاراضي وبأسعار فلكية‏,‏ ولا أحد يعلم مصادر تمويل هذه الصفقات‏.‏



تبقي عندي بعض الملاحظات التي أضعها أمام المستشار ممدوح مرعي وزير العدل‏..‏



أولي هذه الملاحظات أننا جميعا نعلم أن صكوك الملكية في معظم الأراضي الزراعية الطينية بصفة خاصة غير مسجلة وهي ملكيات ثابتة تحكمها عقود عرفية ولا أدري كيف يمكن تقنين هذه الأوضاع بحيث تستطيع الدولة تسجيل هذه الأرضي رسميا خاصة أن عقود البيع العرفية قد لا تلتزم تماما بمواد القانون الذي يمنع بيع هذه الأراضي للأجانب‏..‏ والسؤال الثاني هل تعتبر عقود البيع العرفية وثيقة يعتد بها أمام القضاء والتحكيم الدولي إذا لزم الأمر واكتشفنا أن هناك عمليات بيع عرفية تمت لحساب الأجانب‏..‏ وهل تصبح في مثل هذه الحالة ذات صفة ملزمة للحكومة المصرية‏..‏



السؤال الثالث‏..‏ ماذا لو تم بيع مساحات من هذه الأراضي في ظل توكيلات للأشخاص‏,‏ وهل يمكن أن يكون ذلك وثيقة ملكية عرفية صحيحة‏..‏ أن‏70%‏ من أراضي مصر الزراعية بملكيات عرفية وعقود مدنية وأخطر ما في ذلك أنها بعيدة عن عيون أجهزة الدولة المسئولة‏..‏ لقد تلقيت رسائل عديدة من أكثر من مكان يؤكد فيها أصحابها أن عمليات بيع وشراء الأراضي تسبب الآن إزعاجا شديدا في القري والنجوع‏,‏ ومازلت أعتقد أن بعض المحافظات ومنها محافظة الفيوم تشهد صراعات دامية لشراء الاراضي ومضاربات ومعارك أدت إلي زيادة مخيفة في الأسعار‏..‏



وهناك نقطة مازلت أطالب ببحثها علي كل المستويات وهي سؤال يطرح نفسه هل يشتري الإسرائيليون الأراضي في مصر وما الذي يؤكد ذلك كذبا أو حقيقة‏..‏ لقد رضينا طواعية أن نربي في البيت ثعبانا وأن نترك مع القطيع ذئبا‏..‏ ولا ينبغي أن نأمن من لا أمان له‏..‏ إن الدولة تؤكد أن القانون يمنع البيع للأجانب‏..‏ ولكن هناك مؤشرات أخري تحمل لنا مخاوف كثيرة والأمر في كل الحالات لا ينبغي أن يستند فقط إلي القوانين التي تمنع‏..‏ ولكن الأمر يتطلب وعيا كاملا بخطورة ذلك علي المستوي الشعبي والرسمي في وقت واحد‏..‏



بقيت بعد ذلك نقطة أخيرة وهي دور الدولة في إشعال أسعار الأراضي من خلال المزادات التي شهدت مضاربات رهيبة حاولت الدولة من خلالها أن تجمع بعض المال فأشعلت النيران مثل الذي أراد أن يشعل مصباحا فأحرق البيت كله‏..‏ وما بين أراض وزعتها الحكومة علي المحاسيب بلا مقابل أو بمقابل زهيد‏..‏ وأراض أخري تضارب في أسعارها الآن يقف سوق الاراضي في مصر غامضا لا يكشف عن أسراره وخباياه وهذا أخطر ما في هذه القضية‏..‏



‏..‏ ويبقي الشعر

غـنـيت للقـدس الحبيبة أعذب الألحان

وانساب فوق ربوعها شعري

يطـوف علي المآذن‏..‏

والكنـائس‏..‏ والجـنـان

القدس ترسم وجه‏((‏ طـه‏))‏ والملائك حوله

والكون يتلو سورة‏((‏ الرحمن‏))‏



القدس في الأفق البعيد

تطل أحيانـا وفي أحشـائها

طيف المسيح‏..‏ وحوله الرهبان

القدس تبدو في ثياب الحزن

قنديلا بـلا ضوء‏..‏

بـلا نبض‏..‏ بلا ألوان‏..‏

تـبـكي كثيرا

كـلـما حانت صلاة الفجر‏..‏

وانطفأت عيون الصبح

وانطلق المؤذن‏..‏ بالأذان



القدس تسأل‏:‏

كيف صار الابن سمسارا وباع الام

في سوق الهوان بأرخص الأثمان

صوت المآذن‏..‏ والكنائس لم يزل

في القدس يرفـع راية العصيان‏..‏

الله أكبر منك يا زمن الهوان



لوموا أنفســـــــــــكم‏..‏

هوامش حرة

لوموا أنفســـــــــــكم‏..‏

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



من أسوأ أنواع الفشل ألا ندرك أسبابه الحقيقية ونحاول أن نلقي مسئولية تراجعنا علي الآخرين‏..‏ ومن الحكمة والعقل أن يراجع الإنسان نفسه من وقت لآخر حتي يدرك إلي أين يمضي‏..‏ وإذا كان ذلك هو المطلوب في حياة الأفراد فما بالك بمصائر الشعوب‏..‏



من الخطأ الجسيم أن يجلس شعب علي بقايا تاريخ يتباهي ويتكلم لكي يثبت للآخرين أنه شيء مختلف ومميز رغم أن كل الأشياء حوله تؤكد أن التاريخ لا يصنع وحده حاضرا ولا يبني بالضرورة مستقبلا‏..‏ وأن مقاييس الزمن لا تعترف بالذي كان‏,‏ خاصة إذا تعارض هذا الذي كان مع كل ما هو كائن الآن‏..‏ واليوم أريد أن تكون لدينا الشجاعة والقدرة لأن نصارح أنفسنا ونسمع صوت ضميرنا ولا نضلل الناس أكثر من هذا‏..‏



في الأسابيع الماضية حاول البعض أن يلقي بمسئوليه ما حدث في الشارع المصري من تشوهات علي الأشقاء العرب ابتداء من الأزياء وانتهاء بالفكر والسلوك والغناء‏..‏ وقال هذا البعض إن المرأة المصرية علي سبيل المثال ارتدت أزياء وافدة من دول الخليج العربي وإن هذه الأزياء لا تتناسب مع حضارة السبعة آلاف سنة‏..‏ وقال هذا البعض إن ملابسنا وسلوكياتنا وحياتنا قد تأثرت كثيرا بإختلاطنا بالأشقاء العرب‏..‏



ولا أدري علي أي أساس تصدر مثل هذه الأحكام المتسرعة والخاطئة‏,‏ خاصة إذا جاءت من مسئولين وقادة رأي‏..‏ وبجانب أن الحكم خاطيء ومضلل فهو لا يعكس شيئا من الحقيقة وهناك شواهد كثيرة تؤكد ذلك إلا إذا كان الهدف من ذلك كله هو التخلي عن المسئولية والهروب من الحساب عندما يجيء وقت الحساب‏..‏



‏*‏ في يوم من الأيام كانت الثقافة المصرية تمثل الضوء والدور والريادة لكل إنسان عربي‏..‏ كان كتاب مصر هم الأساتذة والمعلمون‏..‏ وكانت جامعات مصر هي المنارة التي تعلم فيها كل أصحاب الفكر والإبداع في عالمنا العربي‏..‏ وكان الطبيب المصري هو الأقدر‏..‏ والمدرس المصري هو الأكفأ‏..‏ والعامل المصري هو المتميز‏..‏ وكان الغناء والمسرح والسينما والصحافة في مصر‏..‏



كان في مصر العقاد وطه حسين وأم كلثوم وعبد الوهاب والسنباطي ويوسف وهبي وطليمات وطلعت حرب وعبود وياسين وأبو رجيله وكانت فيها جامعة القاهرة والأزهر الشريف‏..‏ وفيها الشيخ رفعت ومصطفي إسماعيل وعبد الباسط والحصري والبنا وشعيشع وعلي محمود‏..‏ وكان فيها شلتوت ومحمد عبده وعبد الحليم محمود والغزالي وخالد محمد خالد والشعراوي‏..‏



