Loading

الخميس، 18 فبراير، 2010

هوامش حرة : حـــوار الطرشـــان

هوامش حرة



حـــوار الطرشـــان



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة






يبدو أن الحكومة لديها الآن قناعة كاملة بأن تترك الصحافة والإعلام والناس يقولون ما يريدون دون حساب أو سؤال أو مواجهة بحيث تفعل ما تريد‏..‏ هناك من اكتفي بالكلام وهناك من يصر علي الفعل‏..‏ والنتيجة الطبيعية أن الكلام في كل الحالات لن يجدي ولن يفيد‏..‏ ولاشك أن هذا الذي يحدث كارثة حقيقية لأنه يمثل الفهم الخاطيء لمعني الحرية والديمقراطية ولغة الحوار‏..‏ وفي نفس الوقت لا يمكن أن نسمي هذا الجدل بأنه حوار حقيقي لأنه ببساطة شديدة يفتقد لغة التواصل والإقناع ويعكس الفهم الخاطيء لسلطة القرار‏..‏ إذا كنا قد اكتفينا بالكلام واكتفت الحكومة بالفعل فإننا بذلك نمارس حوار الطرشان فلا أحد يفهم الآخر‏..‏ وهذا يعني في النهاية أن يبقي الحال علي ما هو عليه‏..‏







إن أخطر ما في هذه الظاهرة التي يمكن أن نسميها حوار الطرشان أننا نتكلم حيث لا يسمعنا أحد‏..‏ والحكومة لا تسمع حيث لا يعنيها أبدا كل ما يقال‏..‏






*‏ كانت قصة الضريبة العقارية أكبر تأكيد لهذه الظاهرة‏..‏ لقد خرجت الصحافة وكل وسائل الإعلام تندد بهذه الكارثة التي افتقدت الشرعية والعدالة ورغم ذلك تصر الحكومة علي تطبيقها بكل ما فيها من أخطاء وتجاوزات‏..‏ إنها تشبه قطار العياط حيث يندفع بلا هدف أو غاية حتي ولو ترك خلفه آلاف الضحايا‏..‏







لم يحاول أي طرف من الأطراف أن يراجع مسيرة هذا القانون منذ تقدمت به وزارة المالية‏..‏ إن القانون لم يناقش كما هو واضح مناقشة قانونية سليمة ودقيقة في اللجنة التشريعية بمجلس الشعب‏..‏ كما أن لجنة الموازنة والخطة كانت من البداية تقف وراء القانون وتحاول أن تفرضه فرضا بكل الوسائل‏..‏ وعندما عرض القانون علي مجلس الشعب افتقدت عمليات التصويت الشفافية خاصة في المادة التي تتعلق بإعفاء السكن الخاص‏..‏ وهنا يقال إن التصويت علي هذه المادة أخذ أكثر من صورة ما بين الرفض والقبول‏,‏ وكان ينبغي أن يراجع د‏.‏فتحي سرور وهو رجل القانون موقف الأعضاء وكيف وافقوا في البداية ثم رفضوا بعد أن أشار إليهم بذلك المهندس أحمد عز أمين التنظيم بالحزب الوطني‏..‏ هذا الموقف يفتح أبوابا كثيرة للشك حول عمليات التصويت‏,‏وكيف تتم خاصة في ظل مواقف مسبقة لحزب الأغلبية‏..‏






*‏ كان من الضروري أن تكون هناك ردود أفعال تجاه الرفض الشعبي لهذا القانون‏,‏وأن تحترم الحكومة رغبة المواطنين وتساؤلاتهم حتي وإن كان مجلس الشعب قد وافق علي هذا القانون‏..‏ كان دفاع وزير المالية د‏.‏يوسف بطرس غالي عن القانون ضعيفا وهشا ويفتقد القدرة علي الإقناع‏..‏ عندما يقول الوزير إن القانون سوف ينفذ فقط علي أربعة ملايين مواطن ثم يطالب‏30‏ مليون مواطن بتقديم إقرارات عن مساكن الإيواء التي يعيشون فيها‏..‏ إن هذا التناقض يعكس خللا في الرؤي خاصة أن بند الغرامات لا يتناسب أبدا مع خطأ جسيم يطالب‏26‏ مليون مواطن بتقديم إقرارات لا يلزم بها القانون‏,‏ وبعد ذلك يخضع أصحابها لغرامات ليست من حق الحكومة فمن لم يدفع الضريبة سوف يكون ملزما بدفع الغرامة برغم أنه لا يخضع في الأساس للضريبة ولا للغرامة فهل هذا هو العدل الذي تراه الحكومة ؟







