Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : شرم الشيخ عاصمة جديدة لمصر‏!‏

هوامش حرة



شرم الشيخ عاصمة جديدة لمصر‏!‏



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




في السنوات العشر الماضية استطاعت مدينة شرم الشيخ أن تتحول إلي عاصمة سياسية لمصر فقد شهدت معظم المؤتمرات الدولية التي أقامتها مصر‏,‏ابتداء بمؤتمرات السلام في العراق وانتهاء بمؤتمر إنهاء المعارك الحربية وإعادة اعمار غزة‏..‏ لا يوجد مؤتمر دولي كبير إلا وأقيم في هذه المنطقة الرائعة الجمال‏..‏ وقد ساعد علي نجاح هذه المؤتمرات واللقاءات الدولية أن المدينة جديدة في كل شيء في مبانيها وشوارعها ومطاراتها هذا بجانب أنها لم تتكدس حتي الآن بالملايين من البشر‏..‏



وفي مدينة شرم الشيخ أكثر من‏80‏ فندقـا تضم ما يقرب من‏40‏ ألف غرفة‏..‏ ولأن المدينة الجميلة تقع علي البحر ويقصدها السياح من كل بلاد الدنيا‏,‏فقد أصبحت الآن من أشهر المنتجعات السياحية في العالم‏..‏



استطاعت شرم الشيخ أن تشهد جميع الأحداث الكبري من عاصمة المعز القاهرة الساحرة‏..‏ لم تشهد العاصمة المصرية منذ سنوات بعيدة تلك المؤتمرات الصاخبة التي كانت تزين وجه المدينة العريقة‏..‏ بل أن معظم الزيارات الرسمية تقام في مدينة شرم الشيخ باستثناء زيارة الرئيس أوباما وخطابه الشهير في جامعة القاهرة‏..‏ وبرغم حزني الشديد من انتقال جميع الأضواء من القاهرة إلي شرم الشيخ وبرغم حالة السكون التي احتوت المدينة العتيقة أمام مدينة شابة صاعدة‏..‏ ورغم كل ما حملت القاهرة من عبق التاريخ والماضي العريق إلا أن زحام البشر فيها وانتشار العشوائيات علي حدودها وتكدس الوزارات الحكومية ومؤسسات الدولة في كل أرجائها هذه الأسباب جعلت القاهرة مخزنـا بشريا مكدسا تجد فيه كل شيء ابتداء بالجرائم والزحام والمخدرات‏,‏ وانتهاء بالمتاحف ومراكز الإبداع والثقافة‏..‏



غابت القاهرة تماما في السنوات الأخيرة عن عيون العالم بينما دخلت في الصورة وبقوة الجمال والشباب والأناقة مدينة شرم الشيخ‏..‏ يمكن أن نفتقد القاهرة في رحلة البحث عن التاريخ والعراقة ولكن شباب شرم الشيخ وفتنتها يمكن أن يعوضا البعض عن كل ذلك خاصة إذا أطلت علينا كل ليلة مدينة الأزهر والجامعة العريقة وهي ترتدي سحابتها السوداء وتحيط بها عبر وسائل الإعلام أخبار إنفلونزا الخنازير وجرائم العشوائيات وحوادث القطارات‏..‏



اختفت القاهرة من ساحة الأحداث الكبري وهي التي شهدت عبر سنوات طويلة أحداثـا كثيرة هامة‏..‏ لقد جمعت يوما مؤتمرات عدم الانحياز والقمم العربية في عصرها الذهبي وشهدت زيارات كبار القادة والزعماء في العالم وعلي ربوعها شدت أم كلثوم وأطربتنا وترنم عبد الوهاب وأسعدنا‏,‏ومنها انطلقت صرخات كتابها ومفكريها تطالب بالحريات وتغرس أشجار العلم والمعرفة في كل ربوع أمتنا العربية‏..‏ كان هذا هو حال القاهرة التي سكنت الآن وترهلت أمام الزحام والصخب المجنون‏..‏