هذه هي مصر الريادة‏..‏ أما الآن فماذا في مصر الريادة‏'‏ خش علي و‏'‏ بحبك يا حمار‏'‏ وبهلوانات علي الشاشة وعاريات بلا غناء أو تمثيل أو فن‏..‏ ومن قال إن هناك أزياء مصرية تاريخية‏..‏ لقد أخذنا الطربوش سنوات طويلة من الأتراك وأخذنا الجبة والقفطان من المماليك وأخذنا الياشمك من جهات كثيرة وأخذنا البدلة والبكيني من الفرنسيين والإنجليز‏..‏ ولا توجد أزياء مصرية تاريخية علي الإطلاق‏..‏



وحتي في الفن لا توجد منافسة الآن في الفن الجميل ولكن توجد منافسة في العري القبيح‏..‏ حتي إذا ظهر صوت جميل عندنا سرعان ما يترك الغناء ويلجأ إلي العري كوسيلة رواج وانتشار رغم أن العري يمكن أن يكون للجميع‏..‏ ولكن الغناء الجميل من حق الموهوبين فقط‏..‏ كانت مصر هي النموذج والتميز في كل شيء ولذلك سعي إليها الجميع‏..‏ وسوف يسعون إليها آلاف المرات إذا عادت سيرتها الأولي‏..‏



‏*‏ لماذا توقفنا عند التخلف في الأزياء وتركنا مجالات التقدم الرهيب التي تشهدها المدن والعواصم العربية‏,‏ خاصة في دول الخليج التي نلقي عليها بمسئولية ما جري لنا‏,‏ هناك دول أنشأت وعواصم قامت ومدن تم بناؤها وشعوب بدأت رحلتها مع المستقبل في دول الخليج الآن جامعات متقدمة‏..‏ ونظم تعليم حديثة‏..‏ وشعوب تشعر بإنتماء حقيقي لبلادها‏..‏ ويكفي نموذج الشيخ زايد آل نهيان رحمة الله عليه الذي أقام دولة وصنع شعبا في قلب الصحراء‏..‏



من دول الخليج تنطلق الآن فضائيات عربية متقدمة ابتداء بأوربت والجزيرة والعربية ودبي وانتهاء بأعقد القضايا التي تناقشها‏..‏ لقد دفع المصريون ستة بلايين جنيه في مدينة الإنتاج الإعلامي‏..‏ بينما تدار قنوات فضائية ناجحة ومؤثرة من مجموعة مكاتب واستوديوهات صغيرة وعدد قليل من العاملين‏..‏ هل شاهدتم افتتاح دورة آسيا في قطر‏..‏ وهل تابعتم إنشاء جامعة احمد زويل في دول الخليج‏..‏



وهل شاهدتم أداء الممثلين السوريين إخراجا وأداء في مسلسلات رمضان وهل تابعتم صفرالمونديال عندنا‏..‏ وهل تتابعون إنتاج الأردن من الأدوية والمنسوجات‏..‏ وهل تعلمون كم حجم صادرات تونس والمغرب‏..‏ وهل قرأتم عن القمح السعودي والإنتاج الزراعي والصناعي المتقدم في السعودية‏..‏ وهل شاهدتم مدينة رائعة الجمال اسمها دبي هي الآن بكل المقاييس أهم مدينة في العالم العربي وتنافس بمساحتها الصغيرة أكبر العواصم في الساحة العربية بل العالمية وهل رأيتم الإنتاج السوري من الملابس‏..‏ وهل شاهدتم مظاهرات الشعب اللبناني‏..‏ وهل تابعتم انتخابات البحرين التي تمت بلا تزوير لتحصل المعارضة علي‏40%‏ من البرلمان‏..‏ وهل تتابعون موقف حماس وإصرارها علي التضحية أمام السماسرة والمتاجرين وإنتصار المقاومة اللبنانية في الجنوب وصمود الشعب العراقي في ملحمه من ملاحم التاريخ أمام البغي الأمريكي‏..‏



هل تتابعون رجال الأعمال في الدول العربية وما وصلت إليه مكانتهم في الأسواق العالمية وإنجازاتهم في بلادهم‏..‏ لم نقرأ أن واحدا منهم أخذ مليار جنيه من دماء شعبه وهرب‏..‏ ولم نسمع أن حكومة عربية تسترت علي أحد منهم ولم يدخل وزير معدم لا يملك شيئا الوزارة ليخرج منها بالبلايين‏..‏ لم نسمع أن في دول الخليج أطفال شوارع يموتون جوعا علي الأرصفة‏..‏ أو توربيني قتل العشرات رغم أن لدينا عشرات المجالس التي تهتم بالمرآة والطفولة والفقراء وتقيم عشرات المهرجانات والمؤتمرات‏..‏



وبعد ذلك جئنا نتحدث عن الأزياء‏..‏ إذا كان الحساب ضرورة فيجب أن يكون حسابا عسيرا لمن أسقطوا مكانة مصر وريادتها وهيبتها وجعلوها‏'‏ ملطشة‏'‏ للجميع‏..‏ أننا نتحدث عن فراغ عقول نسائنا وشبابنا‏..‏ والسؤال‏:‏ علي من تقع مسئولية هذا الفراغ وكل مسئول جلس في موقعه عشرين أو ثلاثين عاما‏..‏ إن هذا الشباب المتخلف كما يقول هؤلاء جاء إلي الحياة مع تولي هؤلاء المزايدين والهاربين لمسئولياتهم‏..‏ إذا كان الأبناء قد فسدوا فهل ولدتهم أمهاتهم فاسدين وهل هناك إنسان فاسد بالولادة أم أن هناك أبا يتحمل المسئولية وأما أهملت ومجتمع شارك في ذلك كله‏..‏



إن التخلف الثقافي والفكري الذي يدعي البعض أنه جاء إلينا من الخارج هو صناعة مصرية مائه في المائه لأن الخفافيش لن تغني غناء جميلا‏..‏ ونحن تفوقنا كثيرا في نشر الظلام ولهذا انتشرت في سمائنا الخفافيش‏..‏



لماذا لا يتحدث أحد عن المخدرات التي أغرقتنا بها إسرائيل‏..‏ والشذوذ والعري والجريمة الذي أغرقنا به الغرب والفساد الذي غرقت فيه مؤسساتنا حتي النخاع‏..‏



عندما يجلس المسئول في موقعة ثلاثين عاما ويتباكي علي التخلف بين أبناء شعبه فيجب أن يحاسب نفسه أولا ويسألها لماذا امتلأت الأرض بالخفافيش وغابت البلابل ولماذا اظلمت عقول شبابنا وتشوهت أزياء نسائنا‏..‏ وعلي من تقع مسئولية ذلك كله‏..‏



‏*‏ لقد كانت مصر دائما هي الرائدة والمؤثرة وصاحبة الكلمة العليا ولم يكن ذلك قرارا من أحد ولكنه قدر مصر‏..‏ وكانت مصر تقدم ما يؤكد دائما هذه الريادة‏..‏ كانت القرارات المصيرية التي تخص العرب‏,‏ كل العرب‏,‏ تتم في القاهرة‏..‏ وكان التعليم الحقيقي في مدارس مصر‏..‏ وكان الدين الحقيقي في أزهر مصر‏..‏ وكان السلوك المترفع في أهل مصر‏..‏ وكان الإنتاج المتطور علي أرض مصر‏..‏ لم يكن أحد يجرؤ أن يناقش كل هذه المسلمات‏..‏ كانت كلمة من طه حسين هي الحكمة وبيت شعر لشوقي هو الريادة وأغنية لأم كلثوم هي الفن ولحن للسنباطي هو المدرسة‏..‏



وكانت سلوكيات المصريين وترفعهم واكتفاؤهم يسبق كل شيء‏..‏ وكانت أناقة المرأة المصرية بلا ابتذال وشياكة الرجل المصري بلا مبالغة وكنا قبل ذلك كله نحب وطنا جميلا اسمه مصر‏..‏ ولكن لا ينبغي أبدا أن نلوم أحدا لما وصلت إليه أحوالنا وشوارعنا وسلوكيات شعبنا‏..‏ لا ينبغي أن نلقي المسئولية علي أشقاء تغلبوا علي الفقر والتخلف ووضعوا أنفسهم في المكان اللائق بهم كشعوب‏..‏ إن ذلك يؤكد جوانب الفرقة ويسيء لعلاقات تاريخية بيننا وبين أشقاءنا العرب في أي مكان ولا ينبغي أن نردد مثل هذا الكلام صراحة أو تلميحا ولا ينبغي أبدا أن يجيء علي لسان مسئولين يهربون من أخطائهم ويبررون خطاياهم في بإهمال عقل هذا الشعب حتي وصل إلي ما وصل‏,‏ إليه خاصة أن المسئول عندنا يجلس في مكانه سنوات طويلة وبعد ذلك يتساءل‏:‏ كيف حدثت كل هذه الكوارث ولا يعترف بها إلا بعد فوات الأوان‏..‏



