Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : آداب الحــــــــــوار

هوامش حرة



آداب الحــــــــــوار



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




في الفترة الأخيرة حدث انهيار وتراجع شديد في لغة الحوار‏..‏ وقد وصل هذا الانهيار إلي حالة من حالات السقوط والتردي لم تحدث من قبل‏..‏ ولا أدري هل هذا السقوط يؤكد حالة الانفلات العام التي نعيشها في العمل والشارع والأغاني والأفلام والفضائيات والصحافة وكرة القدم؟‏!‏ وما هي نهاية المطاف أمام كل هذه الانهيارات المخيفة؟‏!‏ هل نحتاج إلي إجراءات وقوانين رغم أن لدينا ترسانة ضخمة من القوانين والتشريعات تضع ضوابط صارمة للسلوكيات والأحاديث ولدينا أجهزة رقابية كثيرة ولدينا قبل ذلك كله تاريخ من السلوك المترفع الذي كان يمثل رصيدا حضاريا وإنسانيا لا وجود له الآن؟‏.‏



لن أتحدث عن تاريخ قديم للانهيارات التي شهدتها لغة الحوار ولكنني سوف أتناول فقط الأشهر الثلاثة الأخيرة من عام‏2009‏ الذي ودعناه منذ أيام‏..‏ وسوف نكتشف أن هذه الأشهر الثلاثة قد شهدت أسوأ ما وصلت إليه أحوال المصريين في لغة الحوار ابتداء بسب‏'....'‏ وانتهاء بما ورد في قاموس نواب الشعب عن أولاد‏'....'‏ وهذا القاموس من الشتائم البذيئة‏..‏



لن أتحدث عن أفلام شاهدناها أو مسلسلات تابعناها أو أغان سمعناها ولكن هناك وقائع واضحة ينبغي أن نتوقف عندها‏..‏



أولا‏:‏ معركة تشويه الرموز‏..‏ هذه المعركة الدامية شهدت ألفاظـا وشتائم وقصصا وحكايات استخدمت فيها كل وسائل الانحطاط اللغوي والسلوكي‏..‏ هذه المعركة شملت أسماء عدد من رموز مصر الكبار وهم الأستاذ محمد حسنين هيكل والسيد عمرو موسي والدكتور محمد البرادعي ود‏.‏أحمد زويل‏..‏ قد نختلف في الآراء والتوجهات والأفكار مع هذه الرموز وهذا شيء عادي فالأستاذ هيكل كاتب ومفكر يحمل تاريخا طويلا وهذا التاريخ كان دائما مثارا للجدل والخلاف‏..‏ وهذه كلها أمور عادية فالرجل لا يدعي احتكار الحقيقة ولكن الإسفاف في الرد عليه أو التعقيب علي أفكاره ورؤاه شيء لا يقبله أحد ولم يكتف هؤلاء بالهجوم علي الأستاذ هيكل شخصا وتاريخا بل أنهم استأجروا من الكتاب العرب من يشارك في هذه المهمة القومية‏..‏



أما السيد عمرو موسي فهو دبلوماسي من طراز رفيع ويتمتع بمصداقية كبيرة لدي الشارع المصري والعربي وقد دفعته الصحافة دفعا لأن يتحدث عن منصب الرياسة واحتمالات ترشحه لهذا المنصب في عام‏2011‏ ولم يعلن الرجل صراحة أنه يرغب في ذلك ولكن الجدل ثار حول إمكانية ذلك وكانت النتيجة هذا الهجوم الضاري الذي تعرض له عمرو موسي‏..‏



كانت المعركة الثالثة وهي الأكثر عنفـا وشراسة من نصيب وجه مصري مشرف في العالم هو د‏.‏محمد البرادعي‏..‏ ولم يكن الرجل يتصور بعد حفلات التكريم التي أقيمت له بعد فوزه بجائزة نوبل أن توجه إليه السهام بهذه القسوة وهذه الضراوة لأنه طالب بتعديل بعض مواد الدستور‏..‏ ولو أن أي أستاذ في الجامعة طالب بذلك ما حدث أي شيء ولو أن محاميا شهيرا كتب ينتقد الدستور كله ما تحدث أحد فالدستور ليس قرآنا منزلا من السماء‏..‏ أنه جهد بشري يسري عليه ما يسري علي كل الدساتير في العالم‏..‏ ولكن السهام انطلقت إلي صدر د‏.‏ البرادعي من كل جانب‏..‏ كانت الصحافة القومية ضارية في هجومها‏..‏ بل إن بعض الوزراء تورط في هذه المعركة متبرعا ومدافعا عن النظام والدولة‏..‏ رغم أن هذا النظام وهذه الدولة ممثلة في الرئيس مبارك هي التي أقامت حفل تكريم كبير للبرادعي حين حصل علي جائزة نوبل‏..‏



