Loading

السبت، 27 فبراير، 2010

هوامش حرة : الضمير المصري في محنة‏!

هوامش حره

الضمير المصري في محنة‏!‏

بقلم: فاروق جويدة





موقف يثير الحزن والأسي أن يطلب د‏.‏فتحي سرور رئيس مجلس الشعب من السيد حبيب العادلي وزير الداخلية أن تجري وزارة الداخلية التحريات الأمنية اللازمة لكشف التجاوزات في عمليات العلاج علي نفقة الدولة بعد كل ما أثير حول تورط عدد كبير من أعضاء مجلس الشعب في الحصول علي عشرات الملايين من الجنيهات تحت ستار العلاج عل نفقة الدولة‏..‏ علي جانب آخر أكد السيد صفوت الشريف رئيس مجلس الشوري وأمين عام الحزب الوطني أن الحساب سوف يكون عسيرا لكل من تورط في هذه الأخطاء‏..‏

من هنا ينبغي كشف الحقائق بسرعة أمام الرأي العام لأنها تمس موقف مجلس الشعب ونواب الحزب الوطني وحتي لا تسيء أخطاء عدد من الأعضاء إلي المجلس كله‏..‏ أن الكشوف التي نشرتها الصحف والمبالغ التي تقررت لعلاج المواطنين والتي وصلت إلي أرقام خيالية لحساب أعضاء مجلس الشعب تفتح أمامنا أبوابا كثيرة وتضع علامات استفهام لا حدود لها حول ما وصلت إليه أحوالنا شعبا وحكومة ونوابا في السلوك والأخلاق والضمائر‏..‏

أن أبسط شروط العلاج علي نفقة الدولة‏..‏ أن المواطن الذي يذهب إلي الحكومة طالبا العلاج علي نفقتها ينبغي أن يكون بالفعل مريضا وأن يكون محتاجا وغير قادر علي تحمل أعباء علاجه‏..‏ هذا العلاج الذي توفره الدولة للفقراء من أبناء المجتمع ينبغي أن ينفق في مكانه وأن يذهب إلي مستحقيه‏..‏ ولكن الواضح لنا الآن ومن خلال هذه القضية المخجلة أن الملايين تتدفق بين أيدي بعض أعضاء مجلس الشعب تحت ستار العلاج علي نفقة الدولة‏..‏ وراء هذا العلاج مستشفيات خاصة تتربح وتجمع الملايين بالباطل في عمليات جراحية مزيفة وأوراق كاذبة وتوقيعات مضللة وقرارات مضروبة‏..‏

وراء هذا العلاج كتيبة من السماسرة الذين يبيعون هذه القرارات ومعها يبيعون الأدوية والأجزاء التعويضية والكراسي الطبية‏..‏ باختصار شديد نحن أمام عملية نصب وتحايل كاملة العناصر وينبغي أن تأخذ طريقها إلي مكتب المستشار عبد المجيد محمود النائب العام ليقول فيها القضاء كلمته‏..‏ حتي ولو كان النواب يتمتعون بالحصانة‏..‏

ولهذا لم يكن غريبا أمام أساليب التحايل أن ترتفع نفقات العلاج إلي‏3.8‏ مليار جنيه سنويا في حين أن الميزانية المقررة لهذا البند هي‏1.4‏ مليار جنيه‏..‏ أي أننا أمام‏2.4‏ مليار جنيه زيادة‏..‏ أن الكشوف التي تم تداولها ونشرتها الصحف تكشف عن جريمة وفضيحة من الوزن الثقيل‏..‏ إذا كانت هذه المليارات قد تسربت إلي جيوب البعض ولم تذهب إلي أصحابها الحقيقيين من الفقراء‏,‏ فيجب أن يكون هناك حساب عسير لكل من شارك فيها‏..‏ من أعضاء مجلس الشعب أو المسئولين في الكومسيون الطبي بوزارة الصحة أن الأمر لا يتطلب فقط تحريات من وزارة الداخلية ولكنه يتطلب أيضا موقفـا حاسما من د‏.‏ حاتم الجبلي وزير الصحة عن أخطاء وتجاوزات حدثت في وزارته‏..‏

إن الأخطر من ذلك كله أن هذه البلايين التي تسربت إلي أماكن مجهولة كانت تكفي لإقامة عدد من المستشفيات أو إصلاح وتجديد عدد آخر من المستشفيات القائمة‏..‏ ولكن يبدو أن الدولة لا تريد إنشاء المستشفيات حتي تبقي مثل هذه العمليات التي تمثل موارد ثابتة للمسئولين وأعضاء مجلس الشعب‏..‏

إذا كانت الحكومة قد أنفقت هذه البلايين في عام واحد فكم كانت هذه الأرقام تبني من المستشفيات في أعوام سبقت‏..‏ إن هذا يعني أن الحكومة تتنكر لمسئولياتها الحقيقية وتتحايل علي علاج المواطنين‏..‏

عندما يقرأ الأطباء الشبان الذين لا تصل مرتباتهم إلي‏500‏ جنيه شهريا عن هذه المليارات‏,‏ وهم يطالبون بزيادة مرتباتهم كل يوم وتدعي الحكومة الفقر وعجز الموارد ثم يجدون هذه البلايين التي تتسرب إلي جيوب المسئولين والنواب ماذا يقول هؤلاء الأطباء وكيف نطالبهم بالعمل والإنتاج والانتماء؟‏!..‏

عندما يقرأ عمال شركة زيوت طنطا هذه الأرقام وهم يجلسون في العراء أمام مجلس الوزراء منذ أسابيع ولم يصرفوا مرتباتهم منذ شهور لأن الحكومة باعت مصانعهم وتركتهم للضياع‏..‏ ماذا يقول هؤلاء‏..‏

عندما يقف الآن ألاف المواطنين أمام مكاتب الضريبة العقارية وهم يعلمون أن أربعة بلايين جنيه من ضرائبهم التي دفعوها تسربت إلي جيوب نواب الشعب‏..‏ ماذا يقولون؟‏!..‏

عندما يقف الفلاح المسكين أمام مستوصف لا دواء فيه ولا علاج ويسمع عن عضو مجلس الشعب الذي حصل علي قرارات علاج بمبلغ‏24‏ مليون جنيه في أسبوع واحد‏..‏ وآخر حصل علي‏240‏ مليون جنيه في أربع سنوات‏..‏ ماذا يقول الغلابة عن ذلك كله؟‏!..‏

وعندما كان المواطنون يتساءلون عن علاج أنفلونزا الخنازير والحكومة تقول لهم إنها غير قادرة علي استيراد احتياجات‏80‏ مليون مواطن من التامفلو‏..‏ بل أنها رفضت توفير‏500‏ مليون جنيه لهذا الغرض‏..‏ كيف أنفقت‏3.8‏ مليار جنيه في صورة توقيعات مضروبة لأعضاء مجلس الشعب في عام واحد‏,‏ ومن أي بند في الميزانية صرفت هذا المبلغ‏..‏

عندما يقف ضحايا السيول في العريش وسيناء وأسوان ويسمعون هذه الأرقام أمام حكومة تركتهم في العراء يواجهون مصيرهم المؤلم‏..‏ ماذا يقولون؟‏!..‏

عندما يقرأ هذه الأرقام ملايين الشباب العاطل علي الأرصفة وهم يسألون كم فرصة عمل كان من الممكن أن توفرها هذه البلايين‏..‏ مائة ألف فرصة عمل‏..‏ نصف مليون فرصة عمل‏..‏ كم مسكنا تبني هذه البلايين لسكان العشوائيات‏..‏ وكم بيتا تضيء في ظلام الريف‏..‏ وكم قرية توفر لها مياه الشرب النظيفة‏,‏وكم رغيفـا تطعم بها ملايين الأطفال الجائعين‏..‏ وكيف نصدق رئيس الحكومة وهو يتحدث عن الدعم ومشاكل الدعم وأعباء الدعم ومستقبل الدعم وضحاياه‏..‏

هذه البلايين التي تسربت إلي أعضاء مجلس الشعب كانت تكفي لإقامة عشرات المدارس وآلاف البيوت لضحايا السيول‏..‏ ومئات المستوصفات الصحية في القري والمدن التي تعالج الناس كل الناس‏..‏

نحن أمام جريمة كبري لأن المتورطين فيها من ممثلي الأمة ونواب الشعب‏,‏ وأغلبهم من حزب الأغلبية الحزب الوطني الحاكم‏,‏ ولابد أن تكون للحزب وقفة حاسمة أمام الأعضاء المتورطين فيها لأننا علي أبواب انتخابات قادمة‏..‏

نحن أمام جريمة تتعلق بصحة المواطنين وبعد ذلك نقول إن الأمراض تنتشر‏,‏ وأن الأوبئة في كل مكان‏,‏ بينما تتسرب هذه الملايين إلي جيوب المسئولين ولا يجد المواطن دواء ولا علاجا ولا رحمة‏..‏

نحن أمام جريمة من الجرائم المخلة بالشرف‏..‏ والمفروض أن هناك قوانين تمنع استمرار عضو مجلس الشعب في موقعه أمام مثل هذه الجرائم‏..‏ وقبل هذا كله نحن أمام جريمة تؤكد أن الضمير المصري يعيش محنة حقيقية‏..‏ حين يتاجر البعض منا في ألآم الآخرين‏..‏ وحين نستبيح الأموال المخصصة لعلاج الفقراء‏.‏ وحين نحرم المريض من الدواء أمام النصب والتحايل‏,‏ فإن ذلك يمثل أسوأ مظاهر الانحطاط في السلوك والأخلاق‏..‏

كنا نتغاضي في أحيان كثيرة عن جرائم أخري حدثت في مجلس الشعب مثل التجارة في تأشيرات الحج والعمرة‏,‏ أو تجارة حصص الحديد والأسمنت والأسمدة‏..‏ أو الحصول بدون وجه حق علي مساحات من الأراضي‏,‏ أو بيع شقق إسكان الشباب والاتجار فيها أو الشتائم ولغة الحوار الهابط واستخدام الأحذية‏..‏ كنا نتغاضي عن الزواج الباطل بين رجال الأعمال والسلطة في الحزب الوطني‏,‏ ولكن كيف يمكن التغاضي عن هؤلاء الذين أخذوا أموال الغلابة والفقراء وتركوهم يموتون في الشوارع بلا علاج أو دواء‏,‏ إن الاتجار في صحة المواطنين خطيئة‏..‏ لا تغتفر‏..‏

وبعد ذلك كله نتحدث عن سياسات جديدة للتأمين الصحي وعلاج الفقراء‏,‏ واستخدام أساليب حضارية للمحافظة علي صحة المواطنين‏..‏ كيف يتوفر لنا ذلك في ظل هذا المناخ الغريب الذي استباح كل شيء ؟‏!..‏