أن ما حدث في مصر من مظاهر التخلف في السلوك والأزياء والأدوار والمسئولية صناعة مصرية كاملة الصنع شاركت فيها سياسات خاطئة ومسئولون غابت ضمائرهم وشعب فرط زمانا طويلا في حقه في أن يعيش حياة كريمة تليق به‏..‏ فلا تلوموا إلا أنفسكم‏.‏



‏..‏ ويبقي الشعر

يا سيدي‏..‏ فـلأعترف‏..‏

أن الجواد الجامح

المجنون قد خسر الرهان

وبأن أوحال الزمان الوغد

فوق رءوسنـا‏..‏

صارت ثياب المــلك والتيجان

وبأن أشباه الرجال تحكموا

وبأن هذا العصر للغلمان‏..‏



يا سيدي‏..‏ فـلأعترف

أن القصائد لا تساوي رقـصة

أو‏((‏ هز خصر‏))‏ في حمي السـلـطان

أن الفراشات الجميلـة

لن تقاوم خسة الثعبان

أن الأسود تـموت حزنـا

عندما تتحكم الفئران‏..‏



أن السماسرة الكبار توحشـوا

باعوا الشعوب‏..‏ وأجهضوا الأوطان ولأعترف يا سيدي‏..‏

أني وفيت‏..‏ وأن غيري خان

أني نزفت رحيق عمري

كي يطل الصبح

لكن‏..‏ خـانني الزمن الجبان

وبأنني قدمت فجر العمر قربانـا

لأصنام تـبيع الإفك جهرا

في حمي الشيطان

وبأنني بعت الشباب وفرحة الأيام

في زمن النـخاسة والهوان



ولأعترف يا سيدي‏..‏

أني خسرت العمر في هذا الرهان

وغدوت أحمل وجه إنسان بلا إنسان‏..‏





بين المال‏..‏ والسلطة

هوامش حرة

بين المال‏..‏ والسلطة

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



كلما ظهرت علي السطح قضية فساد خطيرة عادت إلي الأذهان صورة الزواج الباطل بين السلطة ورأس المال‏..‏ هذا الزواج الذي كان سببا في مظاهر خلل رهيبة أصابت حياتنا في السنوات الأخيرة‏..‏ لقد أنجب هذا الزواج أخطاء فادحة وسلوكيات مشبوهة واعتداءات صارخة علي المال العام بلا رحمة أو ضمير‏..‏



إن التداخل الشديد بين سلطة المال وسلطة القرار بكل توجهاته السياسية والاقتصادية والشعبية وباء خطير لا أدري متي تبرأ منه الدولة المصرية‏..‏



إن الغريب حقا في الأمر هو هذا السعي الشديد لدي كل رجل أعمال لكي يجد لنفسه مكانا في قطار السياسة سواء كان ذلك ممثلا في سلطة القرار في الحكومة أو في السلطة الشعبية في مجلس الشعب أو الشوري وصولا إلي المحليات والوحدات الفرعية في الأقاليم‏..‏ إن في كل منطقة من هذه المناطق مكاسب كثيرة توفر الكثير من المال بلا جهد وتوفر الكثير من العمر بلا تعب حتي أصبحت بؤر فساد لا يمكن ولا ينبغي تجاهلها‏..‏



وكنا في كل دورة برلمانية أو انتخابات محلية نقول ان الظاهرة سوف تختفي مع كل مؤسسة جديدة قادمة‏..‏ واننا سوف نتعلم من دروس الماضي وننسي نواب الكيف ونواب السياحة ونواب التأشيرات ونواب سميحة ونبدأ صفحة جديدة أكثر شفافية‏..‏ ولكن الواضح أن كل فترة تحمل لنا شبحا جديدا يمثل عدوانـا علي قدسية المال العام أو صحة المواطنين أو أراضي الدولة أو ينقل لنا فيروسات الفساد من مجلس إلي مجلس ومن دائرة إلي أخري‏..‏



كنا نتساءل دائما لماذا يتقاتل المواطنون للوصول إلي الحصانة‏..‏ هل هي شرف يرغبون فيه أو حماية يطلبونها أو لقب يحلمون به‏..‏ ولماذا يدفع الإنسان ملايين الجنيهات لكي يحمل هذا اللقب‏..‏ وكانت الحقيقة دائما تحمل إلينا هما ثقيلا يدمي قلوب الناس‏..‏ أن السعي إلي الحصانة وسيلة للإثراء وجمع المال والسلطة‏..‏ وهذا الثراء يأتي من توقيع مسئول كبير علي قطعة أرض أو تخصيص مكان لإقامة مصنع أو موافقة تعلية أبراج سكنية أو إبرام صفقة أو استيراد سلعة‏..‏ أن هذه الحصانة تفتح أبوابا كثيرة بين السلطة ممثلة في القرار والشعب ممثلا في نوابه ولكن للأسف الشديد أن هذه الأبواب السرية التي تؤكد هذه العلاقة تملؤها الشوائب والمحاذير والتجاوزات‏..‏



ولم يكن غريبا أن يصبح حلم كل مواطن في مصر أن يحمل لقب رجل أعمال حتي ولو كان يملك كشكا صغيرا‏..‏ وأن يتسع هذا الحلم ويكبر ليحمل لقب عضو بالبرلمان‏..‏ وأن يضع في جيبه تعويذة تفتح له جميع الأبواب تسمي الحصانة‏..‏ وهنا تقفز الأرقام في عينيه وفي دفاتر شيكاته وتعاملاته‏..‏ ولم يكن غريبا أن يتجه كل رجال الأعمال في مصر بكل نوعياتهم إلي الحصول علي الحصانة‏..‏ أنهاباب واسع نحو السلطة‏..‏ وباب أوسع نحو الثراء‏..‏ وباب أمن إذا جاء وقت للحساب‏..‏ وهذا يعني أن كل من حصل علي هذه التعويذة المقدسة يستطيع أن يجمع الأموال ويهادن السلطة أو يصادقها ويظل بعيدا عن أي مخاطر تهدد نشاطه وماله وعمله‏..‏



وما أكثر قضايا الفساد التي حفظت بسبب الحصانة‏..‏ وما أكثر الملفات التي أغلقت بسبب الحماية السياسية‏..‏ ما أكثر الذين هربوا بالأموال وخرجوا من المطارات تحميهم السلطة وما أكثر الذين ظلوا في مواقعهم لأنهم أكبر من الاتهامات وأقوي من القرارات ولهذا كان من الطبيعي في ظل هذا المناخ أن نقرأ كل يوم قضية فساد جديدة إذا لم تكن في طعام المواطنين أصابت صحتهم‏..‏ وإذا هربت من الاثنين أصابت عقولهم وإذا هربت من ذلك كله دمرت مستقبلهم‏..‏ وهو مستقبل أجيال من حقها أن تحلم وأن تعيش وتنعم في وطن آمن مستقر يحفظ حقوق أبنائه‏.‏



كم من القضايا شاهدنا علي صفحات الجرائد وفي ملفات المحاكم ومحاضر الشرطة وكم من التجاوزات والخطايا التي اختفت أمام هذا التداخل الشديد بين سلطة القرار وسلطة المال‏..‏ أليس غريبا أن يكون معظم رؤساء اللجان في مجلس الشعب والشوري من رجال الأعمال وأصحاب المشروعات الكبري في مصر وكلهم تقريبا من الحزب الوطني‏..‏ كيف نعالج التعارض الشديد بين أن يكون الشخص نفسه صاحب المال ومقررا لسياسة‏..‏ وقاضيا عن الشعب‏..‏ إن للمال لغته وللسياسة رجالها وللشعب حقوقه‏..‏ وإذا تداخلت كل هذه العناصر في بعضها فإن الفساد يفتح أبوابه علي مصراعيها‏..‏ كيف أكون صاحب مشروع ملزما بدفع الضرائب أو إنتاج سلعة وتقديم دفتر حسابات بكل أنشطتي وفي الوقت نفسه أشارك في وضع السياسة الضريبية والسياسة الإنتاجية والتصديرية وأضيف لها ما أريد وألغي منها ما أحب‏..‏ وإذا حدث بعد ذلك تجاوز أو خلاف فأنا القاضي وأنا المتهم وأنا الدفاع وأنا كل شيء في هذا البلد‏..‏