نحن في القاهرة العاصمة العتيقة لم نستطع حتي الآن أن نقدم حلولا لمشاكلها وهي خطيرة للغاية‏..‏ إن التوسعات في المدن الجديدة لم تكن حلا حاسما لمشكلة الزحام وهنا انتشرت العشوائيات‏..‏ أن المدن الجديدة في‏6‏ أكتوبر والعاشر من رمضان والتجمع الخامس والقاهرة الجديدة و‏15‏ مايو والطريق الصحراوي والرحاب والقطامية كل هذه المشروعات لم تستطع أن تواجه أبدا قضايا الزحام السكاني في القاهرة‏..‏ كما أن الطرق والكباري لم تواجه مشكلات وأزمات المرور بصورة حاسمة‏,‏ويبقي في النهاية أننا أمام مدينة عملاقة‏,‏تعداد سكانها يقترب من‏20‏ مليون نسمة بكل مشاكلهم وأزماتهم وأمراضهم وجرائمهم‏..‏ أي أن العلاج في مدينة القاهرة يبدو أمرا مستحيلا‏..‏



ولكن الغريب الآن أن الحكومة تفكر في نقل الوزارات خارج القاهرة بحيث يتم تفريغ وسط العاصمة من الموظفين والمكاتب والمؤسسات وملايين البشر الذين يتدفقون كل يوم إلي هذه الأماكن‏..‏ وهذا اقتراح قديم اكتشف المسئولون أنه صعب التحقيق ولن يصل بنا إلي شيء‏..‏



هنا راودتني فكرة رغم كل مظاهر الشطط والإثارة فيها إلا أنها تستحق الدراسة وربما وجدت استجابة من أصحاب القرار‏..‏ وهنا أقترح إقامة عاصمة جديدة لمصر هي مدينة شرم الشيخ‏..‏ هذه العاصمة الجديدة شرم الشيخ تتوافر فيها كل عناصر النجاح فهي مدينة جديدة وأمامها اتساع عمراني مستقبلي رهيب كما أنها تقع في سيناء الخالية من البشر ومن التنمية ومن الحماية‏..‏ وهذه العاصمة الجديدة سوف توفر لنا مجموعة من العناصر لا تتوافر إلا فيها‏:‏ ‏*‏ إن انتقال أجهزة ومؤسسات الدولة المصرية الرسمية سوف يخفف الكثير من الأعباء السكانية والمرورية علي مدينة القاهرة‏..‏ ولنا أن نتصور انتقال أكثر من‏30‏ وزارة بمبانيها ومسئوليها وزوارها من قلب القاهرة وما يترتب علي ذلك من حلول لأزمات مرورية وسكانية وحياتية شديدة الضراوة والقسوة‏..‏



أن مدينة شرم الشيخ تقع في سيناء التي تركناها خالية ومعني أن تقام عاصمة مصر فيها يعني انتقال أكثر من ثلاثة أو خمسة ملايين مواطن‏,‏وربما أكثر إلي هذه المنطقة بكل ما يعنيه ذلك من مصادر الأمان والحماية‏..‏ أن سيناء التي يسكنها‏450‏ ألف مواطن يمكن أن تتحول إلي عالم جديد تماما في مشروعاته وتوسعاته واستثماراته الاقتصادية والبشرية‏,‏وفي الوقت الذي نحاول فيه أن نشجع التنمية فإن تحويل شرم الشيخ إلي عاصمة لمصر يمكن أن يكون عامل جذب بشري للملايين من المواطنين‏,‏وهنا يمكن أن تقوم خطط للتوسع العمراني في سيناء تشمل سيناء كلها بحيث يتم تحويل جزء من هذا الضغط الرهيب بكل مشاكله وأزماته من الدلتا إلي سيناء‏..‏ ومن القاهرة إلي شرم الشيخ‏..‏