إذا كانت الميزانية تتحمل سنويا‏3.8‏ مليار جنيه للعلاج علي نفقة الدولة فهذا يعني أن ننفق في عشر سنوات أكثر من‏38‏ مليار جنيه تدفعها الحكومة للمستشفيات الخاصة‏,‏ وهذه البلايين تكفي لإقامة عشرات المستشفيات المصرية للفقراء في كل محافظات مصر‏..‏

لن نسأل الحكومة عن بلايين الجنيهات التي أنفقتها في بلاعات الصرف الصحي‏,‏ ولم يرها أحد‏,‏ أو مشروعات المياه التي أقيمت علي الورق أو مشروعات إسكان الشباب الوهمية التي تم توزيعها علي أعضاء الحزب الوطني‏..‏ أو البلايين التي حصل عليها رجال الأعمال تحت بند دعم الصادرات‏..‏

لن نسألها عن سيارات السادة الوزراء أو تجديد مكاتبهم أو رحلاتهم الخارجية‏..‏ لن نسأل الحكومة عن المؤتمرات والمهرجانات والأفراح والليالي الملاح‏..‏ ولكن السؤال كيف تم صرف ما يقرب من أربعة بلايين جنيه لقرارات علاج مضروبة لم تصل إلي مستحقيها من الفقراء والبسطاء والغلابة؟‏!..‏

إذا كانت هذه الجريمة قد حدثت في شريحة بسيطة وقطاع صغير في إحدي وزارات الدولة وتكلفت أربعة بلايين جنيه في عام واحد‏,‏ فماذا عن البلاعات الأخري التي تسربت فيها ثروة هذا الشعب الغلبان‏..‏

بقي عندي سؤال أخير‏..‏ أين الجهاز المركزي للمحاسبات وأين الرقابة الإدارية وأين أجهزة الرقابة في الدولة المصرية من كل هذه الخطايا والكوارث‏..‏ إذا كانت وزارة الداخلية تعتقل الخارجين علي القانون والمهربين وتجار المخدارت‏..‏ والخارجين علي الشرعية والخارجين علي شعارات الحزب الوطني‏,‏ فماذا ستفعل مع الذين ارتكبوا هذه الجريمة‏..‏ لابد من الحساب‏..‏

الضمير المصري في محنة‏..‏ وهذه هي المأساة الحقيقية‏..‏





‏..‏ ويبقي الشعر

لا تـسألي العين الحزينة

كـيف أدمتـها المقـل‏..‏

لا تـسألي النـجم البعيد

بأي سر قد أفـل

مهما تـواري الحلم في عيني

وأرقني الأجل

مازلت المح في رماد العمر

شيئـا من أمل

فـغدا ستنـبـت في جبين الأفـق

نجمات جديده

وغدا ستـورق في لـيالي الحزن

أيام سعيدة

وغدا أراك علي المدي

شمسا تـضيء ظلام أيامي

وإن كـانت بعيده

لو أنـنـا لـم نـفترق

حملتـك في ضجر الشـوارع فـرحتي‏..‏

والخوف يلقيني علي الطـرقات

تتمايل الأحلام بين عيوننـا

وتـغيب في صمت اللـــقا نبضاتي

واللـيل سكـير يعانق كأسه

ويطوف منـتـشيا علي الحانـات

والضوء يسكب في العيون بريقـه

ويهيم في خجل علي الشرفـات‏..‏

كـنـا نـصلـي في الطـريق وحولـنا

يتندر الكـهان بالضحكـات

كـنـا نـعانق في الظـلام دموعنا

والدرب منفطـر من العبرات

وتوقـف الزمن المسافر في دمي

وتـعثـرت في لـوعة خطواتي

والوقت يرتـع والدقائق تـختـفي

فنـطـارد اللـحظـات‏..‏ باللـحظـات‏..‏

ما كـنت أعرف والرحيل يشدنا

أنـي أودع مهجتي وحياتي‏..‏

ما كان خوفي من وداع قد مضي

بل كان خوفي من فراق آتي

لم يبق شيء منذ كان وداعنا

غير الجراح تئن في كلماتي

لو أنـنـا لـم نـفترق

لبقيت في زمن الخطيئـة تـوبتي

وجعلت وجهك قبلـتي‏..‏ وصلاتي

من قصيدة لو أننا لم نفترق سنة‏1998‏






الجمعة، 19 فبراير، 2010

هوامش حرة : هل في مصر معارضة؟

هوامش حرة

هل في مصر معارضة؟

بقلم: فاروق جويدة





هل كل من انتقد أداء الحكومة‏,‏ أو أعلن العصيان علي قانون جائر‏,‏ أو سلط الأضواء علي خطأ ما يعتبر كاتبا معارضا‏..‏ وإذا كانت كل الأشياء كما يري البعض علي ما يرام‏,‏ وأنه ليس في الإمكان أفضل مما نحن فيه‏,‏ فما جدوي وجود أجهزة مثل الجهاز المركزي للمحاسبات

وهو مؤسسة حكومية ولماذا تقدم الرقابة الإدارية تقاريرها حول عمليات النهب والسرقة والاعتداء علي المال العام‏,‏ وهل يمكن أن نعتبر هذه المؤسسات قوي معارضة للحكومة والحزب الوطني‏..‏ وقبل هذا كله هل في مصر معارضة حقيقية مثل كل دول العالم المتقدم أم أننا مازلنا حتي الآن في الخطوة الأولي من طريق طويل يسمي الديمقراطية‏..‏

حين يطالب الإنسان بأبسط حقوقه في حياة كريمة تتوافر فيها الضروريات في الخبز والسكن والدواء والتعليم هل نعتبر ذلك تجاوزا‏..‏ وإذا طالب الإنسان بحقه في الحرية في أن يعبر عن رأيه حتي لو اختلف معه الآخرون هل يعتبر معارضا‏..‏ وإذا أصدرت الحكومة قانونا جائرا رغم موافقة السلطة التشريعية عليه ورأي المواطن أن من حقه أن يناقش هذا القانون هل يعتبر هذا المواطن خارجا علي القانون‏..‏ وإذا كشفت الصحافة جرائم اللصوص والمرتشين والمتاجرين بالمناصب هل يعتبر ذلك خروجا علي تقاليد صاحبة الجلالة‏..‏

أقول ذلك تعقيبا علي بعض الآراء الغريبة التي تتحدث دائما عن شيء يسمي المعارضة‏..‏ ويطلقون ذلك علي كل كاتب لا يسبح بحمد الحكومة ولا يسجد أمام قراراتها السماوية ويطلب منها الصفح والغفران حتي لو أخطأت وتجاوزت وفعلت كل ما يتنافي مع العدالة والأمانة والشفافية‏..‏

كيف نقول إن فلانا كاتب معارض وماذا تعني المعارضة في رأي هؤلاء‏..‏

هل كل من يطالب بحقوق المواطنين يعتبر معارضا‏..‏ حتي ولو لم يكن عضوا في حزب أو تنظيم أو جبهة سياسية فبماذا نسميه‏..‏ هل كل من يخرج علي القطيع أو يغني خارج السرب نراه متجاوزا‏..‏

إن هذا الخلط في المواقف والآراء يجعلنا دائما في حالة ارتباك دائم أمام مجتمع فقد الكثير من المعايير والقيم التي تحكم السلوكيات والمواقف‏..‏

لا أعتقد أننا بهذا الفهم الخاطيء ندرك المعني الحقيقي للمعارضة‏..‏ ليس لدينا تلك الأحزاب القوية ببرامجها وجماهيرها وافكارها حتي ندعي أن لدينا معارضة سياسية حقيقية‏..‏ لا يوجد في مصر حزب حقيقي معارض‏..‏ ولا توجد في الأحزاب المصرية الحالية تلك الكوادر التي يمكن أن تتشكل منها حكومة أو يخرج منها تيار فكري أو سياسي أو تستطيع أن تحرك الجماهير في اتجاه معين‏..‏

في دول الديمقراطيات الحقيقية توجد أحزاب تحكم ولكن الأهم من الأحزاب الحاكمة هو الأحزاب المعارضة‏..‏ وإذا كانت هناك حكومة حزبية في السلطة فهناك حكومة ظل تنتظر دورها في الشارع‏..‏ أن لها صحافتها القوية‏..‏ ولها أعضاء في البرلمان ولها برامج تنتظرها الجماهير‏..‏ وقبل هذا كله هي أحزاب لها تأثيرها الكبير في الشارع حيث تستطيع أن تحركه في أي وقت وفي أي اتجاه‏..‏

هذه الأحزاب لها مدارسها الفكرية التي يتخرج فيها الوزراء والمسئولون والقادة وهي قادرة دائما علي أن تجدد شبابها بقيادات ودماء جديدة‏,‏وهذا هو الفرق بين مجتمع يحكمه تداول السلطة وآخر يعاني من جمودها‏..‏ وهذه الأحزاب المعارضة تنتظر دائما الفرصة لتصل إلي الحكم لتنفذ برامجها ولهذا نراها دائما في حالة استعداد في أي لحظة لتمسك بعجلة القيادة‏..‏ وفي هذا الإطار يكون لهذه الأحزاب كتابها ومفكروها الذين يعبرون عن توجهات هذه الأحزاب ولا يمكن أن نطلق عليهم كتابا معارضين لأنهم في الحقيقة أكبر من أشخاصهم أنهم يمثلون فكر أحزاب قوية تتحدث باسم الجماهير‏..‏

وفي مصر لا يوجد شيء من ذلك كله‏..‏ ولهذا من الخطأ أم نقول إن هذا كاتب معارض يتحدث باسم حزب معين حيث لا حزب ولا معارضة‏..‏ ولكن هناك كاتبا تلقي كتاباته صدي لدي المواطنين لأنه يعبر عن أشياء قريبة منهم‏...‏ ومن المؤسف أن تسمع من يقول أن كتاب المعارضة في مصر لا يجدون شيئـا حسنـا علي الإطلاق أنهم يتصيدون أخطاء الحكومة‏..‏ وحتي لو كان هذا الأمر حقيقة فلماذا نسكت عن الأخطاء‏..‏ برغم أن المسئولين هم أحق الناس بمراجعة أخطائهم وهم الأولي بكشفها وعلاجها أمام المواطنين‏..‏

كيف نطلق لقب كاتب معارض علي كل من يكشف تجاوزات أو كوارث ويطالب الحكومة بمواجهتها والبحث عن حلول لها‏..‏ ما أكثر المواقف التي كان من الضروري مواجهتها والبحث عن أسبابها‏..‏ وقد شارك في هذه المواقف عشرات الكتاب الذين أبدوا أراء أو طرحوا فكرا أو أثاروا قضية ولا أعتقد أنهم فعلوا ذلك من باب المعارضة من أجل المعارضة أنهم أشخاص حريصون علي مصالح هذا الوطن وتحركهم دوافع وطنية صادقة لمطاردة الفساد والمفسدين‏..‏