إن ذلك كله فتح الأبواب لكل ما نراه من ألوان التربيطات بين سلطة المال وسلطة القرار وسلطة الشعب‏..‏ ولا ينبغي أبدا أن يبقي هذا التداخل الرهيب في العلاقات بين مؤسسات الدولة‏..‏ أن يكون الحزب مسئولا عن الحكومة صاحبة القرار وأن يكون أعضاؤه في مجلس الشعب ممثلين لسلطة الشعب وأن يكون صاحب رأس المال الذي يدير شئون الدولة‏..‏ وإذا كان هناك حساب هل أحاسب صاحب رأس المال أم صاحب السلطة الشعبية أم صاحب سلطة القرار السياسية وماذا أفعل إذا وجدت نفسي أمام شخص يحمل كل هذه الصفات ويمثل هؤلاء جميعا في وقت واحد‏..‏ وإذا أردت أن أحاسب سلطة المال ممثلا للسلطة السياسية فماذا أفعل وإذا أردت أن أحاسب الاثنين كسلطة شعبية فماذا أفعل‏..‏ إن هذا التداخل المربك والمرتبك تترتب عليه نتائج في غاية الخطورة‏..‏ إن مجلس الشعب يواجه كل يوم قضية فساد بين أحد أعضاءه‏..‏ ما بين اعتداء علي مال عام أوشيكات مضروبة أو عمليات تزوير‏..‏ وتجتمع اللجان ويتساءل الجميع تـرفع الحصانة أم تبقي‏..‏ وللأسف الشديد فإن الكثير من الحصانات رفعت لأسباب غير موضوعية والكثير منها بقي رغم أنف القانون‏..‏



أقول ذلك والقضاء يتابع الآن قضية خطيرة حول صحة المواطنين لا أريد أن أتحدث فيها احتراما للقضاء ولكن هناك قضايا أخري مشابهة في مجلس الشوري حول العبارة وضحايا الفساد‏..‏ وكانت هناك تجاوزات كثيرة صمت الجميع عنها فهل كان قدرنا أن يأتي كل مجلس نيابي جديد بمسلسل جديد من الأخطاء والتجاوزات وهل كان قدرنا أن ندفع كشعب ثمن هذا الزواج الباطل ما بين السلطة ورأس المال ونواب الشعب وكيف يمكن لنا إنهاء هذه العلاقة غير المشروعه علي كل المستويات‏..‏



ما يحدث في مصر الآن ليس فقط زواجا باطلا ولكنه اغتصاب لحقوق المواطنين واعتداء علي شرف الوطن وامتهان لكل مقدساته‏..‏



يجب أن يبقي الحزب الوطني حزبا سياسيا بلا تجار‏..‏ وأن تبقي الحكومة حكومة للشعب بلا سماسرة‏..‏ وأن يظل مجلس الشعب والشوري حصنـا للشعب ضد كل من يعتدي علي حقوقه‏..‏ ما نراه الآن تجاوز مرفوض في حق الوطن وحق الشعب وحق المواطنين‏..‏



إن المطلوب الآن كما قرر رئيس مجلس الشعب د‏.‏فتحي سرور أن يفتح المجلس ملف علاقة نواب المجلس مع الحكومة طبقـا للمادة‏95‏ من الدستور التي تحظر علي عضو مجلس الشعب التعامل مع الحكومة بيعا وشراء وتوريدا‏..‏ ماذا نقول وفي كل يوم تظهر أمامنا كارثة جديدة عن حالات زواج غير مشروع بين سلطة القرار بكل أنواعها الشعبية والحكومية‏,‏ ورأس المال‏..‏ فمتي ينتهي هذا الزواج الباطل وتضع الدولة نهاية لهذه الظاهرة المؤسفة التي تهدد العلاقة بين كل مؤسسات الدولة‏..‏



..‏ ويبقي الشعر

الطــقس هذا العام ينـبئـني بأن الجوع قــاتل‏..‏

وبأن أشباح الظـلام تـطل من بين الخـمائل

والنـهر يبكي والطـيور تـفر من هول الزلازل

فـزواج عصر القـهر بالشرفاء باطل

ما بين مخبول‏..‏ ودجال‏..‏ وجاهل



الصبح في عينـيك تـحصده المنـاجـل

والفـجر يهرب كـلـما لاحت

علـي الأفق السلاسل

لا تــتـركي النـيران تــلتــهم الربيع

وتــرتــوي بدم السـنابـل



فـالقـهر حين يطيــش في زمن الخطـايا

لـن يفـرق‏..‏ بين مقـتـول‏..‏ وقـاتل





سيناء‏..‏ إلي أين ؟

هوامش حرة

سيناء‏..‏ إلي أين ؟

يكتبها‏:‏ فاروق جـويـدة



هناك غموض شديد يحيط بموقف الدولة طوال السنوات الماضية من مشروعات تنمية سيناء فما أكثر القصص التي تروي وما أكثر التصريحات والوعود‏..‏ ولكن الحقائق تبدو حزينة مخجلة إذا استعرضنا مظاهر التنمية في هذا الجزء العزيز من الوطن‏..‏ ومن أكثر الأشياء غرابة في هذه الظاهرة هو التعارض الشديد بين الأقوال والأفعال حتي أصبحت القضية تثير الكثير من الشك والتساؤل حول الهدف من إبقاء سيناء خالية من التنمية الحقيقية والسكان برغم مرور ربع قرن علي تحريرها والأغرب من ذلك هو الأحاديث الطويلة عن أهميتها بالنسبة لأمن مصر القومي رغم أن كل ما يحدث فيها الآن يمثل خطرا حقيقيا علي هذا الأمن‏..‏



هناك مسلسل طويل من الأحداث والوقائع التي شهدتها سيناء ابتداء باحتلال صهيوني دام سنوات وانتهاء بعودة لم تتجاوز في طقوسها احتفالية هنا أو عيد هناك‏..‏ وبقيت سيناء تعاني الكثير من الإهمال وتواجه العديد من المشاكل وما أكثر حلقات هذا المسلسل السخيف‏..‏



لقد وصلتني رسائل كثيرة من عدد كبير من أبناء سيناء أذكر منهم د‏.‏ حسام الكاشف‏..‏ وصلاح البلك‏..‏ ومحمد الكاشف وعدد من أسر المعتقلين وكلها تحكي قصصا دامية‏..‏



كان المشروع القومي لتنمية سيناء يحتاج تنفيذه كما كان مقررا في سياسة الدولة إلي‏72‏ مليار جنيه وشمل ذلك صناعات تعدينية واستصلاح أكثر من نصف مليون فدان وتوسعات في المشروعات السياحية والغريب أن يقال الآن أن الدولة أنفقت من هذا المبلغ‏30‏ مليار جنيه بالفعل تم استثمارها في مشروعات للتنمية‏..‏ وإذا بحثت عن هذه المشروعات فلن تجد منها شيئا باستثناء الشريط الفيروزي الأزرق في طابا وشرم الشيخ‏..‏



كان من أهداف هذا المشروع القومي أيضا خطة لتهجير‏2‏ مليون مواطن مصري إلي أرض سيناء ودخول سكانها من البدو في نسيج حضاري واجتماعي وإنساني مع سكان الوادي‏..‏ وفتح أفاق للعمل والإنتاج لملايين البشر الذين لا يجدون عملا‏..‏ وللأسف الشديد أن هذا الهدف لم يتحقق شيء منه‏..‏ بل ان سيناء الآن تعاني أزمة حقيقية تتمثل في الهجرة العكسية التي شهدتها في الفترة الأخيرة أمام الاضطهاد الأمني وانتشار أساليب التعسف والعنف في التعامل مع المواطنين‏..‏



إن هناك تقارير دولية ومصرية تؤكد أن وسط سيناء وهي أكثر مناطقها ثراء بالخامات والفحم والأسمنت وخامات تصنيع السيراميك والرخام ورمال الزجاج والرمال السوداء هي أكثر المناطق فقرا ليس في سيناء وحدها ولكن علي مستوي مصر الدولة‏..‏



كان شيئا غريبا أن تمتد ترعة السلام تحمل مياه النيل إلي صحاري سيناء وكانت هناك خطة لزراعة‏450‏ ألف فدان من الأراضي وكانت المفاجأة أن هذه الترعة التي تكلفت مئات الملايين من الجنيهات قد تحولت الآن إلي مزارع سمكية وأن التقاوي التي أرسلتها الحكومة لتزرع بها الأراضي قد تحولت إلي أعلاف وهكذا تحولت ترعة السلام من مشروع إنتاجي وزراعي ضخم إلي مزرعة لإنتاج الأسماك‏..‏



