Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : الرئيس‏..‏ والضريبة العقارية

هوامش حرة

الرئيس‏..‏ والضريبة العقارية

بقلم: فاروق جويدة





كنت علي يقين أن الكلمة الأخيرة في أزمة الضريبة العقارية ستكون للرئيس حسني مبارك فالرجل كان دائما يضع أولوية خاصة لمعاناة المواطنين رغم أن غالبية المسئولين في الدولة نسوا أو تناسوا هذا المبدأ من زمن بعيد‏..‏













منذ سنوات حدث خلاف بيني وبين د‏.‏عاطف عبيد وكان وزيرا لقطاع الأعمال عندما حاولت الحكومة بيع حديقة قصر محمد علي بالمنيل لعدد من المستثمرين العرب لتحويلها إلي فنادق ويومها حسم الرئيس مبارك هذا الخلاف وأصدر قرارا باعتبار الحديقة أثرا تاريخيا وألغيت الصفقة‏..‏ ومنذ عامين تم بيع أرض هدي شعراوي في ميدان التحرير بسعر عشرة ألاف جنيه للمتر‏..‏ ورغم توقيع اتفاق البيع أمر الرئيس مبارك بوقف الصفقة والتراجع عن عملية البيع بهذا السعر المريب‏..‏

وعندما كان الرئيس مبارك في زيارة لمدينة كفر الشيخ تحدث لأول مرة عن الضريبة العقارية وأكد أنها لم تحسم بعد مشيرا إلي أنه يفكر في البحث عن أسلوب متدرج لها كما أنه يفكر في مد فترة تقدير قيمة العقار والضرائب المستحقة عليه لتصبح عشر سنوات بدلا من خمس سنوات مع وضع معدل التضخم في الاعتبار عند إعادة التقدير وأكد الرئيس أنه لن يوافق علي زيادة الضرائب علي الأراضي الزراعية‏..‏

وبعد ان أثير الكثير من الجدل بين الصحافة والرأي العام ووزير المالية د‏.‏يوسف بطرس غالي لم يكن أمامنا جميعا غير أن ننتظر كلمة الرئيس مبارك في هذه القضية التي أثارت الشارع المصري طوال الأسابيع الأخيرة‏..‏ وكنا نعلم أن الرئيس في النهاية سوف يحسم القضية لصالح المواطنين وليس مصالح وزير المالية وقراراته المتسرعة التي لا تضع اعتبارا لظروف الناس وأن الضمان الوحيد لنا أن يقول الرئيس كلمته وقد قالها‏..‏

والغريب في الأمر أن يطلق وزير المالية تصريحات غريبة بعد كل ما أكده الرئيس ليؤكد الوزير أن القانون لن يتغير‏..‏ وإذا كان الرئيس قد أكد أن الضريبة لم تحسم‏..‏ وأنه يفكر في أسلوب متدرج لتنفيذ القانون ويفكر في مد فترة تقدير قيمة العقار والضريبة المستحقة عليه لتصبح عشر سنوات بدلا من خمس سنوات‏..‏ وحين يؤكد الرئيس أنه من الضروري أن نضع في الاعتبار معدلات التضخم عند إعادة التقدير‏..‏ إلا تتطلب كل هذه الملاحظات التي أبداها الرئيس إعادة النظر في بنود كثيرة من القانون‏..‏ أن تغيير الفترة من خمس إلي عشر سنوات يتطلب تعديلا‏..‏ ووضع معدلات التضخم في الاعتبار تتطلب تعديلا وأن يؤكد الرئيس قبل هذا كله أن الضريبة لم تحسم بعد إلا يتطلب ذلك إعادة النظر في مواد القانون الذي أصاب البيت المصري بحالة من الهلع والخوف والاكتئاب‏..‏

لقد كنا علي يقين أن القضية ستدور في كل اتجاه وتعود إلي الرئيس لكي يحمسها في النهاية لصالح المواطنين أمام اللغظ الشديد الذي حدث بسبب هذا القانون‏..‏