‏*‏ حين بدأ الحديث عن كارثة توزيع الأراضي في مصر وما حدث فيها من أخطاء وتجاوزات وعمليات نهب تجاوزت كل الحدود في كل المناطق تقريبا‏..‏ لم يكن ذلك مجرد كتابات لأقلام معارضة ولكنها كانت دفاعا عن ثروة وطن ومستقبل أجيال ضد عصابات نهبت هذه الثروة بحماية من السلطة والقوانين ومازالت آثارها حتي الآن‏..‏ وكلنا نعلم الجرائم التي ارتكبت في نهب الثروة العقارية وهي ملك لكل المواطنين‏.‏ما حدث في المدن الجديدة وفي الساحل الشمالي وفي المناطق السياحية في شرم الشيخ والغردقة حتي وصلت التجاوزات إلي الصحاري البعيدة‏..‏ لا يمكن أن يقال إن ذلك كان أمرا طبيعيا بل هو كارثة بكل المقاييس ولا أعتقد أن هناك شخصا واحدا يمكن أن يدافع عن هذه التجاوزات أو أن يقف في صفها لأنها تتنافي مع كل الأعراف والقيم‏..‏

‏*‏ عندما تتكشف بعض الجرائم مثل قضية سياج و‏400‏ مليون جنيه تدفعها الحكومة من مال هذا الشعب تعويضا له نتيجة أخطاء جسيمة ارتكبها المسئولون عن توزيع الأراضي أو رفضوا تنفيذ أحكام القضاء أو التلاعب في المال العام‏..‏ حين يتم الكشف عن مثل هذه الجريمة أيا كان المسئول عنها فإن ذلك لا يمكن أن يحسب كموقف مؤيد أو معارض‏..‏ إنها جريمة لا ينبغي ألا يختلف عليها أحد سواء كان مؤيدا أم معارضا أنها كارثة بكل المقاييس وسيدفع الجميع ثمنها‏..‏

‏*‏ عندما يثور الشارع المصري رافضا قانون الضريبة العقارية بكل ما فيها من تجاوزات وأن يطالب بإعفاء السكن الخاص في هذا القانون‏..‏ ألا يعتبر ذلك حقـا للموطنين في أن يعبروا عن رأيهم من خلال الصحافة وأصحاب الرأي حتي ولو كان القانون قد صدر ووافق عليه مجلس الشعب‏..‏

‏*‏ عندما تجتاح تلال الزبالة البيوت وتهدد الصحة العامة‏..‏ وعندما لا يجد المواطن الماء النظيف أو رغيف الخبز أو العلاج في المستشفي او التعليم في المدرسة أو يموت من أجل الحصول علي أنبوبة بوتاجاز‏,‏ حين يطالب المواطن بحقه في هذه الخدمات هل يعتبر معارضا‏..‏ وهل قبول أكوام الزبالة وإغلاق المخابز واختلاط مياه الشرب بالمجاري قضايا يمكن أن يدافع عنها أحد وهل يمكن أن يدافع المسئولون في الحزب الوطني عن هذه الكوارث‏..‏

‏*‏ وحين تطرح الحكومة مئات المشروعات في برنامج الخصخصة للبيع دون دراسة أو متابعة ونري المشروعات الكبري وهي تباع بأقل من أسعارها ونجد العمال في الشوارع بلا عمل‏..‏ ونجد مصانع الأسمنت والحديد والمواد الكيماوية والأسمدة وغيرها من السلع الاستراتيجية وقد أصبحت ملكـا لمجموعة من الأشخاص يحتكرون الأسعار والأسواق والبشر هل يمكن أن يكون ذلك عملا مشروعا او نشاطـا طبيعيا أليس من حقنا أن نطالب بمحاكمة المسئولين عن بيع هذه المشروعات حتي لو كانوا في قبورهم‏..‏

‏*‏ وحين يهرب المئات من رجال الأعمال بأموال البنوك ونطالب الحكومة بالكشف عن هذه الجرائم ومطاردة هؤلاء الهاربين في أبعد نقطة في الكون لاسترداد أموال الشعب هل يحتاج ذلك إلي مواقف معارضة أم أننا جميعا ينبغي أن نقف في خندق واحد مهما يكن حجم الخلافات بيننا‏..‏

وعندما تتغاضي الحكومة عن أخطاء المسئولين فيها ويتغاضي مجلس الشعب عن محاسبة الحكومة ونسمع القصص والحكايات عن نهب المال العام‏..‏ وحين يقف الجهاز المركزي للمحاسبات مطالبا بوضع ضوابط للإنفاق الحكومي ويصرخ فينا بسبب ارتفاع حجم الديون الداخلية والخارجية ويتحدث عن أزمة البطالة وارتفاع الأسعار وعدم تحصيل الضرائب من رجال الأعمال‏..‏ هل مثل هذه القضايا تخص المعارضة وحدها وهل الجهاز المركزي للمحاسبات وهو جهاز حكومي يعتبر جهازا معارضا‏..‏

‏*‏ وحين تحدث تجاوزات سياسية أو ثقافية أو حتي رياضية هل نقبلها ونسكت عنها أم أن الأمانة والمصداقية تتطلب أن ننبه إلي هذه الأخطاء والتجاوزات من أجل تعديل المسار‏..‏ وإصلاح ما يمكن إصلاحه‏..‏

في الكثير من الأزمات مثل الخبز والمياه والنظافة والغاز والزبالة كانت لنا أخطاء وهناك ردود أفعال كانت في غاية السوء من الأجهزة المسئولة سياسيا وثقافيا ورياضيا واقتصاديا هل معني ذلك أن نسكت ونقول ليس في الامكان أفضل مما نحن فيه‏..‏ أو نتهم كل من يتحدث في هذه القضايا بأنه معارض‏..‏

‏*‏ هل يمكن السكوت عما يحدث من وقت لآخر من تجاوزات بين المسلمين والأقباط صارت حديثـا للعالم كله في وطن قام تاريخه كله علي هذه الوحدة التي تأصلت عبر مئات السنين‏..‏ هل نخفي رءوسنا في الرمال ونقول لا يوجد شيء علي الإطلاق أم نواجه الحقيقة ونحاول أن نبحث عن أسباب الأزمات وكيف نواجهها‏..‏ وإذا أخطأت أجهزة الدولة في مثل هذه المواقف هل ندافع عن أخطاء أم نبحث عن الحقيقة‏..‏

بعض الزملاء من حملة الأقلام والمباخر يتصورون أن كل من يكشف عن خطأ أو يطالب بمواقف أكثر حسما في مواجهة الأزمات التي يعاني منها المواطنون يعتبر كاتبا معارضا برغم أن المعارضة في حد ذاتها لا تمثل هدفـا أو أغراء‏..‏ فهي ضد المكاسب الشخصية ولغة المصالح وما أسهل أن ينضم الكاتب إلي مواكب المنافقين‏,‏ وكذابي الزفة وطوابير المنتفعين بحثـا عن صفقة أو منصب أو قطعة أرض فيري الباطل حقـا ويري الحرام حلالا‏..‏ ولكن ما أصدق سيدنا عمر رضي الله عنه عندما قال‏'‏ آه منك يا حق لقد أغضبت مني الناس جميعا‏'‏


‏..‏ ويبقي الشعر

لو أنـنـا‏..‏ لم نـفـتـرق

لبقيت نجما في سمائك ساريا

وتـركت عمري في لهيبك يحترق

لـو أنـني سافرت في قمم السحاب

وعدت نـهرا في ربوعك ينطلق

لكنـها الأحلام تـنثــرنـا سرابا في المدي

وتـظل سرا‏..‏ في الجوانح يخـتنق

لو أنـنـا‏..‏ لم نـفـتـرق

كـانـت خطانـا في ذهول تـبتعد

وتـشـدنا أشواقـنا

فنعود نـمسك بالطـريق المرتـعد

تـلقي بنـا اللـحظات

في صخب الزحام كأنـنـا

جسد تناثـر في جسد

جسدان في جسد نسير‏..‏ وحولنـا

كانت وجوه النـاس تجري كالرياح

فلا نـري منـهم أحد

مازلت أذكر عندما جاء الرحيل‏..‏

وصاح في عيني الأرق

وتـعثــرت أنفاسنـا بين الضـلوع

وعاد يشطـرنا القـلق

ورأيت عمري في يديك

رياح صيف عابث

ورماد أحلام‏..‏ وشيئـا من ورق

هذا أنا

عمري ورق

حلمي ورق

طفل صغير في جحيم الموج

حاصره الغـرق

ضوء طريد في عيون الأفـق

يطويه الشـفق

نجم أضاء الكون يوما‏..‏ واحتـرق


الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : تـراث مصــر الضــائع

هوامش حرة

تـراث مصــر الضــائع

بقلم: فاروق جويدة



أنا لا أذكر آخر مرة شاهدت فيها سيدة الغناء العربي أم كلثوم علي شاشات التليفزيون المصري بقنواته المتعددة لأن التليفزيون لم يعد يذكرها عادة إلا في ذكري رحيلها وهذا ما حدث في الأسبوع الماضي‏..‏

تاهت كوكب الشرق وسط برامج المسابقات التي اشتراها التليفزيون من الفضائيات العربية‏,‏وإذا أردت أن تسمع أم كلثوم أو تشاهد حفلاتها فلن تجدها علي التليفزيون المصري إنها هناك تغني علي شاشات‏'‏ روتانا‏'‏ و‏'‏الأيه أر تي‏'‏

وإذا أردت أيضا أن تشاهد فيلما مصريا قديما حاول ان تبحث عنه علي قنوات الأفلام العربية لأن مصر الدولة تنكرت لتاريخها الفني وباعته في مزادات علنية‏,‏ ولم يعد تاريخ السينما المصرية ملكـا لنا‏,‏ولكنه الآن في أيدي رؤوس الأموال التي تدفع به هنا وهناك ولن يكون غريبا أن يصبح في آخر المطاف في تل أبيب مركز الثقافة العربية القادم‏..‏

لم يكن حدثـا سهلا علينا ألا يشاهد‏80‏ مليون مصري مباريات دورة أفريقيا في أنجولا بسبب الاحتكارات التليفزيونية التي أعطت قنوات الجزيرة الرياضية الحق في منع المصريين من مشاهدة فريقهم إلا بفرمان أميري فتح لهم أبواب السماء‏..‏ كان موقفـا مهينا لنا بكل المقاييس أن ننتظر قرارا خارجيا حتي وإن كان من دولة شقيقة يعطينا الحق في أن نشاهد المباريات‏..‏

هذا الموقف يضع أمامنا أكثر من سؤال حول مستقبل الإعلام في ظل سيطرة رأس المال الضاري والمتوحش علي وجدان الشعوب‏..‏ ولكن الواضح الآن أننا سندفع ثمنـا غاليا لأخطاء جسيمة عندما فرطنا في لحظة مجنونة في تراثنا الفني ولم يعد لنا حق فيه‏..‏