كانت هناك أيضا خطة لإقامة منطقة صناعية في بئر العبد وقالت الحكومة يومها إن هذه المشروعات ستوفر‏250‏ ألف فرصة عمل‏..‏ وتمت عمليات تقسيم الأراضي ومد الطرق والمرافق وبعد ذلك تم تجميد كل شيء‏..‏



وحتي الآن فإن مدينة العريش مازالت تعاني نقصا في مياة الشرب والخدمات وكأنها تعيش في العصور الوسطي بينما تنعم شرم الشيخ بكل الرعاية والاهتمام وفي الوقت الذي تقام فيه الاحتفالات والاستقبالات في شرم الشيخ فإن العريش لم تشهد زيارة مسئول كبير واحد طوال السنوات الماضية‏..‏



وإذا اقتربنا أكثر من مشاكل البدو في سيناء فإن الهاجس الأمني يضع الآن ستارا كبيرا بين أجهزة الأمن والمواطنين في سيناء بعد أحداث طابا وشرم الشيخ وكأن الجميع مدان في هذه الجرائم‏..‏ لقد وقف سكان سيناء بلا استثناء مع قوات الأمن وشاركوا في مطاردة الإرهابيين ولكن بعد أن لقي المجرمون عقابهم أمام القضاء العادل ومازال هناك العشرات من الطلاب والموظفين والأباء معتقلون في ايدي أجهزة الأمن رغم أنهم لم يدانوا في شيء‏..‏ والأسوأ من ذلك كله أن أشكال العقاب الجماعي قد امتدت إلي مقدسات المجتمعات البدوية في اعتقال النساء‏..‏ وهذا أمر في غاية الخطورة‏..‏



لقد عاني سكان سيناء سنوات الاحتلال الإسرائيلي بين الظلم والتعسف والمقاومة ولا يعقل أن يكون جزاء هؤلاء هو ما يعانون منه الآن‏..‏



وإذا كان البدو في سيناء قد تحملوا هذا كله فإن الحكومة قد كافأتهم أخيرا بقرار غريب من رئيس الوزراء د‏.‏ أحمد نظيف حمل رقم‏2041‏ لسنة‏2006‏ وفي القرار قصص وحكايات عجيبة‏..‏ إننا نعرف أن ملكية الأراضي في سيناء ليست أكثر من حجج عرفية بمعني أن الحكومة لم تنشأ مكاتب للشهر العقاري في هذه المناطق النائية وكلنا نعرف أن‏90%‏ من ملكيات الأراضي في مصر عقود عرفية غير موثقة‏..‏ ولكن فجأة وبلا مقدمات وطبقا لهذا القرار ألغت الحكومة جميع الملكيات السابقة المستقرة وطالبت الأهالي بسداد قيمة الأراضي التي يملكونها منذ سنوات بعيدة وذلك علي أساس أن كل أراضي سيناء ملك للدولة ولم تعترف الحكومة بما لديهم من عقود عرفية أو ملكية ثابتة‏..‏



وهذا يعني أن يعاد تقييم سعر هذه الأراضي مرة أخري‏..‏ ويتحمل أصحابها مسئولية سداد قيمة أرض يملكونها منذ سنوات‏..‏ وما حدث في الأراضي حدث أيضا في البيوت حيث يجري الآن حصر بيوت المواطنين في سيناء التي عاشوا فيها كل سنوات عمرهم وورثوها عن أجدادهم وأصبحوا الآن مطالبون بشرائها من الحكومة مرة أخري وبشروط قاسية أقلها ضررا ألا تملك الأسرة أكثر من بيت واحد حسب القرار وأن يتم تقدير أسعار الأراضي والبيوت طبقا لما هو سائد الآن‏..‏



هذا القرار الغريب الذي أصدره رئيس الحكومة يلغي قرارات قديمة سبقت حددت مبلغ خمسين جنيها لشراء الفدان في الأراضي الصحراوية لسكان سيناء في عام‏89‏ وحددت سعر متر الأرض للبناء بجنيهين فقط للمتر‏..‏ وأشتري الناس الأراضي وأقاموا البيوت في الصحراء حتي أتت حكومتنا الرشيدة أخيرا لتعيد تقدير سعر الأراضي والبيوت ومن لا يدفع يطرد من أرضه وداره‏..‏ ولا أدري ما هو السر في مثل هذا القرار المريب هل تريد الحكومة تغطية العجز في الميزانية والديون ونفقاتها الضخمة من دماء المساكين والغلابة من بدو سيناء‏,‏ إن منطق الجباية ظاهرة خطيرة للغاية في سلوك الحكومة وموقفها من الناس‏..‏



إن كل قبيلة في سيناء تعرف حدود أراضيها منذ عشرات السنين وتقوم علي زراعتها بالقمح والشعير علي مياه المطر وليس مياه ترعة السلام التي خصصتها الحكومة لإنتاج الأسماك وأغراض أخري لا يعرفها أحد‏..‏ كما أن ملكيات هذه الأراضي قامت علي تقاليد وأعراف ومواريث وعقود عرفية وملكية ثابتة امتدت عشرات السنين أمام غياب مؤسسات الحكومة عن هذه المناطق النائية‏..‏



وعندما فتشت الحكومة في أوراقها القديمة وجدت أنها تستطيع أن تهبط علي هؤلاء الغلابة وتعيد تسعير هذه الأراضي وتجمع منهم بعض الأموال أو تقوم بالاستيلاء عليها وبيعها لكبار المستثمرين الذين يتربصون كالوحوش بكل شاردة في الصحراء‏..‏ لقد وصلتني عشرات الرسائل من رؤساء القبائل في سيناء ولديهم شكاوي كثيرة والسؤال الآن ما هو الهدف من تفريغ سيناء من السكان بهذه الصورة الوحشية‏..‏



ومن يتحمل مسئولية طرد المواطنين من أراضيهم وبيوتهم ومن أين يدفع هؤلاء ثمن أرض ورثوها أو قاموا بشرائها في عهد حكومات سابقة‏..‏ وهل هذا هو رد الجميل لأهالي سيناء الذين صانوا الأرض وحافظوا عليها وإذا كانت الحكومة لم تنفذ ما وعدت به في سنوات سابقة من مشروعات لتنمية سيناء فهل جاءت الآن للتضييق علي سكانها أمنيا ومعيشيا وإنسانيا حتي يرحلوا عنها فتقيم المزادات والمناقصات لبيع أراضيهم‏..‏ وما هو الهدف النهائي من هذا الرحيل هل يعقل أن نطالب الآن البدو في سيناء بعد أكثر من سبعين عاما من الملكية الثابتة لبيوتهم أن يتقدموا للمسئولين فيها للتعامل بالإيجار أو البيع أو حق الانتفاع في بيوت ورثوها عن أبائهم‏..‏



أن القضية أخطر بكثير من كل ما نراه علي السطح لأننا أمام مجموعة قضايا في وقت واحد نحن أمام إهمال متعمد للتنمية في سيناء‏..‏ وأمام خطة واضحة لمنع المواطنين في الوادي من الانتقال إليها‏..‏ وأمام مطاردات مقصودة لسكانها بهدف النزوح عنها وكلها مؤشرات تثير الشك والدهشة والتساؤل‏..‏ فهل أجد الشجاعة لدي أحد من المسئولين في الحكومة ليكشف لنا حقيقة ما يجري تجاه سيناء‏..‏ أم أننا سنفتح يوما عيوننا في الصباح لنجد الكارثة‏..‏



إنني أعلم أن الرئيس مبارك شخصيا يحمل إعزازا خاصا لأهالينا في سيناء وكثيرا ما طالب الحكومات المتلاحقة بالسعي لتمليك الأراضي في سيناء لأبنائها ولا يعقل بعد ذلك كله أن تقيم الحكومة الحالية مزادات ومناقصات لبيع ممتلكات هؤلاء الناس ولا تعترف بملكيات ثابتة عرفيا وتاريخيا وبالوراثة‏..‏ القضية تحتاج إلي قرار حكيم يحفظ للناس حقوقهم‏..‏ ويحفظ لسيناء سكانها‏.‏


