Loading

الأحد، 7 فبراير 2010

خلط الأوراق

هوامش حرة

خلط الأوراق

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


اشتدت حدة الخلافات حول قرارات الجباية التي أصدرتها الحكومة أخيرا من حيث التوقيت والفئات التي طالتها القرارات‏..‏ ولاشك أن الخلاف له ما يبرره حتي وإن أدعت الحكومة أن القرارات كانت في صالح الطبقات الفقيرة‏..‏ وبعيدا عن السهام التي أصابت الأغلبية فإن السؤال الذي دار في ذهني وأنا أتابع ما حدث من أين خرجت هذه القرارات‏..‏ وهل كانت بالفعل قرارات حكومة أم قرارات حزب أم أنها خرجت من سراديب رجال الأعمال‏..‏

والسبب في طرح هذا السؤال أن كل جهة من هذه الجهات لها الآن مواقف ورؤي تختلف كثيرا فيما بينها‏..‏ من الخطأ أن نقول إن هذه القرارات كانت انعكاسا لفكر الحكومة كل الحكومة‏,‏لأنني أعرف أن هناك من بين السادة الوزراء من عارض هذه القرارات ولكن أمام المسئولية الوزارية فإنهم يصمتون‏..‏ ومن الخطأ أيضا أن نقول إن القرارات تعكس فكر الحزب‏,‏ لأن الحزب الوطني خليط متشابك من أراء كثيرة تحركها المصالح ولا تحركها الأفكار‏..‏ ولكن الفئة الأخطر والأقوي في كل هذا السياق هم رجال الأعمال‏..‏ ومن هنا لا يعقل أبدا أن نتصور أن يصدر رجال الأعمال قرارات تضر مصالحهم أو تطالبهم بالتزامات أو تفرض عليهم شكلا من أشكال الجباية خاصة إذا أدركنا أن عليهم متأخرات ضريبية قيمتها‏37‏ مليار جنيه حسب ما جاء في تقرير الجهاز المركزي للمحاسبات‏..‏

وهنا يبدو أمامي هذا السؤال‏..‏ هل يجوز أن يكون جميع رؤساء اللجان في مجلس الشعب من رجال الأعمال‏..‏ وكيف يمكن التوفيق بين صفة رجل الأعمال كتاجر في الأسواق يمارس العمل التجاري بما فيه من أساليب البحث عن الربح أو الاحتكار أو التحايل وبين مسئوليته التشريعية في إصدار قانون أو فرض ضرائب علي المواطنين‏..‏ ما هو الخط الفاصل بين حق هذا التاجر في أن يكسب الملايين بأي أسلوب يراه وبين أن يشرع قانونـا المفروض أن يحقق قدرا من العدالة‏..‏ وماذا يحدث لو تعارضت أهداف التاجر والمشرع‏..‏ وكيف يقف هذا التاجر أمام المجلس متحدثـا باسم الحكومة والمجلس في وقت واحد‏..‏

والسبب في ذلك أن له صفتين فهو يمثل الحزب والحكومة وفي نفس الوقت يمثل مجلس الشعب صاحب السلطة التشريعية‏,‏ أليس في هذا الجمع بين سلطة القرار وسلطة التشريع وطبيعة العمل الذي يمارسه رجل الأعمال أوجه تعارض كثيرة‏..‏ والسؤال الأخطر عن مدي صحة هذه القرارات ومدي دستوريتها‏..‏ وحتي أكون أكثر وضوحا فإن التداخل في الاختصاصات بين قرارات أعدها الحزب وطرحتها الحكومة وأصدرها مجلس الشعب يبدو وكأنه دائرة واحدة وإن حملت ثلاثة أسماء‏..‏ والغريب في الأمر أن يتم ذلك كله في ساعات قليلة دون أن يأخذ حقه في الطرح والنقاش‏..

إن وجود رجال الأعمال في رئاسة جميع لجان مجلس الشعب يحتاج إلي توضيح قانوني خاصة أن هذه اللجان هي التي تعد وتناقش مشروعات القوانين التي تقدمها الحكومة‏..‏ والغريب في الأمر ان يكون رجل الأعمال مسئولا كبيرا في الحزب‏..‏ ومسئولا كبيرا في مجلس الشعب‏..‏ ومسئولا أكبر في حجم نشاطه التجاري‏..‏ كيف يتم التوفيق بين منصب في الحزب ومنصب في مجلس الشعب ونشاط تجاري ضخم يمثل أكبر درجات الحصانة غير المرئية‏..‏ لا أعتقد أن ذلك يحدث في أي مكان آخر في العالم أن يتحدث شخص واحد باسم الحزب والحكومة والمجلس التشريعي ولكن كل شيء في مصر جائز منذ تم هذا الزواج الباطل بين رأس المال والحزب والحكومة والسلطة التشريعية‏..‏

