Loading

الأحد، 7 فبراير، 2010

بين المتن والهوامش

هوامش حرة

بين المتن والهوامش

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




في قراءة سريعة للأحداث في الساحة العربية توقفت في الأسبوع الماضي عند بعض الأحداث التي تحمل أكثر من دلالة ويجب أن نقرأها بعناية لأنها تحمل مؤشرات كثيرة تعكس واقعا جديدا لا ينبغي أن نتجاهله أو نمر عليه مرور الكرام‏..‏ ان كل حدث من هذه الأحداث التي سأتوقف عندها قليلا يحتاج إلي قراءة واعية حتي نعرف الأرض التي تقف عليها أقدامنا‏..‏

*‏ أول هذه الأحداث اتفاق المصالحة اللبنانية في الدوحة تحت رعاية دولة قطر‏..‏ وقد جاء الاتفاق بعد محاولات كثيرة تدخلت فيها أطراف عربية لها ثقلها وتاريخها السياسي ولم تنجح هذه الأطراف في جهودها وجاء اتفاق الدوحة ليضع حقائق جديدة كان البعض يتحدث عنها باستخفاف أحيانا وبحياء في أحيان أخري‏..‏ هذه الحقائق كانت تقول ان هناك أشياء تغيرت علي الساحة العربية وأن المعادلات اختلت ما بين القلب والأطراف‏..‏ أو ما بين المتن والهوامش كما يقول أساتذة اللغة فلم يعد المتن متنا ولم تعد الهوامش كما كانت‏..‏

لقد اختلفت المنظومة واختلفت جوانبها أمام حقائق جديدة فرط البعض فيها في دوره ومسئولياته‏,‏ بينما كان البعض الآخر يسعي إلي ملء الفراغ واستبدال المواقع‏..‏ وهذا ما حدث في اتفاق الدوحة فلم يكن النجاح لشخص أو دولة ولكنه كان نجاحا لمنظومة جديدة‏..‏ لقد حاول البعض دائما أقناع العالم أن الدول ليست بحجم سكانها ومساحة أراضيها ولكن القيمة الحقيقية في مدي التأثير والتأثر ولهذا ينبغي أن يعاد تشكيل الأدوار من منظور جديد ورؤي معاصرة‏..‏ وكان أتفاق الدوحة تأكيدا لهذا الطرح الجديد‏..‏

*‏ الحدث الثاني الذي توقفت عنده هو افتتاح معرض للوحات الفنان العالمي بيكاسو في دولة الإمارات العربية ضم أكثر من‏180‏ لوحة وإقامة مزاد لمقتنيات سيدة الغناء العربي أم كلثوم وافتتاح مهرجان عن القاهرة في أدب نجيب محفوظ وملتقي الفجيرة الثقافي‏..‏ كل هذه الأحداث تمت خلال أيام قليلة ولاشك أن لها أكثر من دلالة وأكثر من معني أن عواصم الفن والثقافة تخلت عن دورها ورسالتها أمام مظاهر فجة وتجاوزات في فهم المعني الحقيقي للثقافة وأن هناك من يبحث عن الفن الجاد ويسعي إليه‏..‏

وإذا كانت مدينة مثل دبي قد أصبحت من أهم المراكز التجارية في العالم بل أصبحت حديث العالم كله فلن يكون غريبا أن تصبح منطقة الخليج ساحة جذب ثقافي وفكري خلال فترة زمنية قصيرة خاصة أن هذه البلاد لا تدعي أنها تنتج الثقافة ولكنها تؤكد بسياستها أنها ترعي الثقافة الحقيقية وتنفق عليها بسخاء‏..‏

في أقل من عشر سنوات تحولت مدينة دبي إلي خلية نحل أخذت من كل دول العالم شيئـا‏..‏ فهي مزيج من تجربة شرق آسيا في العمارة والصناعة والتجارة والتوكيلات التجارية ولم يعد البترول موردها الأساسي بل انها استعدت تماما لما بعد انتهاء احتياطيات البترول‏..‏ إن دبي أخذت تجارب الآخرين وطورتها‏,‏ فيها شيء من تجربة ماليزيا وسنغافوره وتايوان وهونج كونج وفيها العمارة الأمريكية بنماذجها الصارخة في الارتفاع وفيها قبل ذلك كله مؤسسات تعمل بروح من الجدية والانضباط‏..‏

كان من مظاهر الذكاء في العمل والإدارة وجذب الأضواء أن دبي احتفلت بالفريق القومي المصري وفوزه بكأس افريقيا قبل أن يحتفل به المصريون في القاهرة‏..‏ وهذا يعكس فكرا وأسلوبا متطورا في العمل والإنتاج والتسويق ابتداء بالإنتاج الصناعي وانتهاء بالنشاط الثقافي والكروي‏..‏