..‏ ويبقي الشعر

أي أرض تـرغبون وأي لون تعشقـون

وأي دين ترفضون

قل لي بربـك أي ثأر تطــلـبون‏..‏

إن كـان ثأرا من صلاح الدين في حطـين لا تغـضب

فأنـتـم في رحاب القـدس جهرا ترتـعون‏..‏

إن كـان ثأرا من قـلوب آمنت

فالله يهدي من يشاء ولن يضل المهتـدون‏..‏


حمي‏..‏ شراء الأراضي

هوامش حرة

حمي‏..‏ شراء الأراضي

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



اتصلت بي في الأسبوع الماضي إعلامية فاضلة من جيل ترك علامات بارزة في حياتنا الثقافية كانت من أزهي وأعمق مراحل العطاء المصري الأصيل‏..‏ ولم تحدثني الصديقة العزيزة عن قضية إعلامية ولكنها حدثتني في موضوع شائك ومعقد للغاية وأريد أن أطرحه بكل الصدق والأمانة علي القاريء أولا وعلي المسئولين وجهات الاختصاص بعد ذلك‏..‏



قالت محدثتي‏:‏ أملك قطعة أرض زراعية في إحدي المناطق بمحافظة الفيوم ورثتها عن والدي وكان قد اشتراها من أحد الرعايا اليهود في مصر قبل رحيلهم عنها‏..‏ أن سعر الفدان في هذه الأراضي كان يتراوح بين‏35,30‏ ألف جنيه وهذا أقصي ما وصلت إليه أسعار الأراضي الزراعية في هذه المناطق في الفيوم حتي شهور قليلة مضت‏..‏ وفوجئنا في الفترة الاخيرة بعمليات شراء واسعة للأراضي الزراعية خاصة الأراضي الطينية وليست الرملية أو المستصلحة‏..‏ وبدأت عمليات مضاربات وصلت بسعر الفدان خلال شهور قليلة إلي‏120‏ ألف جنيه بزيادة‏400%‏ تقريبا‏..‏ ويتردد أن وراء عمليات الشراء أسماء مصرية وعربية للمشترين‏,‏ بينما هناك من يؤكد أن الأموال إسرائيلية وأن اليهود عادوا مرة أخري لشراء الأراضي في مصر خاصة في دلتا مصر والأراضي الطينية بصفة خاصة وقالت السيدة الفاضلة ألا قد بلغت اللهم فاشهد وعلي أجهزة الدولة التي تهتم بقضايا الأمن القومي أن ترصد مثل هذه الظواهر‏..‏



وأنا من جانبي أطرح هذا السؤال ما مدي صحة هذه التوجهات الغريبة خاصة أن أسعار الأراضي الزراعية في مصر قد زادت بصورة مخيفة‏..‏ في محافظة البحيرة ارتفعت من‏50‏ ألف جنيه للفدان إلي مائة وعشرين ألف جنيه‏..‏ وفي الغربية من‏80‏ ألف جنيه إلي‏220‏ ألفا‏..‏ وفي محافظة كفر الشيخ زاد سعر الفدان عن‏200‏ ألف جنيه‏..‏ والغريب في الأمر بالفعل أن عمليات البيع والشراء تتركز في الاراضي الطينية النيلية بعيدا عن الصحاري والأراضي المستصلحة‏..‏



وربما تكون قصة بيع الأراضي في محافظة الفيوم لها علاقة وطيدة بتاريخ اليهود في مصر‏,‏ فهناك اعتقاد بل هناك شواهد تاريخية أن سيدنا يعقوب عاش في الفيوم وان سيدنا يوسف دفن فيها‏..‏ وهناك أيضا بحيرة قارون بكل ظلالها التاريخية‏..‏ وهذا كله قريب من تل العمارنة في الجيزة حيث يعتقد المؤرخون اليهود بأن بناة الأهرامات من العمال اليهود دفنوا في هذه المنطقة‏..‏ ومازالت إسرائيل توهم العالم كل يوم بالأكاذيب التي تدعي فيها أن اليهود هم بناة الأهرامات ولم يتردد بيجين أن يدعي ذلك أمام الرئيس السادات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد‏..‏ وفي إحدي الفضائيات الإسرائيلية تشاهد أحد الأهرامات علي جانب من الشاشة كرمز من رموز القناة‏..‏ وفي كثير من النشرات الدعائية للسياحة في إسرائيل تجد أبو الهول وأهرامات الجيزة علي أساس إنها جزء من الآثار الإسرائيلية‏..‏ وقد كتبت منذ فترة عن الشركة القطرية التي حاولت التنقيب عن الاثار في مصر واتضح أن وراءها شركة إسرائيلية فلا توجد علاقة بين قطر والآثار وتم وقف هذه العملية‏..‏ ولكن قضية بيع الأراضي في مصر وانتقال الملكية تحتاج إلي دراسة ووقفة تشارك فيها أطراف كثيرة‏..‏



‏*‏ أول هذه الاطراف هي أجهزة الأمن القومي في مصر وهي قادرة علي تتبع مثل هذه الخيوط وملاحقتها بصورة دقيقة وهل هناك بالفعل عمليات شراء لحساب جهات أخري أو إنها أمر طبيعي يخص مواطنين مصريين يشترون هذه الأراضي؟‏!..‏



‏*‏ من الأطراف الرئيسية في هذه القضية أيضا وزارة الزراعة وأجهزتها التي ترصد حيازات الأراضي الزراعية وهل يتم الشراء بطريقة طبيعية وفي مساحات محدودة أم أن هناك تركيزا علي تجميع مساحات كبيرة من الأراضي وهل هناك أسماء معينة تتردد في هذه الصفقات وما هي توجهاتها وهل هناك أسماء غير مصرية تقوم بعمليات الشراء وماذا تقول سجلات الشهر العقاري والجمعيات التعاونية بشأن حائزي هذه الأراضي؟‏!..‏



‏*‏ أن تتابع أجهزة الدولة ما يحدث في بعض المناطق الحساسة في بيع وشراء الأرضي ومنها علي سبيل المثال الجيزة والفيوم والبحيرة‏..‏ ولا أحد يعلم لماذا يتركز اهتمام إسرائيل منذ فترات بعيدة بمثل هذه المناطق‏..‏ وفي جانب آخر لابد من التدقيق الشديد في بعثات التنقيب علي الآثار الفرعونية حتي لا تتحول إلي بعثات مشبوهة خاصة أن التسلل في مثل هذه البعثات من الأمور العادية وقد نكتشف كوارث كثيرة فيها‏..‏



‏*‏ تبقي بعد ذلك قضية أكدها الرئيس مبارك أكثر من مرة وهي تمليك الأراضي المستصلحة في سيناء بصفة خاصة للشباب المصري‏,‏ أن هناك قرارا يمنع امتلاك الأراضي الصحراوية في سيناء لغير المصريين‏..‏



وعندما سألت المهندس أمين أباظة وزير الزراعة حول هذه القضية أكد الوزير أن القانون يحرم بيع الأراضي السمراء لغير المصريين ولا يجوز بيعها للعرب أو الأجانب وفي حالات خاصة جدا يجوز الاستثناء لبعض الأشقاء العرب بالشراء بقرار جمهوري وهذا ينطبق أيضا علي الأراضي المخصصة للبناء‏..‏ وحول ظاهرة ارتفاع أسعار الأراضي الطينية بصورة مخيفة قال وزير الزراعة‏:‏ إن السبب في هذه الزيادة هم العائدون من الدول الأوروبية بصفة خاصة فهم يشترون مساحات صغيرة جدا بهدف الملكية والشكل الاجتماعي وبأسعار مذهلة وصلت إلي‏250‏ ألف جنيه للفدان‏..‏ ولكن لا يجوز للأجانب تملك الأراضي الطينية‏..‏



والسؤال ومن يستطيع أن يرصد ذلك كله ويؤكد لنا أن الأراضي الزراعية لا تباع للأجانب وهل هناك ما يمنع أن تتسلل أسماء أجنبية أو عربية وراء أسماء مصرية؟‏!..‏ القضية تحتاج إلي متابعة أكثر حتي لا نجد ما بقي لدينا من الأراضي الزراعية في أياد لا نعرفها‏..‏ وهل يمكن لمجموعة أفراد عائدين من الخارج أن يرفعوا أسعار الأراضي الزراعية بهذه الصورة خاصة أننا نعرف حجم مدخراتهم ولماذا يحدث ذلك في مناطق معينة ولا يحدث في مناطق أخري‏.‏