أن القاهرة في هذه الحالة سوف تتفرغ لمواجهة مشاكلها بعيدا عن الوزارات وزحامها والمسئولين ومواكبهم والمصالح الحكومية بكل أزماتها لأن انتقال ثلاثة أو خمسة ملايين مواطن من القاهرة وحدها إلي سيناء يمكن أن يكون حلا لمشاكل كثيرة في الإسكان والمرافق والمرور والخدمات بكل أنواعها‏,‏وهنا أيضا يمكن أن تقام المنشآت الحديثة لمؤسسات الدولة علي أسس جديدة أكثر تطورا من حيث المساحة والمكان والخدمات والمرافق‏..‏ ‏في العالم تجارب مشابهة حدثت قبل ذلك ففي البرازيل انتقلت العاصمة من ريودي جانيرو إلي برازيليا العاصمة الجديدة الجميلة‏..‏ وفي نيجيريا تركت أجهزة الدولة زحام العاصمة القديمة ليجوس وانتقلت إلي عاصمة أخري تبعد‏500‏ كيلو متر عن العاصمة القديمة وأصبحت‏'‏ أبوجا‏'‏ العاصمة الجديدة لنيجيريا الدولة التي تعتبر أكبر كتلة سكانية في إفريقيا‏..‏ هذه التجارب نجحت في هذه الدول لأنها ابتعدت تماما عن الضغط السكاني الرهيب في المدن الكبري‏..‏



وفي دول كثيرة يوجد في البلد الواحد أكثر من عاصمة‏..‏ هناك عاصمة سياسية وأخري مالية‏..‏ وربما توجد عاصمة ثالثة للفنون وعلي سبيل المثال فإن في أمريكا توجد عاصمة السياسة وهي واشنطن وعاصمة المال وهي نيويورك وفي ألمانيا العاصمة بون وتوجد فرانكفورت مدينة المال‏..‏ وفي إيطاليا توجد روما في الجنوب وميلانو في الشمال‏,‏ وفي سويسرا توجد بيرن العاصمة وتوجد جنيف مدينة المال والبنوك ومعها زيورخ‏,‏ فلنجعل شرم الشيخ العاصمة السياسية لمصر وتبقي القاهرة مدينة الذكريات والتاريخ‏..‏



لقد فشلت تجربة انتقال أجهزة الدول المصرية ووزاراتها إلي مدينة السادات في السبعينيات عندما حاول الرئيس الراحل أنور السادات مواجهة مشاكل العاصمة وتكدسها وزحامها‏,‏ولكن السبب في ذلك أن مدينة السادات كانت قريبة جدا من العاصمة وأن الحل المطلوب يتطلب حلا جذريا بحيث تقام عاصمة في مكان آخر بعيدا تماما عن القاهرة‏..‏



لقد ألقت الحكومات المتعاقبة آلاف الملايين من الجنيهات في إقامة كتل خرسانية طوقت المدينة العريقة فكانت المحاور والكباري وناطحات السحاب العملاقة التي سدت ضياء الشمس وحولت المساكن والبيوت إلي ثكنات عسكرية وفقدت المدينة الجميلة الكثير من تناسقها وجمالها وجلالها‏..‏ وازدحمت القاهرة وتحولت إلي علب من السردين البشري‏,‏ولا حل لها إلا بتدخل صارم يشبه الجراحات السريعة‏..‏



إن الغريب في الأمر أن المسئولين في الدولة يفكرون في توسعات القاهرة وصورتها في عام‏2050,‏ وأنا لا أتصور مستقبلا سكانيا وإنسانيا في مدينة تعدادها‏30‏ مليون نسمة وهذا هو العدد المتوقع للقاهرة بعد‏40‏ عاما‏..‏ ولهذا فإن الحل الوحيد هو إنشاء عاصمة جديدة لمصر في شرم الشيخ‏..‏ سوف يقول البعض إن هذا الاقتراح سوف يقتل منتجعا سياحيا جميلا ورائعا اسمه شرم الشيخ يرتاده سنويا ملايين البشر من كل دول العالم‏,‏ وأن انتقال أجهزة الدولة بكل تراثها العريق في التكدس والزحام والبيروقراطية إلي هذه البقعة المضيئة سوف يدمر كل شيء فيها ابتداء بالبحر وشواطئه وانتهاء بالشعب المرجانية والهدوء الذي يسعي إليه السياح من كل بلاد الدنيا‏..‏