منذ عشر سنوات تسربت إلي مصر كتيبة مالية قامت بشراء تراث السينما المصرية بالكامل أن أكثر من‏4000‏ فيلم أنتجتها مصر في مائة عام تم بيعها بتراب الفلوس في ذلك الوقت‏..‏ واستطاعت رؤوس الأموال العربية أن تصادر تاريخ مصر السينمائي ما بين قنوات‏'‏ الأيه آر تي‏'‏ و‏'‏روتانا‏'‏ وأصبحت‏'‏ روتانا‏'‏ تملك الآن النسخ الأصلية من‏3000‏ فيلم مصري وتمتلك‏'‏ الأيه أر تي‏'1200‏ فيلم‏..‏

والقضية الآن أخطر مما نتصور فقد باعت‏'‏ الأيه أر تي‏'‏ معظم ما تملك من أفلام مصرية إلي شركة‏'‏ روتانا‏'..‏ وتجري الآن مفاوضات لبيع ما تبقي لدي‏'‏ الأيه أر تي‏'‏ وهي‏1200‏ فيلم‏..‏ والواضح الآن أن‏'‏ روتانا‏'‏ تخطط للاستيلاء علي كل ما أنتجته السينما المصرية في كل تاريخها‏..‏

إلي هنا والقضية مازالت بين مؤسسات عربية شقيقة رغم خطورة ما حدث‏,‏ ولكن الجديد والأخطر من هذا كله أن إمبراطور الإعلام اليهودي في العالم روبرت مردوخ قد اشتري‏35%‏ من شركة روتانا ودفع لها‏350‏ مليون دولار أي ما يقرب من‏2‏ مليار جنيه مصري وهناك احتمالات كبيرة أن يشتري روتانا كلها في وقت لاحق‏,‏ولاشك أن دخول مردوخ سوق الإعلام والثقافة في العالم العربي من خلال شركة روتانا يمثل تطورا خطيرا جدا في مسيرة الإعلام العربي‏..‏ إن هذا الرجل يحمل تاريخا طويلا في دعم إسرائيل بالمال والإعلام والفكر سنوات طويلة وقد ساندها وشارك معها في كل حروبها الإعلامية والعسكرية‏..‏ ولا أدري ماذا نفعل إذا وجدنا تراث السينما المصرية كاملا في يد مردوخ‏..‏ او بمعني آخر ماذا سنفعل إذا أصبح تاريخ السينما المصرية كاملا في يد تل أبيب تفعل به ما تشاء عرضا ومنعـا وتشويها‏..‏

إن تاريخ السينما المصرية يمثل جزء خطيرا من مكونات الشخصية المصرية بل والشخصية العربية وكانت الأفلام المصرية ومازالت من أكثر الجوانب تأثيرا في تاريخ هذه المنطقة‏..‏ وإذا كنا قد فرطنا في تراث مصر السينمائي في فترة سابقة أمام إغراءات مادية‏,‏ فماذا سنفعل بعد أن يصبح هذا التاريخ في يد إسرائيل‏..‏

لم يكن تراث مصر السينمائي هو الجانب الوحيد الذي خسرته مصر‏..‏ إن معظم تاريخ مصر الغنائي تسرب أيضا إلي مناطق كثيرة‏,‏ والدليل علي ذلك أن هناك أكثر من فضائية عربية تقدم الغناء المصري طوال‏24‏ ساعة بينما التليفزيون المصري العريق يقاطع كل هذا التراث ولا يقدم منه شيئـا وأكبر دليل علي ذلك أنه لا يقدم حفلات وأغنيات أم كلثوم الآن واكتفي بمجموعات من القرود البشرية تقفز عارية هنا وهناك‏,‏ بينما نشاهد أم كلثوم علي الفضائيات العربية وهذا موقف يحسب بلاشك لهذه الفضائيات التي تقدم هذا الفن الجميل‏..‏

منذ زمان بعيد لم نشاهد حفلات عبد الحليم حافظ وأغنيات عبد الوهاب‏..‏ بل إن التليفزيون المصري لا يعرض أفلامنا القديمة لأنه لا يملك هذا الحق وعليه أن يتعاقد مع روتانا أو الأيه آر تي إذا أراد عرض هذه الأفلام ويدفع ثمن ذلك كما حدث في مباريات كرة القدم في انجولا وكما سيحدث في مباريات كأس العالم في جنوب إفريقيا‏..‏

لقد شهدت السنوات الماضية أكبر الجرائم في تاريخ تراث مصر الفني سواء في السينما أو الغناء‏..‏ تم بيع أصول جميع الأفلام المصرية والمسئولون عندنا في حالة نوم عميق وغشاوة أفقدتهم القدرة علي أن يوقفوا هذه الكارثة بأي صورة من الصور‏..‏ تم تهريب جميع أفلام جريدة مصر السينمائية إلي أكثر من جهة بينها إسرائيل‏,‏وهي تمثل أهم وأخطر ذاكرة للأحداث الكبري في كل المجالات‏..‏ ولا أحد يعرف كيف تم تهريب هذه الوثائق التاريخية الهامة والتي جمعت رموز مصر في مائة عام منذ بدأت هذه الجريدة صدورها في الاسكندرية في عام‏1912‏ علي يد المصور الفرنسي دي لاجارن‏..‏ أن الأحداث الهامة في تاريخ مصرتم تسجيلها في الجريدة السينمائية منذ عودة سعد زغلول من منفاه‏..‏ كيف تسرب هذا التاريخ وما هي العصابات التي قامت بذلك‏..‏

علي جانب آخر فإن الكثير من أصول المسلسلات المصرية كانت ترسل إلي القنوات الإقليمية في مصر ويجري نقلها وتهريب أصولها وتعود للتلفزيون المصري الشرائط المنقولة‏..‏ وقد حدث ذلك في مسلسلات مهمة مثل رأفت الهجان وليالي الحلمية والشهد والدموع وعدد كبير من البرامج التاريخية والوثائقية‏..‏

لقد تعرضت مكتبة التليفزيون المصري طوال السنوات الماضية لعمليات نهب منظمة شملت أهم الأعمال الفنية التي قدمها التليفزيون طوال نصف قرن من الزمان‏..‏

أعرف أن هناك تراثـا آخر ضاع وتسرب بطرق غير شرعية تجسد في المخطوطات والوثائق التاريخية التي اختفت في ظروف غامضة سواء كانت معروضة في الخارج أم تم تهريبها من الداخل أن نهب تراث مصر الفني والتاريخي والوثائقي في السنوات الأخيرة كان عملا إجراميا فادحا بكل المقاييس‏..‏

والآن نحن أمام قضية خطيرة‏..‏ لا أدري ما هو الحل فيها‏..‏ نحن أمام تاريخ سينمائي تجسد في أكثر من‏4000‏ فيلم لا نملك الآن شيئـا تجاهها‏,‏وقد نراها في يد أخري تشوه فيها كما تريد‏..‏ ان هذه الأيدي ستكون قادرة علي منع ما تري من هذه الأفلام‏,‏خاصة ما يتعلق بمكونات الشخصية المصرية انتماء وتاريخا‏..‏ ولنا أن نتصور أن يجلس رقيب إسرائيلي يحذف المشاهد التي يريدها وربما وجدنا بعد ذلك من يحاول إلغاء هذا التاريخ كله‏..‏

لنا أن نتصور هذا الحوت الصهيوني القادم لابتلاع الإعلام العربي لأن دخول مردوخ سوق الإعلام العربي قضية خطيرة يجب أن نعي أبعادها السياسية والإعلامية‏,‏ويجب أن يدرك أصحاب الفضائيات العربية خطورة ما يحدث للثقافة العربية ويجب أيضا أن تكون هذه القضية محل نقاش وسؤال علي المستوي السياسي بين الدول العربية وفي كواليس الجامعة العربية‏..‏

لا أدري هل من حق مصر الدولة ان تطالب بالحصول علي نسخ من هذا التراث السينمائي من خلال مفاوضات مع الشركات التي قامت بشراء هذه الأفلام أم‏,‏ أن الأمر يتطلب دعاوي قانونية‏..‏ وهل يحق لنا ذلك؟‏!..‏

لقد قرأت أخيرا أن السيد أنس الفقي وزير الإعلام قرر عودة جميع الأفلام المصرية وعرضها علي الشاشة مستندا إلي مواد في قانون الملكية الفكرية التي تعطي للدولة الحق في هذه الافلام بعد خمسين عاما من عرض الفيلم‏,‏ وهذا ينطبق علي معظم الافلام التي تم بيعها وسقطت مبررات ملكيتها‏..‏

إن مصر تطالب الآن في كل المحافل الدولية بعودة آثارها من المتاحف الكبري في العالم‏,‏ وتدخلت القيادة السياسية في ذلك كما حدث بين الرئيس مبارك والرئيس ساركوزي‏..‏ فلماذا لا تحاول الحكومة المصرية فتح الحوار حول هذا التراث وهو لا يقل في أهميته عن آثارنا الهاربة‏..‏ يجب أن يتحدث المسئولون عندنا مع المؤسسات العربية التي اشترت هذا التراث لتأمين مستقبله علي الأقل لأن أخشي ما أخشاه إن يأتي يوم لا يكون من حق أجيالنا القادمة أن تشاهد تراثها السينمائي والغنائي والتاريخي وإن يكون هناك من يطالبنا بدفع الثمن‏..‏ هل يعقل أن تنتظر مصر الآن قرارا من أحد بأن يسمع المصريون أم كلثوم أو عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ ويقال لنا إن هذه التراث لم يعد ملكـا لكم‏..‏

أن هناك حربا معلنة الآن بين روؤس الأموال التي تسعي للسيطرة علي سوق الفن والإعلام وبين بلاد قام كل تاريخها علي هذا الفن‏..‏ فهل ينتصر المال وتسقط قدسية الفن والتاريخ والإبداع‏..‏

وماذا سنفعل أمام سوق الاحتكارات الفضائية الذي منع المصريين من مشاهدة مباريات فريقهم في انجولا؟‏!..‏

فهل يأتي يوم نطلب فيه من مردوخ المستثمر اليهودي في إسرائيل أن يعطينا الإذن لعرض أفلام فاتن حمامه وأغنيات أم كلثوم وصور سعد زغلول وجمال عبد الناصر والسادات وأحاديث طه حسين والعقاد أو أن نرجو إحدي الفضائيات أن نشاهد مباراة للأهلي والزمالك‏..‏ القضية أكبر من مجرد مشاهدة مباراة أو فيلم أو أغنية لأنها تراث شعب وذاكرة أمة‏..‏ إنها أخطر من ذلك كثيرا‏..‏