ولم ينج د‏.‏ أحمد زويل من هذه الهجمة الشرسة علي رموز مصر اعتقادا منهم بأن زويل يفكر في أن يخوض لعبة السياسة رغم أن الرجل أعلن بصراحة أنها بعيده عن حساباته‏..‏



ماذا سيبقي لمصر لو شوهت رموزها من الكتاب والسياسيين والعلماء‏..‏ وما هي الفائدة من وراء ذلك كله‏..‏ ما قيمة أن نلقي الحصي علي الهرم الأكبر وماذا أخذ الذين حملوا السكاكين والمطاوي وداروا في ظلام الشوارع يشوهون سمعة هذه الرموز أمام العالم كله ؟‏!..‏ أنها خسارة كبيرة فلا توجد دولة أهانت رموزها كما حدث عندنا‏..‏



ثانيا‏:‏ المعركة الثانية هي ما حدث في موقعة الجزائر‏..‏ ورغم أن الجميع قد تراجع الآن عن مواقفه وشتائمه وسبابه إلا أن ما حدث في هذه الأيام المظلمة كان كارثة بكل المقاييس‏..‏ أن تخرج مصر بشعبها وإعلامها وفنانيها وكتابها تعلن هذه الحرب الشعواء بسبب هدف دخل مرمانا في السودان‏..‏ أين العقل والحكمة في هذا الموقف الغريب‏..‏ وكيف سرت هذه اللعنة في صفوف الناس واجتاحت مجتمعا آمنـا مسالما‏..‏ هل هي الفضائيات‏..‏ هل هو اتحاد الكرة الذي لم يعد يصلح لشيء غير جمع الهبات والأموال والصدقات وإشعال المعارك سواء فاز أم خسر‏..‏ هل هي صحافة الرقص علي الحبال‏..‏ هل هو جنون كرة القدم‏..‏ من أشعل هذه المعركة الخاسرة‏..‏ ومن أطلق كل هذه الشتائم في عقول أبنائنا‏..‏ ومن الذي سمح للاعبي الكرة المتقاعدين بأن يحمل كل منهم رشاشا ويعلن الحرب باسم المصريين علي الشاشات‏..‏ ومن الذي سمح لكذابي الزفة بأن يصبحوا قادة وطنيين وثوريين كبار‏..‏ وماذا عن الأقلام التي استباحت كل صور التاريخ المشرف لشعبين شقيقين؟‏!..‏ في هذه المعركة الصاخبة الرخيصة خسرنا أشياء كثيرة أكبر كثيرا من هدف الخرطوم وكأس العالم ومونديال جنوب أفريقيا وسوف نحتاج وقتـا طويلا لإزالة آثار هذه المأساة‏..‏



كان السجال بين الفضائيات والصحف ومنتديات النت في مصر والجزائر سقطة تاريخية دامية في تاريخ الإعلام في البلدين‏..‏ وكان التردي الذي وصلت إليه الحوارات والأحاديث والتعقيبات في الصحافة مسلسلا قبيحا في كل شيء‏..‏ فهل هذه هي لغة الحوار التي تليق بنا‏..‏ وهل هذه هي دروس الفضيلة التي نعلمها لأبنائنا‏..‏



ثالثـا‏:‏ ما يحدث الآن في مؤسسات الدولة الرسمية في لغة الخطاب ظاهرة خطيرة أن يقف وزير مسئول في لجنة من لجان مجلس الشعب ويسب‏'....'‏ بلغة الشوارع ويقول كلاما غير مسئول يخجل القلم أن يسطره علي هذا الورق‏..‏ وأن يقف نواب الشعب وتحت قبة المجلس الموقر يتبادلون الشتائم بالآباء والأمهات ويهجمون علي بعضهم البعض ويتشابكون بالأيدي والأقدام‏..‏ في الفترة الأخيرة شهدت الساحة ألفاظـا غريبة لا تليق داخل مجلس الشعب وعلي شاشات التلفزيون وصفحات الجرائد‏..‏



عندما اشتعلت معركة النقاب كلنا نذكر الشتائم التي تعرض لها فضيلة الإمام الأكبر الشيخ طنطاوي علي الفضائيات ومن الصحافة ومن أشخاص يدعون أنهم دعاة ويتحدثون باسم الدين والإسلام‏..‏ وفي المقابل تعرض قداسة البابا شنوده لنفس الموقف حيث يهاجمه البعض بسبب وبلا سبب‏..‏ حتي في قصة السيدة العذراء عليها السلام وظهورها في كنيسة الوراق كانت التعقيبات علي شاشات النت والفضائيات والصحف تتسم بالصلافة وتهاجم بلا مبررات وتستخدم ألفاظـا لا تليق‏..‏



شيء غريب أن تهبط لغة الحوار في قضايا الدين وبين الدعاة وعلي الشاشات والجميع يعطي نفسه الحق في أن يفتي بالحق والباطل‏..‏