إن هناك قضايا كثيرة نامت في مجلس الشعب لأنها تتعارض مع مصالح بعض الأشخاص من كبار رجال الأعمال ومنها مشروعات قوانين تتحدث عن الاحتكارات وسيطرة رأس المال وغيرها من القضايا الشائكة وفي الوقت الذي كان ينبغي أن تتجه فيه القرارات الاقتصادية إلي فئات محددة هي الفئات القادرة فإنها جنحت لتأخذ طبقات وفئات أخري أحوج ما تكون للرعاية‏..‏

لقد تأخرت الحكومة كثيرا في فرض ضرائب علي مشروعات المناطق الحرة حيث كان الإعفاء من كل شيء رغم أن أصحابها يحققون أرباحا مذهلة‏..‏

تأخرت الحكومة أيضا في فرض ضرائب تصاعدية علي شرائح الدخل الأعلي من الأرباح التي تتجاوز مئات الملايين من الجنيهات‏..‏

تأخرت الحكومة أيضا في إصدار قوانين لمنع الاحتكارات في الأسواق بل إنها تجاهلت تماما القوانين الحالية السارية التي تمنع الاستغلال وتفرض رقابة صارمة علي الأسواق من خلال مؤسسات الدولة‏..‏ لقد اختفت تماما كل أشكال الرقابة علي الأسواق سواء كانت رقابة سعرية أو صحية أو رقابة علي مستويات الجودة في الإنتاج‏,‏ كل القوانين والإجراءات التي تعالج هذا الغياب لا وجود لها الآن‏..‏ والسبب في ذلك أن الذي يراقب هو الذي يتاجر وهو الذي يصدر القرارات وهو الذي يشرع القوانين‏,‏ ولعل هذا هو السبب في أن نجد في الأسواق سلعا فاسدة ولحوما فاسدة وتلاعبا في أسعار كل شيء‏..‏

ونحن الآن بهذه الصورة وبهذا التداخل الشديد أمام حالة فريدة لا مثيل لها في العالم أن رجال الأعمال الأثرياء هم أصحاب رأس المال‏..‏ وهم المتحكمون في الأسواق وفي أسعار السلع وهم الحزب الذي يعد مشروعات القوانين وهم الحكومة التي ينبغي أن تراقب وهم مجلس الشعب الذي يسن القوانين ويصدر التشريعات‏..‏

ولهذا سوف يكون من الصعب جدا أن تطلب الحكومة من رجال أعمالها أن يدفعوا ما عليهم من مستحقات تجاه هذا المجتمع او أن يفرض مجلس الشعب قانونـا يهدد مصالحهم أو أن يتجرأ عليهم أحد الوزراء ويطالبهم بمنع الاحتكارات أو يراقب الأسعار بدقة‏..‏
في مصر الآن أكثر من حكومة وأكثر من مجلس شعب وأكثر من قرار‏,‏ لأن كل رجل أعمال يمثل حكومة بشخصه‏..‏ وكل صاحب رأس مال يرأس لجنة كاملة في مجلس الشعب يفعل فيها وبها ما يشاء والمطلوب فض هذا التداخل بحيث تتحرر الحكومة من سيطرة رجال الأعمال‏..‏ ويتحرر مجلس الشعب من جبروت أعضاء الحزب الوطني وتتحرر القوانين والتشريعات من هيمنة رأس المال الذي يحكم الآن كل شيء‏..‏

لا يمكن تحقيق ما يسمي العدالة الاجتماعية في ظل هذا التداخل البغيض‏..‏ نريد حكومة لكل الشعب‏..‏ ومجلسا نيابيا يحكمه الشعب‏..‏ وقرارات لا يصدرها رجال الأعمال لكي تحقق مصالحهم لأننا أمام زواج باطل بين السلطة ورأس المال‏..‏






ويبقي الشعر

لا تنتظر أحدا

فلن يأتي أحد‏..‏

لم يبق شيء غير صوت الريح



والسيف الكـسيح‏..‏

ووجه حـلم يرتعد‏..‏

الفـارس المخـدوع ألـقـي تاجه



وسط الرياح وعاد يجري خـائفـا

واليأس بالقلـب الكـسـير قـد اسـتبد

صور عـلـي الجدران ترصدها العيون



وكلـما اقـتربت‏..‏ تـطل وتـبتـعد‏..‏

قـد عاد يذكر وجهه

والعزم في عينيه



والأمجاد بين يديـه

والتـاريخ في صمت سجد

الفـارس المخدوع في ليل الشــتاء



يدور مذعورا يفتــش عن سند

يسري الصقيع علـي وجوه النـاس

تـنـبـت وحشة في القـلـب



يفزع كـل شيء في الجسد

في ليـلة شتـوية الأشباح

عاد الفـارس المخدوع منكـسرا



يجر جواده

جثــث اللـيـالي حولـه

غير النـدامة ما حصد


'‏ من قصيدة لا تنتظر أحدا فلن يأتي أحد سنة‏1998'‏