ويبقي الشعر

الوقت ليل‏..‏ والشتاء بلا قمر

يأتي الشتاء وعطـرها

فوق المقاعد والمرايا الباكيه

وتـطل صورتـها علي الجدران

وجها في شموخ الصبح

عينا كالسماء الصافيه

أطيافـها‏..‏

في كل ركن تحمل الذكري

فـتشعل نارها

أحلام عمر باقيه

الكون يصـغـر في عيون الناس

حين يصير عمر المرء ذكري

أو حكايا ماضيه

في رحلة النسيان

تلتئم الجراح وتنطوي‏..‏

إلا جـراح القلب

تبقي في الجوانح داميه

الوقت جلاد قبيح الوجه

يرصد خـطوتي‏..‏

وشتاؤنـا ليل طويل عابث ما أسوأه

لا تسأل الملاح

حين يغيب في وسط الظلام

متي سيدنـو مرفأه؟

لا تسأل القلب الحزين

وقد تناثـر جرحه

عن أي سر خبأه ؟

لا تسأل الحلم العنيد

وقد تعثرت الخطي

من يا تري‏..‏ قبل النهاية أرجأه ؟‏!‏

فالوقت ليل

والقناديل الحزينة حولنا

تبدو عيونـا مطـفـأه

لا تكتوي بين الشموع

وأنت ترسم صورة الأمس البعيد

علي رماد المدفأه

فالعمر أجمل‏..‏

من عيون حبيبة رحلت

وأغلي‏..‏

من عذابات امرأة



هوامش حرة : الوصايا العشر في درس أنجولا

هوامش حرة

الوصايا العشر في درس أنجولا



بقلم: فاروق جويدة





 

وقفت حائرا بين أكثر من مشهد هذا الأسبوع‏..‏ مشهد الملايين التي خرجت إلي الشوارع لاستقبال فريق مصر القومي العائد من أنجولا بكأس الأمم الإفريقية‏..‏ ومشهد الجماهير الغاضبة التي رفضت استقبال رئيس الحكومة وعدد من الوزراء ذهبوا إلي العريش لمواساة المواطنين في كارثة السيول التي شردت الالاف منهم‏..‏ هذان المشهدان ظهر خلفهما في نفس اللحظة ثورة عارمة اجتاحت كل بيت مصري بسبب الضريبة العقارية التي لم تحسم بعد‏..‏ وثورة مماثلة عندما طالب المهندس أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني في مجلس الشعب بالسماح بالاتجار في الآثار المصرية ومشهدا آخر عندما وقف نواب الأغلبية يتهمون الحكومة بفرض غرامات غير قانونية علي الفلاحين تعيد لنا عصر الجباية‏..‏ هنا يبدو الفرق واضحا بين قرارات ومواقف أسعدت الناس‏..‏ ومواقف أخري أصابتهم بالحزن والكآبة فإذا كانت الحكومات قد أصبحت مصدرا للتعاسة والألم فما هي جدوي استمرارها بل ما جدوي وجودها من الأساس‏..‏

هل يمكن أن يستوعب المسئولون في الحكومة درس انجولا في أداء مسئولياتهم‏..‏ وهذا الفرق بين الأداء السليم والأداء الخاطيء‏..‏ بين جماهير خرجت لاستقبال اللاعبين وجماهير ثارت في أزمة السيول‏..‏ بين من أسعدوا شعبا بالفوز ومن حاصروه بالضرائب والغرامات والأزمات وبيع الآثار وتلال الزبالة‏..‏

إذا كان النصر ممكنا تصبح الهزيمة كارثة‏..‏ وإذا كان النجاح ممكنا يصبح الفشل جريمة وإذا كنا قادرين علي ان نصنع السعادة للناس فلماذا يكون الإحباط والتعاسة‏..‏ إذا كان من الممكن أن يكون الطريق ممهدا والوصول آمنا فلماذا تطاردنا الأزمات ولماذا نجد أنفسنا في حالة عجز كامل أمام مشاكل عادية‏..‏

لو أن هذا النموذج من الإنجاز في انجولا بكل أحداثه ورموزه وتفاصيله انتقل إلي مواقع أخري للعمل في حياتنا لوجدنا نتائج أفضل وأصبحت الفرحة العابرة فرحة دائمة ووجدنا أنفسنا أكثر تفاؤلا وإحساسا بهذا الوطن وبكل شيء جميل فيه‏..‏

ما الذي جعل الفريق المصري يحقق هذا الإنجاز بهذه الصورة الرائعة ؟ سوف أتوقف قليلا عند عدد من النقاط وليتنا نعيد قراءة هذا الدرس أكثر من مرة‏..‏

‏*‏ أولا‏:‏ الحلم‏..‏ لاشك أن هذا الفريق حمل معه في الطائرة صورة حية لهذا الحلم أن يعود للمرة الثالثة بكأس الأمم الافريقية‏..‏ ولأن هذا الفريق نفسه عاش هذا الحلم أكثر من مرة من قبل‏..‏ ولأنه شعر بروعة تحقيقه وأحس بكل مشاعر النجاح فيه فقد كان حريصا علي ان يعيد التجربة ويكسب الرهان ويحقق الحلم ليعود بالكأس ويسعد الملايين التي تنتظره‏..‏

‏*‏ ثانيا‏:‏ الإرادة‏..‏ هذه المجموعة من الشباب كانت تعلم من البداية أن الحلم وحده لا يكفي فما أكثر الأحلام التي أجهضتها مشاعر الخوف والقهر والسلبية‏..‏ أن الحلم الكبير يحتاج دائما إلي إرادة قوية جسورة تتحدي كل شيء وقد كان واضحا من سجل المباريات التي لم يهزم فيها الفريق المصري أنه قرر أن يعود منتصرا وكان له ما أراد لأنه أمتلك الحلم والإرادة‏..‏

‏*‏ ثالثـا‏:‏ كان هناك أحساس عميق لدي هذا الفريق بشيء أسمه الانتماء ومن الخطأ ان يتصور البعض أن الانتماء أغنية وطنية ساذجة أو شعار براق‏,‏ إن الانتماء يعني أنني أحمل أسم هذا الوطن وأنني شريك فيه سواء كنت جنديا يقاتل أو لاعبا في مباراة أو مسئولا في منصب‏..‏ هذه النخبة من الشباب جاءت من أعماق مصر بريفها وبساطتها وحبها لهذا الوطن وهي مشاعر تاهت منا في زحام المدن وعالم الصفقات والمراهنات وفساد الضمائر والذمم‏..‏

‏*‏ رابعا‏:‏ الإحساس بالعدالة‏..‏ كل واحد من هذا الفريق كان يشعر أنه شريك في هذه السفينة التي حملت الجميع إلي انجولا‏..‏ لا فرق بين لاعب دولي محترف بملايين الدولارات ولاعب آخر جاء من أقاصي الريف يري الأضواء لأول مرة‏..‏ الجميع في الملاعب متساوون في الزي والمواقع والأحلام والإرادة وهم جميعا أمام المسئولية سواء‏..‏ ومادمنا جميعا متساوون في كل شيء فإن القياس الوحيد هو التميز والنجاح‏..‏ أن كل واحد يجني ثمار جهده والنجاح في النهاية سوف ينسب للفريق حتي وإن قام علي بعض اللاعبين دون سواهم لا فرق بين من يحرز الأهداف ومن يحمي المرمي أو من يفكر بروح الفريق‏..‏ إن العدالة أولي درجات الصدق مع النفس‏..‏ وحين يحصل الإنسان علي حقه فهو يعطي بلا حدود‏..‏ ولهذا لا تنتظر نجاحا في ظل مجتمع حاقد فشل في تحقيق العدالة لأبنائه‏..‏

‏*‏ خامسا‏:‏ روح الفريق‏..‏ هل يستطيع لاعب واحد أن يصنع فريقـا‏..‏ هل يمكن لرئيس شركة أن يديرها وحده بلا عمال أو مهندسين أو إداريين أو سعاه‏..‏ من أسوأ الأشياء التي أصابت المصريين في السنوات الأخيرة أن كل شخص يبحث عن نفسه فقط‏..‏ ومنذ سادت روح الفردية في العمل تصور كل واحد منا أن مسئوليته في الحياة هي تأمين مستقبله ومستقبل الأسرة والأولاد وليذهب المجتمع كله إلي الجحيم‏..‏ حدث هذا في مواقع السلطة ودوائر رجال الأعمال والأثرياء الجدد ومنذ غابت روح الجماعة وروح الفريق اختلت منظومة القيم ولم يعد الإنسان المتخم يسأل عن جاره الذي نام جائعا أو مريضا أو مات دون أن يشكو لأحد‏..‏

‏*‏ سادسا‏:‏ القدوة‏..‏ لاشك أن روح الأبوة والتواصل والمودة التي خلقها حسن شحاتة بين الفريق أكسبته الاحترام وهو أعلي درجات الالتزام أنه مثل القائد العسكري الذي قرر أن يعيش وسط جنوده ولا يتركهم أبدا لأن كل أبطال التاريخ عاشوا بين جنودهم‏..‏ كان حسن شحاتة نموذجا رائعا في الالتزام والاحترام وتقدير الموهبة ولهذا أستحق محبة أبناءه من أعضاء الفريق‏..‏

‏*‏ سابعا‏:‏ الثواب والعقاب‏..‏ سوف تبقي منظومة الحياة السوية قائمة علي مبدأ الثواب والعقاب لأنه لا يعقل أن يتساوي إنسان بذل الجهد والعرق مع إنسان تكاسل وأهمل‏,‏لا ينبغي أن يتساوي من أخطأ مع من أصاب‏..‏ لا يمكن أن يتساوي لاعب صنع تاريخا ومشوارا من العطاء والإخلاص مع لاعب آخر صنعته الصدفة أو الوساطة أو العلاقات العامة‏..‏ إن الصدفة تمنحنا أحيانـا فرصة من الفرص ولكنها لا يمكن أن تصنع تاريخا إلا إذا كان الشخص جديرا بهذا التاريخ‏..‏ حين يحاسب الإنسان علي أخطائه فنحن نعطيه درسا من دروس الحياة وحين يحصل علي ثمن نجاحه نعطي للتميز قدره ومكانته وما أكثر الأخطاء التي حملت البعض إلي القمة وما أكثر النجاحات التي دفع ثمنها أصحاب الهمم والعزائم‏..‏

‏*‏ ثامنـا‏:‏ لابد أن يحصل الإنسان علي المقابل الذي يستحقه حتي يبذل أقصي ما عنده من الجهد‏..‏ وحين يشعر الإنسان ان هناك من يسرق حصاد عمله ومواهبه تكون المرارة والشعور بالإحباط‏..‏ لو أن كل إنسان في موقعه شعر بأن جهده لا يضيع وأن حقه يعود إليه لتغيرت أشياء كثيرة فما أكثر الذين سرقوا جهود الآخرين ليقيموا مجدهم الزائف‏..‏