عندما يطلب وزير المالية من المواطنين الذين يملكون فيلات أو شققا قديمة زاد سعرها وأصبحت بالملايين أن يبيعوها ويسكنوا في بيوت أقل سعرا فهذا هزل في موقف جد‏..‏







عندما يقول وزير المالية إن الرئيس مبارك وأسرته قدموا إقرارات العقارات التي يملكونها‏,‏ويوهم الناس أن الرئيس يساند هذا القانون فهو بذلك يدخل بالرئيس وأسرته في قضية خلافية بين الحكومة والمواطنين‏,‏وهذا أمر مرفوض ولا يليق‏..‏







وعندما تتم عمليات التصويت علي القوانين في مجلس الشعب بإشارة من مسئول في الحزب الوطني بالرفض أو القبول فهذه كارثة تهدد قدسية التشريعات وحصانة المجلس والقوانين التي تحكم المجتمع‏..‏







عندما يقول وزير المالية إن المحليات سوف تحصل علي‏25%‏ من هذه الضريبة فهذا خطأ قانوني ودستوري لأن هذه الضريبة في كل بلاد الدنيا خاصة بالمحليات‏,‏ ولا ينبغي أن تدخل خزانة الدولة بأي صورة من الصور‏..‏







هذه الأشياء تضع القانون في موضع المساءلة‏..‏ وتضع الحكومة في دائرة الشك‏,‏والغريب أن الحكومة كل الحكومة تسمع ولا تجيب خاصة أنني أعلم أن من أعضاء الحكومة عددا من الوزراء كان يرفض هذا القانون من البداية وسجل موقفه الرافض في جلسات المجلس‏..‏






*‏ هناك نقطة أهم وأخطر هي موقف الأحزاب المصرية ـ كل الأحزاب ـ من هذا القانون‏..‏ في الوقت الذي كان الشارع المصري يرفض القانون شكلا وموضوعـا لم يخرج علينا مسئول في الحزب الوطني أو لجنة السياسات ليقول لنا ما هو رأيه فيما حدث‏..‏ نحن نعرف أن الحزب يتبني هذا القانون ولكن أليس من واجب الحزب أن يسمع رد الفعل في الشارع‏..‏ أليس من الضروري أن يتفاعل الحزب بقياداته مع صوت المواطنين الرافضين لهذا القانون‏..‏ وإذا كان القانون قد خرج من عباءة الحزب الوطني ألا يتطلب الحس السياسي مواجهة الموقف بعد حالة الانزعاج التي أصابت الناس‏..‏ أين كوادر الحزب الوطني ورموزه في الشارع المصري والتي يقال لنا إنهم بالملايين‏..‏ أين لجانه في المحافظات وأين مراكز الأبحاث فيه ليقولوا للمسئولين عن الحزب كيف يرفض الشارع هذا القانون‏..‏






*‏ الأغرب من موقف الحزب الوطني هو موقف الأحزاب الأخري أقصد أحزاب المعارضة فلا يوجد بيان واحد صدر عن حزب من الأحزاب يعلن رفضه لهذا القانون‏..‏ إن الأحزاب الشرعية لم تعلق رسميا علي هذا القانون‏..‏ واكتفت الجماعة المحظورة بمهرجان الانتخابات ولم تعلق علي القانون‏..‏ أن هذا يؤكد هذا الانفصال الشبكي بين الشعب وبقية الأجهزة في الدولة‏..‏ لم يشهد حزب من الأحزاب ندوة أو اجتماعا لمناقشة ما جاء به القانون‏,‏ ولم يعلن حزب من الأحزاب رفضه أو قبوله للقانون‏,‏ وكان الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد‏..‏ ما هي أسباب ذلك وإذا لم يكن للأحزاب مواقف واضحة وصريحة في معاناة الناس فمتي تكون مواقفهم؟‏..‏







إن الحكومة لا تسمع‏..‏ والحزب الوطني خارج المنافسة‏..‏ وبقية الأحزاب اكتفت بالمشاهدة‏..‏ أما المجتمع المدني صاحب الجمعيات والشعارات وحقوق الإنسان والتطبيع والمقاطعة فلم نسمع له صوتـا‏..‏ وهذا ما حدث مع بقية الهيئات الدينية ممثلة في رجال الدين حول شرعية هذا القانون‏..‏ وكما صمت المجتمع المدني لم نسمع شيئـا من رجال القضاء بالرأي‏,‏ وليس بالأحكام ولم نسمع شيئـا من أساتذة القانون وهم الأجدر والأحق بكشف عوار هذا القانون‏..‏