‏*‏ لقد حذرت أكثر من مرة من مخاطر أن نترك سيناء خالية وقد وجدت من بين أوراقي رسالة بعث بها المستشار تهامي يعقوب عبد الشافي وهو من أبناء العريش حكي فيها قصة غريبة قال فيها‏'‏ كان والدي عمدة العريش منذ الأربعينيات وحتي وفاته في الستينيات عن‏85‏ عاما قال لي وهو يحكي عن احتلال سيناء في عام‏56‏ أرسل لي الحاكم الإسرائيلي مندوبا يخبرني بأن موسي ديان سيتناول الغداء معي في منزلي فاعتذرت بأن الظروف والإمكانيات لا تسمح فقال سوف نحضر كل شيء المهم أن يحضر اللقاء كبار العائلات والقبائل والمشايخ من أبناء سيناء ولم يكن لنا خيار في الرفض أو القبول



وجاء موسي ديان مع رجاله إلي بيتنا وبعد الغداء همس موسي ديان وكان يتحدث العربية وقال لوالدي أسمع يا عمده أحنا أخذنا فلسطين وأصبحت لنا دولة قوية بس أحنا مستعدين نسيب فلسطين كلها ونأخذ سيناء فقلت معقول تأخذوا سيناء وتسيبوا البيارات والمزارع والبساتين‏:‏ فقال ديان يا عمدة أنا أتعلمت في مصر وعرفت أن قدماء المصريين طلعوا من سيناء الذهب والأحجار الكريمة والنحاس والألماس والمنجنيز وماكنتش عارف أيامها يعني إيه منجنيز دي سيناء كنز كبير وأحنا زمان كنا فيها وأن كنتم لا تعلمون فإن فيها ثروات معدنية وبترولية وبحرية ولها شواطيء علي البحرين الأحمر والمتوسط وبها عيون موسي والجديرات كما أن سيناء حدود آمنة‏..‏



وأضاف المستشار عبد الشافي في رسالته وسألت والدي هل أبلغت المسئولين في مصر بما قاله لك ديان قال نعم وكانت النتيجة استضافتي من زوار الفجر ومعي ستون شيخا من مشايخ سيناء لمدة شهرين كاملين في سجون القاهرة‏..‏



وصلتني هذه الرسالة يوم أن كتبت مطالبا الحكومة بوضع خطة سريعة لاستكمال تنمية سيناء‏,‏لقد طالب الرئيس مبارك الحكومة في أكثر من مناسبة بأن تعطي سيناء أهمية خاصة في استصلاح الأراضي وتسهيل ملكية المواطنين للمشروعات فيها وتشجيع الشباب علي الذهاب إليها‏..‏ وما بين سيناء الخالية‏..‏ والأراضي الزراعية التي تباع لأسماء لا يعرفها أحد تبقي قضايا أمن مصر القومي قبل كل شيء وأهم من أي شيء‏..‏ أننا نفتح كل يوم عشرات القضايا التي يناقشها المسئولون والكتاب والإعلام والصحافة لكن يبدو أن هناك قضايا أهم واخطر لا تجد من يتابعها أو يتوقف عندها رغم أنها تتعلق بمستقبلنا ومستقبل ابنائنا‏..‏



متي نضع أولويات لقضايانا الحقيقية التي تتعلق بأمننا واستقرارنا ومواردنا وموقعنا علي خريطة الزمن والحياة‏..‏ متي نتخلص من تلك التفاهات اليومية والمعارك الوهمية التي استنزفت أعمارنا وحياتنا وشبابنا في حوارات لا جدوي منها ومعارك لا أساس لها‏..‏ وخلافات لن تضيف لنا شيئا؟‏!..‏



إننا في حاجة لأن نفيق من هذه الكوابيس الثقيلة وننظر للمستقبل لأنة كما قلت أكثر من مرة‏..‏ لن ينتظرنا كثيرا‏..‏



أمام حمي البيع التي تجتاج كل شيء في مصر الآن يجب أن نراجع أنفسنا بأمانه‏..‏ حتي لا نرتكب اليوم أخطاء يصعب علينا إصلاحها غدا‏..‏



‏ ويبقي الشعر..

أشتاق يا بغداد تمرك في فمي

من قال إن النفط أغلي من دمي؟‏!‏

مهما تعالت صيحة البهتان

في الزمن العمي



فهناك في الأفق البعيد صهيل فجر قادم

في الأفق يبدو سرب أحلام

يعانق أنجمي

مهما تواري الحلم عن عينيك

قومي‏..‏ واحلمي

ولتنثري في ماء دجلة أعظمي



فالصبح سوف يطل يوما

في مواكب مأتمي

الله أكبر من جنون الموت

والزمن البغيض الظالم




السبت، 30 يناير، 2010

رسالتان‏..‏ وتعقيب

هوامش حرة

رسالتان‏..‏ وتعقيب

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـــدة




عندما كتبت عن قصر العيني الفرنساوي منذ شهرين تقريبا لم يكن هدفي الإساءة إلي هذا الصرح الطبي الكبير‏..‏ لأن قصر العيني تاريخ عزيز علي المصريين فهو أعرق مدارس الطب في الساحة العربية وهو الجامعة التي تخرجت فيها أجيال من الأطباء العظام الذين نعتز بهم تاريخا وعطاء‏..‏ وكان هدفي من تناول هذه القضية أن ننظر بعين الاهتمام والرعاية إلي مؤسسات تضيع منا رغم أننا نستطيع بقليل من الإمكانات والاهتمام وحسن الإدارة أن نحافظ عليها‏..‏ وقد وصلتني عشرات الرسائل حول ما كتبت عن قصر العيني الفرنساوي وتلقيت دعوة كريمة من الدكتوره مها مراد رئيسة قصر العيني الجديدة وقمت بزيارة المستشفي واستمعت إلي شكاوي الأساتذة وشاهدت المرضي‏..‏ وتمنيت أن يبدأ المستشفي العريق مرحلة جديدة في ظل نظم أكثر انضباطا وحرصا علي حياة المواطنين‏..‏



علي جانب آخر وصلتني أخيرا رسالة من رئيس جامعة القاهرة د‏.‏ علي عبد الرحمن يوسف رسالة من الدكتور شريف عزب أستاذ جراحة قلب الأطفال بجامعة عين شمس وسوف أنشر الرسالتين رغم التفاوت الشديد في الرأي والتشخيص والواقع‏..‏ وفي النهاية تبقي لي كلمة‏..‏



يقول د‏.‏ علي عبد الرحمن رئيس جامعة القاهرة في رسالته‏:‏



أتشرف بأن أنهي إلي سيادتكم أنه ورد إلينا كتاب السيدة الأستاذة الدكتورة مدير مستشفي قصر العيني التعليمي الجديد متضمنا‏:‏

‏1-‏ بإن قسم الطواريء بمستشفي قصر العيني التعليم الجديد يقوم باستقبال المرضي لتحديد التخصصات التي يتم علي أساسها الكشف عليهم وتوجيههم للقسم المختص حيث يتم فحصهم في غرفة مخصصة معده بالتجهيزات الحديثة وبواسطة أعضاء هيئة التدريس الموجودين علي مدي اليوم ولا يوجد ما ذكره الكاتب من أن عشرات المرضي يفترشون مدخل المستشفي‏.‏



‏2-‏ إن مستشفي قصر العيني الجديد أحد المستشفيات التعليمية التي لها استقلالها المالي والإداري تابع لكلية الطب جامعة القاهرة ووزارة التعليم العالي وتخضع للإشراف الطبي الكامل بكل الأقسام العلاجية من مدير المستشفي والأساتذة روؤساء الأقسام الطبية والإكلينيكية بكلية الطب وعميد الكلية‏.‏



‏3-‏ إن المستشفي يقوم بدوره التعليمي والتدريبي للأطباء في صورة محاضرات وندوات وورش عمل ومؤتمرات علمية وعقد امتحانات عالمية وليس التعليم الطبي علي المرضي‏.‏



‏4-‏ إن الأسعار التي يقدمها مستشفي قصر العيني للمرضي نظير الكشف والعلاج تعتبر مقارنه بمثيلاتها علي مستوي الدولة هي الأقل من ناحية الأتعاب والأطباء والخدمات التي تقدم للمرضي من تحاليل وأشعات وعلاج طبيعي وغسيل الكلي وقسطرة القلب‏,‏ حيث تتم المحاسبة بسعر تكلفة المستلزمات الطبية والأدوية‏.‏



‏5-‏ قبول المرضي بالمستشفي يتم بدفع مبلغ تأمين زهيد‏,‏ وفي حالات الحوادث يتم قبول الحالة بالمبلغ المتاح لدي المريض طبقا لتعليمات وزارة الصحة في خلال الـ‏24‏ ساعة الأولي كان هذا رد رئيس جامعة القاهرة‏..‏ في الجانب الآخر رسالة د‏.‏ شريف عزب حول ما تعانيه المستشفيات الجامعية من جوانب القصور والإهمال يقول في رسالته‏:‏