قد يكون في ذلك جزء من الحقيقة‏,‏وقد تكون لهذه المخاوف مبرراتها‏,‏ولكن ذلك كله يرتبط بالأسلوب والطريقة التي سيتم بها نقل العاصمة المصرية إلي هناك في ظل توسع عمراني وسكاني مدروس وقد تظهر مشاكل في مثل هذا الاقتراح تتعلق بالخدمات التي تقدمها الوزارات المختلفة‏,‏وهنا يمكن أن تستعين الدولة بما وصلت إليه أفاق التكنولوجيا في العالم بالنسبة لهذه الخدمات‏..‏ إن الحكومة هناك سوف تكون حكومة فكر وقرارات وإنجازات تتخلص من مواكب الروتين المصري والاجتماعات العشوائية والبيروقراطية العريقة لأن استخراج مستندات أو شهادات لا يستغرق الآن سوي دقائق‏,‏ ولا يحتاج لآلاف الموظفين المكدسين في المكاتب‏..‏



وعلي شاطيء شرم الشيخ سوف تكون أعصاب المسئولين أكثر هدوءا ويكون مزاجهم أكثر اعتدالا‏,‏ ولهذا ستكون قراراتهم أكثر حكمة وموضوعية وأمانة‏..‏



سوف يرفض عشاق شرم الشيخ هذا الاقتراح‏,‏ولكن أمن سيناء ومستقبلها وحمايتها يتطلب مثل هذا القرار الصارم‏..‏ لا توجد مكاسب بدون خسائر‏..‏ وأمن سيناء أهم كثيرا من راحة السائحين علي رمالنا الصفراء‏..‏




ويبقي الشعر



تـري من نعاتب يا نيل ؟ قـل لي‏..‏

ولم يبق في العمر الا القليل

حملناك في العين حبات ضوء

وبين الضلوع مواويل عشق‏..‏



وأطيار صبح تناجي الأصيل

فإن ضاع وجهي بين الزحام

وبعثرت عمري في كل أرض‏..‏

وصرت مشاعا‏..‏ فأنت الدليل‏..‏



تـري من نعاتب يا نيل ؟‏..‏ قـل لي‏..‏

وما عاد في العمر وقت

لنعشق غيرك‏..‏ أنت الرجاء

أنعشق غيرك‏..‏ ؟



وكيف ؟‏..‏ وعشقـك فينـا دماء

تروح وتغـدو بـغير انتهاء

أسافر عنـك

فألمح وجهك في كل شيء



فيغدو الفنارات‏..‏ يغدو المطارات

يغدو المقاهي‏..‏

يسد أمامي كل الطـرق

وأرجع يا نيل كي أحترق



وأهرب حينـا

فأصبح في الأرض طيفـا هزيلا

وأصرخ في النـاس‏..‏ أجري إليهم

وأرفـع رأسي لأبدو معك



فأصبح شيئـا كبيرا‏..‏ كبيرا

طويناك يا نيل بين القـلوب

وفينـا تـعيش‏..‏ ولا نـسمعك

تمزق فينـا‏..‏



وتدرك أنك أشعـلـت نارا

وأنك تحرق في أضلـعك

تعربد فينا‏..‏

وتدرك أن دمانـا تسيل‏..‏



وليست دمانا سوي أدمعك

تركت الخفافيش يا نيل تلـهو

وتعبث كالموت في مضجعك

وأصبحت تحيا بصمت القبور



وصوتي تكسر في مسمعك

لقـد غبت عنـا زمانـا طويلا

فقـل لي بربك من يرجعك؟

فعشـك ذنب‏..‏ وهجرك ذنب

أسافر عنك‏..‏ وقلـبي معك




من قصيدة أسافر منك وقلبي معك سنة‏1983'‏