Loading

الأحد، 7 فبراير 2010

السـباق المحـموم

هوامش حرة

السـباق المحـموم

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




من المهم جدا ألا يكون هناك تعارض بين ثقافة صاحب القرار وفكره وبين طموحات المجتمع وأهدافه‏..‏ ولهذا يمكن أن تنجح ثقافة وفكر مسئول ما في مكان ما بينما تفشل تماما في مكان ومجتمع آخر‏..‏ ولهذا لابد أن يلتقي فكر صاحب القرار وثقافته مع ظروف مجتمعه وأحواله‏..‏ ومن هنا فإن ثقافة البيع التي تسيطر علي السياسة العامة في مصر الآن تعتبر شيئـا غريبا علي الواقع المصري ويبقي الفرق كبيرا جدا بين فكر يسعي إلي التخلص من كل شيء وفكر آخر ينبغي أن يحافظ علي كل شيء ولعل السبب في ذلك أننا في مصر أمام مجتمع له ظروفه الخاصة جدا‏..‏ إن مواردنا في كل شيء محدودة خاصة الأرض‏..‏ ولا نستطيع أن ندعي أننا نملك ثروات فريدة مثل دول أخري حتي يمكن لنا أن نتنازل عن شيء منها‏..‏ إن مساحات الأراضي في مصر تعتبر ضئيلة للغاية أمام مواردنا من المياه والزيادة السكانية المخيفة‏..‏

إن مساحة الأراضي النيلية أي التي تروي بماء النيل ضئيلة للغاية ولم تشهد عمليات توسع حقيقي منذ عهد الخديو إسماعيل عندما استصلح مليوني فدان في عشر سنوات هي سنوات حكمه واستطاع من خلال مجموعة الترع والقناطر التي أنشأها أن يضاعف مساحة الأرض الزراعية علي ضفاف النيل‏..‏ يضاف لذلك أن عمليات التوسع العمراني في الخمسين عاما الماضية أمام زيادة السكان أكلت ثلث الأراضي الزراعية في مصر وهذا يعني أن كل شبر يضيع بصورة أو أخري من الأرض الزراعية ليس فقط خسارة من الحاضر بل هو خسارة المستقبل أمام نقص الغذاء في كل دول العالم‏..‏

ومن هنا فإن التعامل مع قضية بيع الأرض ينبغي أن تحكمه مجموعة ضوابط واعتبارات مستقبلية حتي لا نجد أنفسنا في يوم من الأيام وقد خسرنا كل ما لدينا من رصيد للمستقبل‏..‏

هناك سباق محموم منذ سنوات لبيع الأرض‏..‏ تخفي هذا السباق أحيانـا وراء عمليات استصلاح الأراضي وزراعتها وقد نجح بالفعل في بعض المجالات في زراعة الفاكهة وتصديرها ولكنه لم يعوض في كل الحالات خسائر مصر من الأراضي الخصبة التي أكلتها مشروعات التوسع العمراني الرهيب‏..‏

وأمام هذا الهدف العشوائي قامت الدولة بتوزيع مساحات مخيفة من الأراضي علي عدد محدود من الأشخاص أو الجمعيات الأهلية أو التجمعات التي تضم فئات معينة لها امتيازات خاصة‏..‏ وقد شمل ذلك مساحات كبيرة جدا من الشواطيء كما حدث في سيناء والساحل الشمالي‏..‏ ومساحات كبيرة من الأراضي كما حدث علي الطريق الصحراوي بين القاهرة والاسكندرية أو القاهرة والاسماعيلية أو القاهرة والصعيد‏..‏ هناك أشخاص حصلوا علي ألاف الأفدنة بسعر‏200‏ جنيه للفدان‏..‏ وهناك من حصل علي ملايين الأمتار في الغردقة وشرم الشيخ وطابا بسعر دولار واحد للمتر‏..‏ وكان هذا الرصيد من الاراضي هو البورصة التي شهدت أكبر عمليات المضاربة في سعر الأراضي وتكوين الثروات‏..‏ وعلي سبيل المثال فإن عددا قليلا جدا من الأشخاص هم الذين حصلوا علي مساحات مخيفة من الأراضي في كل هذه الأماكن ما بين منتجعات شرم الشيخ والمناطق السياحية في الغردقة والمدن الجديدة في أكتوبر والعاشر من رمضان ومنتجعات مارينا والساحل‏,‏ لقد استصلح البعض الأراضي التي حصل عليها بينما حولها البعض الآخر إلي أرض بناء وأقام عليها القصور والفيلات وحقق مئات الملايين بينما أقام البعض الآخر المنتجعات السياحية والمدن والقري وحقق أيضا مئات الملايين وهناك طرف ثالث أقام علي هذه المساحات مشروعات مشتركة مع شركات أجنبية وسرعان ما تخارج من المشروع وآلت الملكية للشركة الأجنبية بما في ذلك ملكية الأرض وهناك مشروعات كثيرة حدث فيها ذلك وهنا كان ينبغي أن تحصل الدولة علي حق الشعب في كل هذه الصفقات‏..‏ لا أبالغ إذا قلت ان تراكم الثروات الذي شهدته مصر في السنوات الأخيرة قام علي تجارة الاراضي ولا شيء غيرها‏..‏ وهنا كان ينبغي أن نضع مجموعة من الضوابط‏..‏