ولهذا فان الغريب حقـا أن نمنح المدرب الاجنبي ملايين الدولارات وحين يجيء الحديث عن مدرب مصري ناجح ومميز يخفت الحديث وتتراجع الأرقام وهذا يحدث في كل شئون حياتنا وليس في كرة القدم فقط‏..‏ إننا نطالب الطبيب بأن يعمل بلا مقابل والفلاح أن يزرع بلا عائد ونبيع المصانع ونطرد العمال وقبل هذا كله نشاهد طوابير العاطلين حولنا ولا نمد لهم أيدينا‏..‏ ونفرض الضريبة العقارية علي من يملكون ومن لا يملكون وهنا تختل مسيرة الحياة وتختفي منظومة القيم‏..‏

‏*‏ تاسعا‏:‏ الناس‏..‏ والشارع‏..‏ والجماهير من حقها أن تكون صاحبة رأي وكلمة‏..‏ حين ساندت لاعبيها حققوا هذا الإنجاز‏..‏ وإذا كان من الممكن أن يخرج الشارع ليعبر عن فرحته بالنصر في مباريات الكرة وتفتح له أجهزة الأمن الشوارع وتحميه فلماذا لا نترك هذه الجماهير تعبر عن رأيها في الأحزاب والنقابات وقضاياها اليومية‏..‏ الفريق المصري حقق الفوز ليس فقط لأنه يملك الحلم والإرادة والقدوة ولكن لأنه أراد أن يسعد الملايين التي خرجت في الشوارع وهناك آخرون يبحثون عن السعادة والرخاء لهذه الجماهير من خلال وسائل أخري ومن واجبنا أن نمنحهم الفرصة‏..‏

إن المناسبة الوحيدة التي تسمح فيها أجهزة الأمن للجماهير بأن تخرج إلي الشوارع هي كرة القدم ولا شيء غيرها رغم أن من حق هذه الجماهير أن تعبر عن رأيها رفضا أو قبولا في مناسبات أخري‏..‏

‏*‏ عاشرا‏:‏ رغم الهجوم الذي تعرض له حسن شحاتة عندما قال صراحة إن أهم شيء في اللاعب هو التزامه وعلاقته بالله سبحانه وتعالي‏..‏ لم يخطيء شحاتة لأن العلاقة بالله ليست حكرا علي دين من الأديان لأن قدماء المصريين عرفوا أن للكون إلها قبل أن يهبط علي الأرض نور الأنبياء‏..‏

وإذا توافر الإيمان الصادق فهو يسبق كل شيء وهو يتوج رحلة العطاء لأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا

تحية لكل من شارك في هذه الرحلة الناجحة إلي انجولا‏..‏ حسن صقر‏..‏ وسمير زاهر‏..‏ والمعلم حسن شحاتة والفريق القومي بكل شبابه الواعد ونجومه الكبار وفي مقدمتهم أحمد حسن والحضري ومتعب وزيدان والمحمدي وجدو ومعوض وغالي وشيكابالا وعبدالشافي وهاني سعيد وفتح الله هذه الكتيبه من شباب مصر التي صنعت هذه الملحمة‏.‏ ونتمني أن يكون هذا الدرس نموذجا في العطاء والانتماء والجدية‏..‏



..‏ ويبقي الشعر
الوقت ليل‏..‏ والشتاء بلا قـمر نشتاق في سأم الشتاء‏..‏ شعاع دفء حولنـا نشتاق قنديلا يسامر ليلـنا نشتاق من يحكي لنـا من لا يملحديثـنـا تنساب أغنية فتمحو ما تراكـم من هوان زماننـا

نهفـو لعصفور‏..‏

إذا نامت عيون الناس

يؤنسنا‏..‏ ويشدو حولـنـا

نشتاق مدفأة

تـلـملم ما تناثـر من فـتات عظامنـا

نشتاق رفقة مهجة تحنو علينـا‏..‏

إن تكاسل في شحوب العمر

يوما نبضـنا

نشتاق أفراحا‏..‏

تـبدد وحشة الأيام بين ضلوعنا

نشتاق صدرا يحتـوينا‏..‏

كـلما عصفـت بنا أيدي الشتاء

وشـردت أحلامنـا

الوقت ليل‏..‏ والشتاء بلا قـمر

ماذا سيبقـي في صقيع العمر

غير قصيدة ثكـلي‏..‏

يعانقـها كتاب ؟‏!‏

وأنامل سكنت علي أوتارها

وترنحت في الصمت بين دفاتر الذكري

فأرقها العذاب

وبريق أيام

تعثــر بين ضوء الحلم أحيانـا‏..‏

وأشباح السراب

وزمان لـقـيا‏..‏

طاف كالأنسام حينـا

ثم بعثره الغياب

وقصيدة‏..‏

سئمت سجون الوقت‏..‏ فانتفـضت

تحلق في السحاب

وحكاية عن عاشق‏..‏

رسم الحياة حديقة غـنـاء في أرض خراب

وأتـي الشـتاء‏..‏

فأغرق الطـرقات

أسكت أغـنيات الشـمس

أوصد في عيوني كـل باب

‏'‏من قصيدة رحلة النسيان سنة‏1998'‏


هوامش حرة : عنف طائفي‏..‏أم مجتمع مريض

هوامش حرة

عنف طائفي‏..‏أم مجتمع مريض



بقلم: فاروق جويدة



ما حدث في نجع حمادي لم يكن وليد خطيئة شاب مسيحي مع طفلة مسلمة ولم يكن بسبب اشتعال الفتنة بين المسلمين والأقباط ليلة العيد‏..‏ ولكنه كان نتيجة تراكمات طويلة بين المصريين كل المصريين
ومن الخطأ أن نقول أنها فتنة بين المسلمين والأقباط ولكنها حصاد سنوات طويلة من التعليم الخاطيء والثقافة المشوهة وغياب العدالة في توزيع موارد الأمة وتحريم الأنشطة السياسية بكل أنواعها مع غياب الانتماء وانتشار البطالة والفقر في ظل هذا المناخ تصبح الأرض مهيأة لظهور هذه الأمراض الاجتماعية التي قد تستخدم الدين شكلا وصورة ولكن الأسباب الحقيقية بعيدة عن الدين تماما لأن الذي حدث في نجع حمادي يمثل أسوأ مظاهر القصور في أداء أجهزة الدولة بكل مؤسساتها‏..‏ ما حدث في نجع حمادي ليس جريمة تسترت وراء الدين ولكننا أمام مجتمع انفلتت فيه كل الحسابات والمقاييس واختلت فيه منظومة القيم فاندفع نحو المجهول مثله تماما مثل قطار العياط وعبارة السلام والضريبة العقارية‏..‏

من الخطأ أن ندعي أن ما حدث في نجع حمادي عنف طائفي أو خلاف ديني إنه بكل الصراحة يعكس حالة مجتمع مريض‏..‏

وإذا كان الجناه يحاكمون الآن أمام العدالة فهناك جناة آخرون كان ينبغي أن نحاسبهم منذ زمان بعيد لأنهم شاركوا في صنع هذه الجرائم في التعليم والثقافة والإعلام واختلال ثوابت هذا المجتمع‏..‏

ينبغي ألا نتحدث الآن عن مجتمع قديم كانت العلاقات فيه بين المسلمين والأقباط تمثل أرقي وأجمل درجات المحبة والتسامح بين أبناء الشعب الواحد لن نتحدث عن الطبيب المسيحي الذي يدخل كل بيت أو المعلم المسلم الذي يحترم دينه ويحترم عقائد الآخرين ولن نتحدث عن شهداء حروب اختلطت دماؤهم واحتواهم تراب واحد ونزفت عليهم دموع واحدة‏..‏ لن نتحدث عن رغيف خبز كنا نأكله معا أو شربة ماء كنا نروي بها ظمأ أطفالنا هذا بالهلال وهذا بالصليب‏..‏ ينبغي ألا نستعيد هذه المظاهر الراقية في السلوك والإيمان والمحبة لأن هذا المجتمع الذي عشناه يوما لم يعد هو المجتمع الذي نراه الآن ولم تعد مصر التي زرعت فينا كل هذه الأشياء الجميلة هي مصر التي نراها الآن‏..‏ فليس بيننا محمد عبده والشيخ شلتوت وجاد الحق وليس بيننا أم كلثوم وعبد الوهاب وطه حسين والعقاد وسلامة موسي ولويس عوض ونظمي لوقا وخالد محمد خالد وليس بيننا طلعت حرب وعبود باشا وفرغلي وأبو رجيله وباسيلي ومقار‏..‏ ليس بيننا كل هؤلاء نحن أمام رموز كاذبة ومثقفون دخلوا الحظيرة ورجال أعمال باعوا أنفسهم لشهوة المال‏..‏ نحن الآن أمام مجتمع آخر وزمان آخر وقيادات أخري وللأسف الشديد أننا نخفي رؤوسنا في الرمال رغم أن النيران تحيط بنا من كل جانب‏..‏ في مجتمع توحشت فيه الرغبات وأصبح المال حراما أو حلالا سلطانـا فوق رأس الجميع حكومة وشعبا تصبح الجريمة شيئـا عاديا‏..‏

إن ما حدث في نجع حمادي هو أول مظاهر الخطر وليس أسوأ ما فيها لأن الأسوأ قادم وما حدث في نجع حمادي مواجهة صغيرة جدا لما يمكن أن يحمله المستقبل أمام مجتمع اختلت فيه كل المقاييس والمعايير وتراجعت كل القيم والحسابات‏..‏ ويجب أن نراجع أنفسنا ونقرأ تفاصيل حياتنا قراءة صحيحة حتي نقف علي الأسباب ونبدأ في علاجها إذا كنا بالفعل جادين في هذا العلاج‏:‏ أما إلقاء المسئولية علي الأديان والطائفية فهذا هو التفسير الخاطيء لما يحدث‏..‏

‏*‏ حين فسدت برامج التعليم في المدارس والجامعات والمعاهد الدينية وارتفع الصراخ في المسجد والكنيسة وتشوهت عقول الأجيال الجديدة أمام تشويه التاريخ وإسقاط كل الرموز الوطنية والفكرية وحتي العسكرية‏..‏ وحين غاب عن المناهج التفكير السليم بوسائله وأهدافه وسيطر علي عقول الأبناء منطق الصم والحفظ والدرجات النهائية والغش الجماعي وتجارة الدروس الخصوصية واستيراد الكتب من الخارج ودخول السياسة في سطور المناهج رفضا وتشويها اختلت عقول الأبناء وكانت جريمة التعليم هي أسوأ ما أصاب العقل المصري في السنوات الأخيرة‏..‏ من يصدق أن نحذف من مناهجنا كل ما يتعلق بانتصار أكتوبر وأن نلغي من تاريخنا دماء الشهداء مسلمين وأقباط ويصبح الحديث عن معارك المسلمين في عصر النبوة إرهابا وهجرة السيد المسيح وعذاباته وتضحياته وقصة السيدة العذراء مناهج مرفوضة‏..‏ ويغيب عن ذاكرة أبنائنا كل ما يمثل قيمة أو موقفـا أو تاريخـا‏..‏