شيء غريب أيضا أن يتدخل كبار المسئولين والوزراء في مساجلات ومحاورات وأحاديث تتنافي مع آداب الحوار‏..‏ كان الهجوم علي عمرو موسي والبرادعي من وزراء مسئولين في السلطة فيه تجاوزات كثيرة‏..‏



وإذا أضفنا لذلك كله ما نشاهد في الأفلام وما نسمع من الأغاني وما يتردد من ألفاظ سوقية خارجة في المسلسلات والبرامج لاكتشفنا إلي أي مدي هبطت لغة الحوار‏..‏



لا يكفي أن نشخص الظاهرة أو أن نتوقف عند نماذج رديئة وسيئة منها ولكن ينبغي أن تخضع هذه الظاهرة للدراسة‏..‏ هل هو التكاسل في الحساب مع أي شخص يتجاوز حتي ولو كان مسئولا كبيرا‏..‏ لماذا لا يطبق د‏.‏فتحي سرور رئيس مجلس الشعب لائحة المجلس في تجاوزات الأعضاء داخل الجلسات‏..‏ لماذا لا يحاسب وزير أخطأ داخل لجنة من اللجان أليس من حق المجلس أن يطرد من جلساته أي نائب تجاوز وأخطأ‏..‏ لماذا لا يحاسب الوزراء علي تصريحاتهم غير المسئوله داخل مجلس الوزراء وأبرز مثال لذلك الهجوم الذي تعرض له د‏.‏البرادعي من كبار المسئولين في الدولة والتصريحات المخجلة التي أدلي بها أحد الوزراء في لجنة الخطة والموازنة‏..‏



لماذا لا تحاسب الفضائيات التي أشعلت المعارك في موقعة الجزائر وكيف نترك الفضائيات لكل من هب ودب سواء كان لاعبا متقاعدا أو جديدا أو باحثـا عن دور وزعامة ؟‏..‏



هذا السباق المحموم في السباب والشتائم لا يتناسب أبدا مع صحافة مصر العريقة ودورها التنويري والثقافي والحضاري‏..‏



وهذا الانحطاط الرهيب في لغة الحوار علي الشاشات وفي كلام بعض المسئولين يمثل انحدارا شديدا في فهم الهدف والرسالة للحوار الراقي‏..‏ إذا كانت خلافات الرأي والفكر سوف تلقي بنا إلي هذه المستنقعات الكلامية فإننا بذلك لا ندرك المعني الحقيقي للاختلاف وكيف نعبر عنه‏..‏



في أحيان كثيرة أشعر بحالة من الغثيان وأنا أشاهد تلال القمامة التي يلقي بها البعض علي صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات لتلوث أسماع وأبصار أبنائنا‏..‏



إن لغة الحوار تعكس سلوكيات الشارع وثقافة المواطن وأخلاقيات الناس وما نسمعه ونشاهده الآن يحتاج إلي وقفه قبل أن يفلت الزمام ونسمع ما هو أسوأ من كل ذلك‏..‏



علينا أن نستعيد شيئـا قديما تأصل فينا زمنـا كان يسمي آداب الحوار‏..‏




..‏ ويبقي الشعر



وعلمتـنـا العشق قبل الأوان

فـلما كـبـرنـا‏..‏ ودار الزمان

تبرأت منـا‏..‏ وأصبحت تنـسي



فـلم نـر في العشق غير الهوان

عشقـناك يا نيل عمرا جميلا

عشقـناك خوفـا‏..‏ وليلا طويلا



وهبنـاك يوما قلوبا بريئـه

فـهل كان عشقــك بعض الخطيئه ؟‏!‏

طـيورك ماتت‏..‏



ولم يبق شيء علي شاطـئـيــك

سوي الصمت‏..‏ والخوف‏..‏ والذكريات

أسافر عنك فأغدو طـليقا‏..‏



ويسقط قيدي

وأرجع فيك أري العمر قبرا

ويصبح صوتي بقايا رفات

طيورك ماتـت‏..‏



ولم يبق في العش غير الضحايا

رماد من الصبح‏..‏ بعض الصغار

جمعت الخفافيش في شاطئيــك



ومات علـي العين‏..‏ ضوء النـهار

تـري من نعاتب يا نيل ؟ قـل لي‏..‏

نعاتب فيك زمانـا حزينـا‏..‏



منحناه عمرا‏..‏ ولم يعط شيئـا‏..‏

وهل ينجب الحزن غير الضياع

تـري هل نعاتب صبحا بريئـا‏..‏



تشرد بين دروب الحياة

وأصبح صبحا لقيط الشعاع ؟

تـري هل نعاتب وجها قديما



تواري مع القهر خلف الظلام

فأصبح سيفـا كسيح الذراع ؟

من قصيدة أسافر عنك وقلبي معك سنة‏1983‏