قلت في مقالك إنك شكوت للسيد وزير الصحة لبعض مظاهر التسيب والفوضي التي شاهدتها في قصر العيني ولكن السؤال الذي يطرح نفسه بشدة‏:‏ هل ذهبت إلي مستشفيات تابعة لجامعات أخري في الأقاليم أو لوزارة الصحة في مدن الجمهورية الأخري ؟ هل ساقتك الأقدار يوما لدخول أي من هذه المستشفيات ؟ ولست في حاجة إلي جواب لأنني أعلم الجواب لأنه ببساطة إذا كنت لم تستطع أن تستوعب ما شاهدته في قصر العيني الذي هو أكبر مستشفي جامعي في الجمهورية وفي قلب القاهرة‏,‏ فماذا تقول لو ذهبت بالمصادفة إلي أحد هذه المستشفيات؟‏!.‏ فلن تصدق كم الفوضي والإهمال والقذارة وضعف الإمكانات الطبية والتمريضية ولن تصدق كم هي رخيصة جدا حياة المريض في مصر وأنها لا تساوي شيئا علي الإطلاق لأنها لو كانت تساوي شيئا لكان من العدل والإنصاف أن توجه الدولة جزءا من الأموال التي تنفق ببذخ شديد علي كل ما هو تافه في مجالات الفن والإعلام والرياضة والبنود الأخري التي لا تناقش في ميزانية الدولة العامة ثم نترك الفتات منها لميزانية الصحة ثم نزرع الوهم في قلوب المواطنين البسطاء أن مجرد تغيير الوزير السابق بوزير صحة جديد كان ناجحا في القطاع الخاص سوف يعدل الحال المايل في مجال الصحة ؟ كيف ومن أين ينفق الرجل وهو الذي قالها بصراحة‏:‏ لا تتوقعوا أي انفراج في الوضع الصحي في مصر دون زيادة بند الصحة في الميزانية العامة إنني سوف أقصر كلامي فقط علي قطاع الصحة والمستشفيات الذي أعيش في قلبه علي مدي الـ‏25‏ عاما‏..‏ وإليك المشكلة من جذورها‏:‏



أولا‏:‏ لا يوجد في مصر علي الإطلاق أي عجز في أعداد المستشفيات ولا في أعداد الأطباء بل يمكن تقليل الأعداد التي تقبل في كليات الطب كل عام إلي نحو‏50%‏ من الأعداد التي تلحق بها كل عام‏..‏



ثانيا‏:‏ لن تتحسن الخدمة الطبية في كل المستشفيات الجامعية والحكومية في مصر إلا من خلال الإنفاق الواسع في اتجاهين لا ثالث لهما‏:‏



الأول‏:‏ إنفاق علي المستلزمات والمستهلكات الطبية وتحديث وصيانة الأجهزة الطبية وتوفير كل الأدوية والخيوط الجراحية وكل بنود العلاج الأخري وكذلك التغذية والنظافة وصيانة المباني والحمامات وغيرها‏..‏



الثاني‏:‏ إنفاق علي الأطباء والتمريض والعاملين في المستشفيات‏,‏ وهذا هو الأساس في كل الفوضي التي نشاهدها في مصر‏..‏



إن وهذا التناقض الشديد بين ما تدفعه الدولة من رواتب لأساتذة الجامعات في كلية الطب وغيرها وبين أعباء الحياة التي لا ترحم هو ما أوصل المستشفيات الجامعية الكبري إلي هذا الحال المتدني‏,‏ فأصبح الأساتذة العاملون بهذه الكلية والمستشفيات ينقسمون إلي مجموعات‏:‏

‏*‏ أساتذة لا تدخل الأقسام التي تعمل بها بالأسابيع والشهور وحتي بالسنوات‏.‏


*‏ أساتذة تدخل الأقسام وتجري بعض الجراحات وتقوم ببعض الأعمال مرة في الأسبوع‏.‏


*‏ وهناك مجموعة أخري تذهب علي فترات لا للعمل ولكن لمجرد الظهور في المكاتب‏.‏



وما يحدث في الجامعات يحدث لكل الأطباء في وزارة الصحة ولكن بوضع مأساوي‏,‏ مراتب مدير المستشفي في وزارة الصحة لا يصل إلي الألف جنيه‏..‏ ولن أتحدث عن باقي عناصر الخدمة الطبية في مصر وهي التمريض والموظفون لأنها تحتاج إلي مجلدات ولك أن تعلم أن أكثر من نصف ممرضات مصر مصابات بالإنيميا وفقر الدم الناتج عن سوء التغذية‏..‏



أما أن تقول الدولة إن مظلة التأمين الصحي سوف تمتد وتمتد عبر الصحراء والجبال لتشمل الجميع من الوزير إلي الخفير‏,‏ فهذا هو منتهي النفاق الحكومي والحزبي وإلي سيادتكم‏:‏


*‏ يقوم التأمين الصحي بتحويل الأطفال لإجراء عمليات القلب إلي مستشفي الدمرداش‏(‏ علي سبيل المثال‏)‏ وإمكانية المستشفي هي القيام بإجراء نحو‏300‏ عملية لهؤلاء الأطفال بينما تقوم لجان التأمين بتحويل نحو‏(2000)‏ طفل وتكون النتيجة قائمة انتظار ازدادت حتي وصلت إلي عام ونصف العام‏.‏


*‏ مرضي الحمي الروماتزمية الذين في حاجة إلي تغيير صمامين مرة واحدة وليس صماما واحدا أصبحت معظم المستشفيات ترفض استقبالهم لأن تكلفة علاج المريض تصل إلي عشرين ألف جنيه والتامين الصحي أو القومسيون الطبي العام يدفع من‏5‏ إلي‏6‏ آلاف جنيه لهذه المستشفيات‏..‏ والسؤال‏..‏ إذا لم يكن المريض لديه القدرة لعلاج نفسه والدولة تنفض يديها أين يذهب هذا المريض وأين يجد من يساعده ؟‏!.‏



وتبقي لي بعد ذلك كلمة أخيرة‏:‏ إذا كانت هناك أولويات في الحياة للطعام والشراب وما يسمي الدعم والخدمات والطرق والكباري وشبكات المحمول فإن صحة المواطنين ينبغي أن تسبق ذلك كله‏..‏ وعندما نجد صرحا مثل القصر العيني يعاني قلة الموارد والنفقات ونجد فيه أجهزة معطلة واطباء كبار يحصلون علي أجور ضئيلة فلا يمكن أن ننتظر خدمة صحية جيدة‏..‏ أن الأستاذ الطبيب الذي يحصل علي راتب ألف جنيه شهريا لابد وأن يبحث عن مصدر رزق أخر‏..‏ ولا يعقل في ظل المسئولية الحكومية ألا يكون من حق وزارة الصحة ووزيرها مراقبة النواحي الصحية في أداء المستشفيات الجامعية لأن هذا يخالف كل الأعراف والتقاليد‏..‏ ولا أتصور أن يكون راتب خريج كليه الطب‏150‏ جنيها أي أقل من‏18‏ دولارا في الشهر‏..‏ ولا أتصور أن يجد المريض نفسه مطالبا بدفع آلاف الجنيهات وهو عاطل لا يعمل أو يأخذ راتبا من هذه الرواتب الهزيلة‏..‏ القضية تحتاج إلي نظرة أشمل وعلاج حقيقي بعيدا عن المسكنات التي أعتدناها ووصلت بنا إلي ما نحن فيه الآن ليس في الطب وحده ولكن في كل المجالات‏..‏



..‏ ويبقي الشعر





من ألـف عام

عشت أرسم في خيالي

صورة امرأة يخـبـئــها القــدر



كـانـت تـطـوف مع الليــالي كـلـما

سقــطــت طـيور العمر

وانــدثــرت كــأوراق الشــجر‏..‏



تـبدو بلــون الفـجر أحيانـا

بـلـون الـحزن أحيانــا

وحين تغـيب يخـتـنق القـمر‏..‏



فـيهـا لـهيب الشـمس‏..‏

فــيها سكـرة الأمواج

فـيهـا لـهفـة الأرض الحزينـة



لارتعاشـات المطـر‏..‏

فـيهـا حنين العاشقين إذا بدا

طـيف الفراق وعاد يدمـينـا السـفـر


هوامش حرة 29/12/2006