*‏ أن من زرع الأرض ورفع قيمتها واستفاد منها كان ينبغي أن يرد حق هذا الشعب بعد حين‏..‏

*‏ أن من أقام المشروعات السياحية واستقبل ملايين السياح وقد دفع دولارا واحدا في متر الأض ينبغي أن يعطي الشعب حقه فيما حققه من أرباح‏..‏

*‏ أن من أقام مدينة سكنية علي أرض اشتراها بسعر‏200‏ جنيه للفدان ينبغي أن يرد للشعب حقه في الأرباح الطائلة التي استفاد منها‏..‏ كما أن المنتجعات التي بيعت فيها الفيلات بملايين الجنيهات في‏6‏ أكتوبر والقطامية والساحل الشمالي والغردقة كان ينبغي أن يحصل الشعب علي حقه فيها‏..‏ لا يمكن أن نلوم رجل أعمال أقام مشروعا كبيرا سواء كان زراعيا أو عمرانيا وربح فيه‏..‏ هنيئـا له كل ما ربح ولكن السؤال لماذا فرطت الدولة في حق هذا الشعب بعد أن باعت أرضه بأبخس الأثمان‏..‏ من أين كان سيحقق رجل الأعمال الملايين التي جمعها إذا لم يحصل علي الأرض‏..‏ إن الأرض التي أشتراها بهذا السعر الهزيل هي التي قدمها للبنك كضمان وهي التي حصل علي قروض بضمانها وهي التي أقام المشروعات عليها بعد أن جمع الأموال من الناس‏..‏ وهذا يعني أن كل شيء قام علي هذه الأرض ولا يوجد رجل أعمال واحد في مصر لم يلعب هذه اللعبة‏..‏
قطعة أرض بقرار تخصيص‏..‏ قرض من البنك بضمان الأرض‏..‏ إعلانات في الصحف وعمليات شراء من المواطنين‏..‏ وبعد ذلك تدفقت الملايين‏..‏ كل رجال الأعمال المصريين مارسوا هذه اللعبة ولكن الخطوة الأخيرة هي التي كان ينبغي أن تلعبها الحكومة وهي أن تحصل علي حق الشعب في ذلك كله‏..‏

*‏ علي الجانب الآخر فإن الحكومة تغاضت تماما عن المشروعات الصناعية التي باعتها لرجال الأعمال وقاموا بتفكيك المصانع وتسريح العمال وبيع الأراضي في مزادات للبناء‏..‏ هذه الأراضي والمشروعات تحتاج إلي وقفة كاملة لمراجعة سجل الاراضي التي بيعت والمصانع التي تفككت وتم بيعها في مزادات‏..‏ إذا كان من الممكن التجاوز عن أسعار بيع الأراضي وقرارات التخصيص وعمليات النهب المنظم لثروة مصر من الأراضي فيجب ألا يضيع حق هذا الشعب في مئات الملايين التي حققها بعض الأشخاص في سنوات قليلة‏..‏

لابد من الحساب عن ملفات الماضي حتي يمكن أن نفتح صفحة جديدة يتم فيها وضع الضمانات الكافية لكي نحافظ علي ما بقي لدينا من الأراضي وهو قليل للغاية‏..‏





ويبقي الشعر

أنا لا ألـوم العمر حين تبلدت

أيامه سأما علي الجـــــدران

لكن ألوم الدهر كيف تكسرت



في راحتيه أزاهر البستــــان

يوما حسبت بأن آخر عهدنـــا

بالـحب لحن عابر أشجانـــي



والآن عدت كأن لحني ما ابـتــدا

وكأنـنـا في عمرنـا طفــــــلان

قد تسألين الآن‏:‏ ما أقـصي المني ؟



قلـبـي وقلبـك حين يلتقيــان

إنـي أعاتب فيك عمري كلـــــــــه

يا ليت عمري كان في إمكـاني


'‏ من قصيدة أعاتب فيك عمري سنة‏2000'‏