‏*‏ حين غاب التاريخ الحقيقي واختفت الرموز العظيمة من حياة أبنائنا غاب شيء يسمي الانتماء للأرض والتراب والنيل والأسرة‏..‏ والعائلة‏..‏ ووجدنا حياتنا مشاعا بين مظاهر كاذبة اخترقت حياتنا من فنون هابطة وعري بالقانون وانحلال في كل شيء ابتداء بمن يعبدون الشيطان ومن يتاجرون في المخدرات ومن يتاجرون في الوطن‏..‏ وما بين الانحلال‏..‏ والمخدرات والثقافة المريضة نشأت أجيال لا تحرص علي البقاء في هذا الوطن ليلة واحدة‏..‏ وجدنا أجيالنا الجديدة في حالة هروب دائم سعيا وراء شيء مجهول‏..‏ الهاربون إلي الخارج حيث تلتقطهم شواطيء أوروبا ويموتون غرقي علي أمواجها‏..‏ والهاربون إلي المخدرات حيث أصبحت تجارة معترف بها‏..‏ والهاربون إلي إسرائيل للزواج أو العمل وقبل هذا الهاربون وراء فرص عمل حملت أفكارا وثقافة تختلف تماما عن نسيج المصريين الذين عاشوا أخوة طوال تاريخهم‏..‏

غاب الانتماء أمام الفقر والبطالة وغياب كل مظاهر العدالة الاجتماعية‏..‏ وأمام التكدس والزحام وأمام الفرص الضائعة والعمر الضائع والحلم الضائع أصبح من الصعب ان يتحمل الأخ أخيه والابن أبيه وبدأ الصراع داخل الأسرة حيث لا يحتمل أحد الآخر وجرائم الأسرة أكبر دليل علي ذلك‏..‏ ثم انتقل الصراع إلي الشارع إلي الجيران في السكن والزحام‏..‏ ثم انتقل إلي المدرسة بين الأطفال الجالسين فوق بعضهم البعض بالمئات‏..‏ ثم انتقل إلي الجامعات حيث لابد من فرز البنات عن الأولاد‏..‏ والمسلمين عن الأقباط‏..‏ والمتقبات والمحجبات والعاريات‏..‏ والقادرين وغير القادرين‏..‏ وانتقلت التقسيمة إلي مدارس خاصة لأبناء الأكابر وجامعات خاصة‏..‏ ونوادي خاصة‏..‏ وسيارات خاصة ووجدنا مجتمعا كاملا انقسم علي نفسه بين المسلمين والمسلمين‏..‏ والأقباط والأقباط وكان ولابد أن تصل لعنة الانقسام والتشرذم وغياب لغة الحوار والتواصل إلي المجتمع كله‏..‏ بين المسلمين وجدنا سكان العشوائيات وسكان المنتجعات‏..‏ وبين الأقباط وجدنا قصور الأثرياء الجدد وفقراء منشية ناصر ومنتجعات الخنازير‏..‏ في ظل هذه التركيبة البشرية المشوهة المريضة تنتشر الجرائم بين أبناء الأسرة الواحدة وليس فقط بين المسلمين والأقباط هذا مجتمع يفرز التطرف والإرهاب والقتل والجرائم ولا يعترف بالآخر حتي داخل الأسرة الواحدة وليس الوطن الواحد‏..‏ هذه الظواهر شجع عليها مجتمع عاطل لا يعمل نصف السكان فيه وبدلا من أن يسعي لتوفير ضروريات الحياة للمهمشين والجائعين فيه وجدناه يخلق طبقة جديدة من المسلمين والأقباط انتهكت كل المعايير والقيم وأبسط قواعد ما يسمي العدالة الاجتماعية‏..‏

‏*‏ في ظل هذه التركيبة الغريبة المشوهة ظهرت ثقافة مريضة تهتم بالمظاهر والمهرجانات والراقصات والتفاهات وتخاطب غرائز الناس وتبتعد بهم تماما عن الفكر الراقي المستنير‏..‏ في ظل ثقافة المهرجانات انتشرت مظاهر الجهل والتخلف والتطرف وكان من السهل جدا أن يهرب جزء من شبابنا إلي الدين والآخرة يأسا من الدنيا سواء كان مسجدا أو كنيسة‏..‏ وأن يهرب جزء آخر إلي التفاهات والانحرافات والمخدرات وغاب البعد الثقافي عن الريف المصري تماما لتنتشر أسراب الخفافيش ما بين الجهل والتدين الكاذب‏..‏ وفي ظل العشوائيات التي أطاحت بالمدن الكبري كانت هذه أكبر مزرعة لإنتاج الفئران البشرية التي تكدست في صناديق الصفيح وتلال الزبالة وعشوائيات الخنازير‏..‏ وكان الأسوأ من زبالة الشوارع زبالة العقول وهي التي رأيناها في هذه الجريمة البشعة في نجع حمادي‏..‏

لم تكن زبالة القاهرة هي المأساة الوحيدة ولكن زبالة العقول التي خلفتها ثقافة المهرجانات الصاخبة ومثقفي الحظيرة من المثقفين السابقين والمتقاعدين والمتقعرين التي أنفقت عليها الدولة مليارات الجنيهات هي السبب الحقيقي فيما نراه الآن‏..‏ في مصر المحروسة أم الحضارة حتي الآن‏20‏ مليون بني آدم لا يقرأون ولا يكتبون ولنا أن نتصور حجم الكارثة التي نعيشها وكل واحد من هذه الملايين يمثل لغما لا ندري متي ينفجر في وجوهنا‏..‏

‏*‏ ساعد علي ذلك كله إعلام جاهل مسطح فتح مئات الفضائيات ليخاطب هذه المساحة من الجهل والتخلف ويزرع المزيد من الألغام دون رقابة من احد وحملت الفضائيات الرشاشات في حرب دينية قذرة استباحت كل المقدسات وانتهكت كل المحرمات وحولت الأديان السماوية بقدسيتها إلي مزادات يوميه للثراء والتربح والتجارة وإفساد عقول الناس وعلي شاشات الفضائيات شاهدنا آلاف الجرائم ضد الأديان ولم يتكلم أحد‏..‏ ولم تتحرك سلطة ولم يخرج العقلاء من دكاكين السلطة وحظيرتها التي جمعت أصحاب المصالح والمغانم والهبات‏..‏

ومع السموات المفتوحة جاءت صرخات من الخارج وصيحات من الداخل وظهرت فئة من المتاجرين والباحثين عن أدوار كان من السهل في ظل ذلك كله أن تشتعل النيران‏..‏

‏*‏ في الجامعات غاب النشاط السياسي فكان ولابد أن يملأ الفراغ التطرف الديني‏..‏ وفي الشارع غاب صوت العدل‏..‏ وكان ولابد وأن يظهر شبح الصراع بين أبناء المجتمع الواحد بل بين أبناء الاسرة الواحدة بين من يملكون كل شيء ومن لا يملكون أي شيء‏..‏ وفي الأسرة غاب الأب والأم والدور أمام متطلبات الحياة وقسوتها وفي العشوائيات تنتشر الفئران ويغيب البشر‏..‏ وفي المنتجعات غابت الحكمة وانتشرت المخدرات والجرائم ولم يكن غريبا أن نسمح بتدخلات هنا ووفود تأتي من هناك تحت راية المجتمع المدني وحقوق الإنسان ولجان الحريات الدينية والفوضي الخلاقة‏..‏ وكانت النتيجة ما رأيناه في نجع حمادي ومازلت اعتقد أن الأسوأ قادم إذا لم نبدأ بالعلاج وكلنا يعرف من أين نبدأ‏..‏

لا أعتقد أن ما يحدث تحت شعار الفتنة الطائفية أو الأقباط والمسلمين خلافات في الدين أو صراع بين من يؤمنون بمحمد أو عيسي عليهما الصلاة والسلام ولكن علينا أن نسأل أنفسنا ماذا حدث للعقل المصري والوجدان المصري والأسرة المصرية والشارع المصري وماذا يتعلم أطفالنا في مدارسنا ويشاهدون في إعلامنا وثقافتنا‏..‏ باختصار شديد نحن في حاجة إلي إعادة النظر في كل شئون حياتنا لأن ما نحن فيه وما صرنا إليه لا يليق بنا علي كل المستويات مسلمين وأقباطا‏..‏

ما حدث في نجع حمادي مسئولية دولة بكل مؤسساتها‏..‏ ومثقفين بكل تياراتهم‏..‏ ومجتمع مريض في حاجة إلي علاج حقيقي قبل أن يدخل غرفة الإنعاش‏..‏



ويبقي الشعر

الوقت ليل‏..‏ والدقائق بينـنـا زمن طويل حين يسكنـنـا الضجر مازلت أنظر للسماء فلا أري غير السحاب‏..‏ ورعشة البرق المسافر‏..‏ والمطـر فالسحب ترتـع في السماء‏..‏ فينزوي ركب النجوم‏..‏

ويختفي وجه القمر

ما عدت ألمح أي شيء في طـريقي

كلما فتـحت عيني لاح في قدمي حجر

إنـي لأعرف أن دربك شائك

وبأن هذا القلب أرقـه الرحيل‏..‏

وهده طول السفر

إنـي لأعرف أن حبك لم يزل

ينساب كـالأنهار في عمري

ويورق كالشـجر

وبأنـنـي سأظل أبحر في عيونك

رغم أن الموج أرقني زمانـا

ثم في ألم غـدر

وبأن حـبـك‏..‏ مارد كسر الحدود‏..‏

وأسقـط القلب المكابر‏..‏ وانتصر

أنـا لم أكن أدري بأن بداية الدنيا لديك‏..‏

وأن آخرها إليك‏..‏

وأن لقيانـا قدر


هوامش حرة : الرئيس‏..‏ والضريبة العقارية

هوامش حرة

الرئيس‏..‏ والضريبة العقارية

بقلم: فاروق جويدة





كنت علي يقين أن الكلمة الأخيرة في أزمة الضريبة العقارية ستكون للرئيس حسني مبارك فالرجل كان دائما يضع أولوية خاصة لمعاناة المواطنين رغم أن غالبية المسئولين في الدولة نسوا أو تناسوا هذا المبدأ من زمن بعيد‏..‏