لقد وصلتني مئات الرسائل والخطابات من المواطنين حول هذه الضريبة ولم أكن في كل ما كتبت إلا معبرا عن رفض جماعي لهذه الضريبة‏..‏

والغريب في الأمر الآن هو إصرار وزير المالية علي تطبيق القانون رغم ما شابه من أخطاء بل أنه يتحايل علي توجيهات الرئيس ويعلن صراحة أن القانون لن يتغير‏..‏ ما هو الهدف من إثارة الشارع المصري بهذه الإجراءات الغير مدروسة ولماذا الإصرار علي الخطأ رغم كل الأراء التي كشفت الأخطاء في القانون من أساتذة القانون وخبراء الضرائب والمهتمين بالشأن العام ثم تأتي في النهاية ملاحظات السيد الرئيس وهي لا يمكن أن تدخل في بند الملاحظات ولكنها توجيهات ملزمة تتطلب تغيير بعض مواد القانون‏..‏

لماذا يصر وزير المالية علي أن يقدم نصف الشعب المصري إقرارات ملكية العقارات حتي في العشوائيات والمقابر وبيوت فقراء الريف بما فيها البيوت التي انهارت علي أصحابها أمام السيول الأخيرة في سيناء وأسوان وقري الغردقة‏..‏

أن وزير المالية يطالب‏30‏ مليون مواطن بتقديم الإقرارات وهو يعلم وبشهادة العاملين معه في الضرائب أن العقارات التي تنطبق عليها الضريبة لا تزيد عن‏5%‏ من هذه الكتلة السكانية الرهيبة‏..‏ فلماذا تطلب الحكومة تعذيب ملايين المواطنين رغم أن الضريبة لا تنطبق عليهم‏..‏ وإذا كانت مصلحة الضرائب العقارية سوف ترسل خطابات إلي أكثر من‏25‏ مليون مواطن لتؤكد لهم أنهم غير مطالبين بالضريبة التي لا تسري عليهم فما هي الجدوي من تلك الخطابات حيث ألاف الموظفين وطوابع البريد ونفقات ومصاريف ولجان ورصد ومراجعة‏..‏ ما هي أسباب ذلك كله‏..‏ ولماذا هذا الإصرار علي تعذيب المواطن والتنكيل به من السيد وزير المالية المبجل‏!‏

أن لكل قانون أو قرار أثار سلبية وأخري إيجابية ولاشك أن الآثار السلبية التي ترتبت علي هذا القانون أكثر من كل إيجابياته فالحكومة ليست في حاجة إلي حالة الغضب التي اجتاحت كل بيت مصري‏..‏ كما أن العائد الذي سيدخل ميزانية الدولة من هذه الضريبة لا يتناسب أبدا مع الرفض الشعبي الجارف للضريبة‏..‏

أن لدي وزير المالية أبوابا كثيرة جدا يستطيع أن يجمع منها مئات الملايين إذا أراد وعليه فقط أن يفتح خزائن رجال الأعمال الذين يعرفهم بالأسماء والعناوين والحسابات ويطالبهم بحقوق هذا الشعب‏..‏ وكانت الحكمة تقتضي في هذه الظروف الاقتصادية الصعبة أن تؤجل الضريبة أو يتم تعديلها‏..‏

هناك مطلب شعبي بإعفاء السكن الخاص من هذه الضريبة وهو مطلب عادل لأن سكن المواطن لا يدر له دخلا ولا ينبغي أن يدفع عنه ضريبة‏..‏ ومازال عند المواطنين أمل كبير أن يحسم الرئيس هذه القضية ويطلب من الحكومة إعفاء سكن واحد لكل أسرة ولا أقول لكل مواطن‏..‏