قال لي أحد رجال الأعمال المصريين‏..‏ كنت أمتلك ثلاثة مصانع في مدينة العاشر من رمضان وأمام تعسف الضرائب والروتين وتعطيل مصالح الناس والبيروقراطية في مصر قررت أن أنقل أحد هذه المصانع إلي دبي‏..‏ وحملتني الطائرة في أول زيارة لها وفي المطار وجدت مكاتب تستقبلني وتقدم لي كل الخدمات وتنهي كل الإجراءات في دقائق ورجعت لكي أنقل المصانع الثلاثة إلي دبي‏..‏ حيث أعيش الآن‏..‏ هذا هو الفرق بين إدارة ناجحة تسعي لتسهيل كل شيء‏..‏ وإدارة متسلطة لا تريد أن تنجز أي شيء‏..‏

*‏ الحدث الثالث‏..‏ هو إعلان افتتاح فرع لجامعة السربون أعرق جامعات فرنسا في أبو ظبي‏..‏ وهذه هي أول مرة في تاريخ الجامعة الفرنسية العريقة تقيم لها فرعا سواء خارج فرنسا أو في فرنسا نفسها‏..‏ والفرق بين السربون في أبو ظبي وبقية الجامعات الخاصة في دول أخري ونحن منها أن المشروع أقيم تحت إشراف الحكومة ومسئوليتها ولا يسعي إلي الربح ولم يقع فريسة مجموعة من التجار ورجال الأعمال الذين يتاجرون بمستقبل أبنائنا‏..‏ وما حدث في السربون في أبو ظبي هو ما حدث في جامعة التكنولوجيا التي أشرف عليها في دولة قطر واحد من أبناء مصر العظام هو د‏.‏ أحمد زويل الذي طاردته البيروقراطية المصرية العريقة وأعداء النجاح ولم يستطع حتي الآن أن ينجز حلم عمره بإقامة جامعة للعلم في ربوع مصر‏..‏

الغريب في الأحداث الثلاثة التي توقفت عندها أثناء زيارة سريعة لدولة الإمارات العربية أنها تجمع منظومات ثلاث‏..‏ سياسية‏..‏ وثقافية‏..‏ وتعليمية وما بين السياسة والثقافة والتعليم تبدو أمامي الأزمة الحقيقية التي تعيشها مصر‏..‏ فنحن في السياسة مكبلون بأجندات كثيرة شلت حركتنا وجعلتنا نفرط في دورنا ومسئوليتنا‏..‏ ونحن في الثقافة تخلينا عن دورنا الحقيقي وتركنا ساحتنا العربية واتجهنا إلي مناطق لا تقرأ ما نكتب ولا يربطنا بها تراث أو تاريخ‏,‏ ووجدنا أنفسنا معلقين في السماء فلا نحن أكلنا بلح الشام ولا رأينا عنب اليمن‏..‏

أما قضية التعليم فهي أم الأزمات الحقيقية وعندها تبدأ كل مشاكلنا‏..‏ ومنها أيضا يبدأ الحل إذا كنا نريده‏..‏ لا مستقبل لنا بدون التعليم وسيبقي مأساتنا الأولي والأخيرة ولا شيء قبله ولا شيء بعده‏..‏

هذه قراءة لأحداث تؤكد أن العالم يتغير وأن القلب لم يعد قلبا وأن الأطراف لم تعد أطرافا‏..‏ وأن الهوامش صارت متنا‏..‏ وأن المتن صار هو الهوامش‏..‏ وأننا نتحمل مسئولية التفريط في دورنا ومسئوليتنا وليتنا نقرأ كل ما يجري حولنا حتي لا نجد أنفسنا خارج الزمن والأحداث‏..‏



ويبقي الشعر


هذي الخيول العاجـزة

لن تـستـطيع الركض في قمم الجبال‏..‏

وكـل ما في الأفـق أمطار ورعد



ماذا سيبقي للجواد إذا تـهاوي

غير أن يرتاح في كفـن‏..‏ ولـحد

الفارس المكـسور ينظر‏..‏



والسماء تطل في غـضب وبين دموعها‏..‏

تخـبو مواثيق وعهد‏..‏

خدوعك في هذا المزاد



ظننت أن السم شـهد‏..‏

قتلوك في الأمس القريب

فكيف تسأل قاتليك



بأن تموت بحبـل ود‏..‏

قد كـنت يوما لا تري للحـلم حدا أي حد

والآن حاصرك المرابـي في المزاد بألف وغد



هذا المرابي‏..‏

سوف يخلف كل يوم ألف وعد‏..‏

لا تحزني أم المدائن لا تـخـافي



سوف يولد من رماد اليوم غـد

فغدا ستنبت بين أطـلال الحطام

ظلال بستـان‏..‏ وورد‏..‏



وغدا سيخرج من لظي هذا الركام

صهيل فرسان‏..‏ ومجد‏..‏

الفارس المكسور ينتظر النـهاية في جـلد



عينـان زائغتـان‏..‏ وجه شاحب‏..‏

وبريق حلم في مآقيه جمد‏..‏

لا تنتظر أحدا فلن يأتي أحد‏..‏



فالآن حاصرك الجليد‏..‏ إلي الأبد‏..‏


'‏ من قصيدة لا تنتظر أحدا فلن يأتي أحد سنة‏1998'‏