منذ سنوات حدث خلاف بيني وبين د‏.‏عاطف عبيد وكان وزيرا لقطاع الأعمال عندما حاولت الحكومة بيع حديقة قصر محمد علي بالمنيل لعدد من المستثمرين العرب لتحويلها إلي فنادق ويومها حسم الرئيس مبارك هذا الخلاف وأصدر قرارا باعتبار الحديقة أثرا تاريخيا وألغيت الصفقة‏..‏ ومنذ عامين تم بيع أرض هدي شعراوي في ميدان التحرير بسعر عشرة ألاف جنيه للمتر‏..‏ ورغم توقيع اتفاق البيع أمر الرئيس مبارك بوقف الصفقة والتراجع عن عملية البيع بهذا السعر المريب‏..‏

وعندما كان الرئيس مبارك في زيارة لمدينة كفر الشيخ تحدث لأول مرة عن الضريبة العقارية وأكد أنها لم تحسم بعد مشيرا إلي أنه يفكر في البحث عن أسلوب متدرج لها كما أنه يفكر في مد فترة تقدير قيمة العقار والضرائب المستحقة عليه لتصبح عشر سنوات بدلا من خمس سنوات مع وضع معدل التضخم في الاعتبار عند إعادة التقدير وأكد الرئيس أنه لن يوافق علي زيادة الضرائب علي الأراضي الزراعية‏..‏

وبعد ان أثير الكثير من الجدل بين الصحافة والرأي العام ووزير المالية د‏.‏يوسف بطرس غالي لم يكن أمامنا جميعا غير أن ننتظر كلمة الرئيس مبارك في هذه القضية التي أثارت الشارع المصري طوال الأسابيع الأخيرة‏..‏ وكنا نعلم أن الرئيس في النهاية سوف يحسم القضية لصالح المواطنين وليس مصالح وزير المالية وقراراته المتسرعة التي لا تضع اعتبارا لظروف الناس وأن الضمان الوحيد لنا أن يقول الرئيس كلمته وقد قالها‏..‏

والغريب في الأمر أن يطلق وزير المالية تصريحات غريبة بعد كل ما أكده الرئيس ليؤكد الوزير أن القانون لن يتغير‏..‏ وإذا كان الرئيس قد أكد أن الضريبة لم تحسم‏..‏ وأنه يفكر في أسلوب متدرج لتنفيذ القانون ويفكر في مد فترة تقدير قيمة العقار والضريبة المستحقة عليه لتصبح عشر سنوات بدلا من خمس سنوات‏..‏ وحين يؤكد الرئيس أنه من الضروري أن نضع في الاعتبار معدلات التضخم عند إعادة التقدير‏..‏ إلا تتطلب كل هذه الملاحظات التي أبداها الرئيس إعادة النظر في بنود كثيرة من القانون‏..‏ أن تغيير الفترة من خمس إلي عشر سنوات يتطلب تعديلا‏..‏ ووضع معدلات التضخم في الاعتبار تتطلب تعديلا وأن يؤكد الرئيس قبل هذا كله أن الضريبة لم تحسم بعد إلا يتطلب ذلك إعادة النظر في مواد القانون الذي أصاب البيت المصري بحالة من الهلع والخوف والاكتئاب‏..‏

لقد كنا علي يقين أن القضية ستدور في كل اتجاه وتعود إلي الرئيس لكي يحمسها في النهاية لصالح المواطنين أمام اللغظ الشديد الذي حدث بسبب هذا القانون‏..‏

لقد وصلتني مئات الرسائل والخطابات من المواطنين حول هذه الضريبة ولم أكن في كل ما كتبت إلا معبرا عن رفض جماعي لهذه الضريبة‏..‏

والغريب في الأمر الآن هو إصرار وزير المالية علي تطبيق القانون رغم ما شابه من أخطاء بل أنه يتحايل علي توجيهات الرئيس ويعلن صراحة أن القانون لن يتغير‏..‏ ما هو الهدف من إثارة الشارع المصري بهذه الإجراءات الغير مدروسة ولماذا الإصرار علي الخطأ رغم كل الأراء التي كشفت الأخطاء في القانون من أساتذة القانون وخبراء الضرائب والمهتمين بالشأن العام ثم تأتي في النهاية ملاحظات السيد الرئيس وهي لا يمكن أن تدخل في بند الملاحظات ولكنها توجيهات ملزمة تتطلب تغيير بعض مواد القانون‏..‏

لماذا يصر وزير المالية علي أن يقدم نصف الشعب المصري إقرارات ملكية العقارات حتي في العشوائيات والمقابر وبيوت فقراء الريف بما فيها البيوت التي انهارت علي أصحابها أمام السيول الأخيرة في سيناء وأسوان وقري الغردقة‏..‏

أن وزير المالية يطالب‏30‏ مليون مواطن بتقديم الإقرارات وهو يعلم وبشهادة العاملين معه في الضرائب أن العقارات التي تنطبق عليها الضريبة لا تزيد عن‏5%‏ من هذه الكتلة السكانية الرهيبة‏..‏ فلماذا تطلب الحكومة تعذيب ملايين المواطنين رغم أن الضريبة لا تنطبق عليهم‏..‏ وإذا كانت مصلحة الضرائب العقارية سوف ترسل خطابات إلي أكثر من‏25‏ مليون مواطن لتؤكد لهم أنهم غير مطالبين بالضريبة التي لا تسري عليهم فما هي الجدوي من تلك الخطابات حيث ألاف الموظفين وطوابع البريد ونفقات ومصاريف ولجان ورصد ومراجعة‏..‏ ما هي أسباب ذلك كله‏..‏ ولماذا هذا الإصرار علي تعذيب المواطن والتنكيل به من السيد وزير المالية المبجل‏!‏

أن لكل قانون أو قرار أثار سلبية وأخري إيجابية ولاشك أن الآثار السلبية التي ترتبت علي هذا القانون أكثر من كل إيجابياته فالحكومة ليست في حاجة إلي حالة الغضب التي اجتاحت كل بيت مصري‏..‏ كما أن العائد الذي سيدخل ميزانية الدولة من هذه الضريبة لا يتناسب أبدا مع الرفض الشعبي الجارف للضريبة‏..‏

أن لدي وزير المالية أبوابا كثيرة جدا يستطيع أن يجمع منها مئات الملايين إذا أراد وعليه فقط أن يفتح خزائن رجال الأعمال الذين يعرفهم بالأسماء والعناوين والحسابات ويطالبهم بحقوق هذا الشعب‏..‏ وكانت الحكمة تقتضي في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة أن تؤجل الضريبة أو يتم تعديلها‏..‏

هناك مطلب شعبي بإعفاء السكن الخاص من هذه الضريبة وهو مطلب عادل لأن سكن المواطن لا يدر له دخلا ولا ينبغي أن يدفع عنه ضريبة‏..‏ ومازال عند المواطنين أمل كبير أن يحسم الرئيس هذه القضية ويطلب من الحكومة إعفاء سكن واحد لكل أسرة ولا أقول لكل مواطن‏..‏

وعلي ضوء تصريحات الرئيس مبارك في كفر الشيخ حول‏'‏ الضريبة الأزمة‏'‏ ينبغي أن يفتح مجلس الشعب ملف هذه الضريبة مرة أخري ويبدأ في تنفيذ الملاحظات التي أبداها الرئيس‏..‏ يجب أن يتحرك المجلس ويعيد مناقشة المواد التي أشار إليها الرئيس ويجب أن يبدأ د‏.‏فتحي سرور رئيس المجلس في اتخاذ خطوات سريعة في هذا الاتجاه وأنا لا أعتقد ان نواب الشعب الذين انتخبناهم لمواجهة مشاكل المواطنين وأزماتهم يقبلون ما يحدث الآن لطوابير المواطنين أمام مأموريات الضرائب لتقديم إقرارات عن مساكن في العشوائيات او مقابر الغفير أو الدويقة وقلعة الكبش‏..‏ أن د‏.‏ سرور نفسه نائب عن منطقة السيدة زينب ونصف الذين انتخبوه يسكنون في العشوائيات والمقابر فكيف رضي لهم هذا القانون المتعسف‏..‏ الظالم‏..‏

أن مجلس الشعب مطالب الآن بتعديل هذا القانون وعلي الحكومة أن تحدد الأغراض التي سوف تستخدم فيها هذه الضريبة لأنها في كل دول العالم ضريبة محليات تخصص للأحياء والقري والمدن وبقدر ما تقدم هذه المحليات من خدمات للمواطنين بقدر ما يتم تحديد سعر الضريبة واستخداماتها‏..‏ أما إذا كان وزير المالية سوف يلقي حصيلة هذه الضريبة في بلاعات الإنفاق الحكومي وسفريات السادة الوزراء ومهرجاناتهم فهي ضريبة باطلة ويجب أن يلغيها مجلس الشعب كما وافق عليها‏..‏

الشيء المريب في هذه الضريبة أيضا أن رئيس الوزراء د‏.‏أحمد نظيف غاب تماما في هذه المواجهة كما لو أن القضية لا تعني حكومته من قريب أو بعيد لقد التزم الصمت كأن القانون لم يأت من كواليس حكومته ولا أعتقد أنه سيتخذ نفس الموقف بعد الملاحظات التي أبداها الرئيس مبارك علي هذه الضريبة في كفر الشيخ‏..‏

بقيت عندي ملاحظة أخيرة بعد شهور قليلة سيعود أعضاء مجلس الشعب إلي دوائرهم يلتمسون الرضا من المواطنين لإعادة انتخابهم وسوف تطاردهم في هذه الانتخابات أشباح الضريبة العقارية ولن يكون غريبا أن تطيح هذه الضريبة بالأغلبية الساحقة الماحقة التي يحكم بها الحزب الوطني في مجلسي الشعب والشوري ويومها سوف يأخذ كل نائب كتابه بيديه كفي بنفسه اليوم عليه حسيبا‏..‏ نحن علي أبواب عامين من الانتخابات وأخشي ان تكون لعنة الضريبة العقارية مثل لعنة الفراعنة سوف تطيح برؤوس كثيرة من نواب الشعب الذين شاركوا في هذا القانون‏..‏

أن أخطر ما يحدث في مصر الآن هو هذا الانفصال الشديد بين رؤي وأفكار ومواقف رئيس الدولة والأجهزة التنفيذية بل والتشريعية بما فيها الحزب الوطني‏..‏ لقد ابتعد المسئولون في مصر الآن عن هموم الشارع المصري ومعاناته وكانت الضريبة العقارية نموذجا صارخـا لهذا الانفصام الذي يهدد العلاقة بين الشعب والدولة‏..‏

بعد كل ما حدث من ردود أفعال شعبية ساخطة ورافضه لهذه الضريبة الأزمة‏..‏ وبعد أن أكد الرئيس مبارك أن الضريبة لم تحسم بعد وأبدي ملاحظاته عليها مطلوب من مجلس الشعب والشوري والحكومة ووزارة المالية تنفيذ ملاحظات الرئيس لأنها تمثل مطالب الشعب‏..‏