وعلي ضوء تصريحات الرئيس مبارك في كفر الشيخ حول‏'‏ الضريبة الأزمة‏'‏ ينبغي أن يفتح مجلس الشعب ملف هذه الضريبة مرة أخري ويبدأ في تنفيذ الملاحظات التي أبداها الرئيس‏..‏ يجب أن يتحرك المجلس ويعيد مناقشة المواد التي أشار إليها الرئيس ويجب أن يبدأ د‏.‏فتحي سرور رئيس المجلس في اتخاذ خطوات سريعة في هذا الاتجاه وأنا لا أعتقد ان نواب الشعب الذين انتخبناهم لمواجهة مشاكل المواطنين وأزماتهم يقبلون ما يحدث الآن لطوابير المواطنين أمام مأموريات الضرائب لتقديم إقرارات عن مساكن في العشوائيات او مقابر الغفير أو الدويقة وقلعة الكبش‏..‏ أن د‏.‏ سرور نفسه نائب عن منطقة السيدة زينب ونصف الذين انتخبوه يسكنون في العشوائيات والمقابر فكيف رضي لهم هذا القانون المتعسف‏..‏ الظالم‏..‏

أن مجلس الشعب مطالب الآن بتعديل هذا القانون وعلي الحكومة أن تحدد الأغراض التي سوف تستخدم فيها هذه الضريبة لأنها في كل دول العالم ضريبة محليات تخصص للأحياء والقري والمدن وبقدر ما تقدم هذه المحليات من خدمات للمواطنين بقدر ما يتم تحديد سعر الضريبة واستخداماتها‏..‏ أما إذا كان وزير المالية سوف يلقي حصيلة هذه الضريبة في بلاعات الإنفاق الحكومي وسفريات السادة الوزراء ومهرجاناتهم فهي ضريبة باطلة ويجب أن يلغيها مجلس الشعب كما وافق عليها‏..‏

الشيء المريب في هذه الضريبة أيضا أن رئيس الوزراء د‏.‏أحمد نظيف غاب تماما في هذه المواجهة كما لو أن القضية لا تعني حكومته من قريب أو بعيد لقد التزم الصمت كأن القانون لم يأت من كواليس حكومته ولا أعتقد أنه سيتخذ نفس الموقف بعد الملاحظات التي أبداها الرئيس مبارك علي هذه الضريبة في كفر الشيخ‏..‏

بقيت عندي ملاحظة أخيرة بعد شهور قليلة سيعود أعضاء مجلس الشعب إلي دوائرهم يلتمسون الرضا من المواطنين لإعادة انتخابهم وسوف تطاردهم في هذه الانتخابات أشباح الضريبة العقارية ولن يكون غريبا أن تطيح هذه الضريبة بالأغلبية الساحقة الماحقة التي يحكم بها الحزب الوطني في مجلسي الشعب والشوري ويومها سوف يأخذ كل نائب كتابه بيديه كفي بنفسه اليوم عليه حسيبا‏..‏ نحن علي أبواب عامين من الانتخابات وأخشي ان تكون لعنة الضريبة العقارية مثل لعنة الفراعنة سوف تطيح برؤوس كثيرة من نواب الشعب الذين شاركوا في هذا القانون‏..‏

أن أخطر ما يحدث في مصر الآن هو هذا الانفصال الشديد بين رؤي وأفكار ومواقف رئيس الدولة والأجهزة التنفيذية بل والتشريعية بما فيها الحزب الوطني‏..‏ لقد ابتعد المسئولون في مصر الآن عن هموم الشارع المصري ومعاناته وكانت الضريبة العقارية نموذجا صارخـا لهذا الانفصام الذي يهدد العلاقة بين الشعب والدولة‏..‏

بعد كل ما حدث من ردود أفعال شعبية ساخطة ورافضه لهذه الضريبة الأزمة‏..‏ وبعد أن أكد الرئيس مبارك أن الضريبة لم تحسم بعد وأبدي ملاحظاته عليها مطلوب من مجلس الشعب والشوري والحكومة ووزارة المالية تنفيذ ملاحظات الرئيس لأنها تمثل مطالب الشعب‏..‏