*‏ الخلاصة عندي نحن أمام مجتمع يمارس حوار الطرشان فلا أحد يسمع الآخر‏,‏ ولا أحد يقتنع بالرأي الآخر‏..‏ وقد اكتفي كل طرف بما لديه‏..‏ اكتفت الحكومة أن تفعل ما تريد وأن تمارس حقها في الجباية‏..‏ واكتفت الصحافة أن تكتب وأن تصرخ كما تشاء‏..‏ واكتفت الأحزاب سواء كانت معارضة أو أغلبية في أن تشاهد من بعيد وليس لها دخل في كل ما يحدث‏..‏







مثل هذه المجتمعات التي افتقدت التفاعل والتواصل والحوار لا يمكن لها أن تتقدم في ظل هذه المنظومة الخاطئة‏..‏






*‏ والغريب في الأمر أن هذا الصمت الرهيب حول قانون يمس حياة الإنسان في أبسط متطلباته الأساسية وهو بيته الذي يسكن فيه قد لقي كل هذا الإهمال في حين أن هدفا واحدا في مرمي الفريق القومي المصري في مباراة الخرطوم تحول إلي كارثة قومية‏,‏أوشكنا أن ندخل الحرب بسببها‏..‏ لقد قامت الدنيا كلها الحكومة والشعب والصحافة والإعلام والمظاهرات في الشوارع والبكاء والعويل علي الشاشات‏..‏ كل هذا حدث بسبب مباراة في كرة القدم وهدف يتيم أخرجنا من تصفيات المونديال‏,‏ أما‏30‏ مليون مواطن مطلوب منهم أن يقدموا ـ دون وجه حق ـ إقرارات ضريبية عن عقارات مهدمة وسقوف مهشمة وأبواب مكسرة‏,‏ ثم لا يتحرك أحد من أجل هذه الملايين‏..‏







ما ذنب الفلاحين الغلابة وبيوتهم الطينية‏..‏ وما ذنب سكان العشوائيات حيث لا ماء ولا هواء ولا رعاية وما ذنب سكان المقابر الذين هربوا إلي الأموات من بطش الأحياء‏..‏







إذا كنا نطالب بالحوار بين الحكومة والصحافة وبين أحزاب المعارضة وحزب الأغلبية فنحن نطالب بحوار حقيقي يضيف إلي قرارات السلطة ويضيء لها الطريق ولكن حوار الطرشان وقت ضائع وكلام لا يفيد‏..‏







هناك حالة ارتباك وانفلات وضبابية في التشريعات والقوانين أمام غياب الرؤي‏..‏ والتصريحات التي تفتقد الإحساس بالمسئولية وقبل هذا كله حكومة لا تعمل بروح الفريق‏..‏







بعض المسئولين في الحكومة دون المستوي في الأداء والوعي السياسي وبعيدون جدا عن هموم المواطنين‏..‏







فلم تعد القضية تجاوزات في القرار أو عشوائية في إصدار القوانين‏,‏ ولكن هناك أيضا ما هو أخطر وهو انحدار لغة الحوار‏..‏










..‏ ويبقي الشعر











أنـا في عيونك‏..‏



نـقـطة الضوء التي عادت‏..‏



وأضنـاها الحنين



أنـا ذلك الـعصفور سافـر حيث سافـر







كـم تـغنـي‏..‏ كـم تـمنـي‏..‏ ثـم أرقـه الأنين



أنـا قـطـرة الماء التي طافت



علي الأنـهار تـلـقي نـفـسها للموج حينـا‏..‏



ثـم تدفـعها الشواطيء للسفين







أنـا غـنـوة العشـاق في كـل الـمواسم‏..‏



تشتـهي صوتـا يغـنـيها لكـل الـعاشقين



أنـا بسمة الفـجر الغريب علي ضفـافك‏..‏



جاء يستـجديك‏..‏ كـيف ستـرحلين ؟







أنـا عاشق



والعشق إعصار يطـاردنـا‏.‏



تـراك ستهربين ؟



صلــي لأجـلي‏..‏







إنني سأموت مشتاقـا وأنـت تـكـابرين



هذي دمائي في يديك‏..‏



تـطـهري منـها وأنـت أمام ربـك تسجدين



إنـي أحبـك‏..‏







قد أكـون ضللت قبـلك‏..‏



إنـما الغـفـران حق التـائبين



إنـي أحبــك‏..‏



قد أكـون قضيت عمري في التـراب‏..‏







وأنـت في قـلـب النـجوم تـحلــقين



إنـي أحبـك‏..‏



قد يكـون الحب في زمن الخريف‏..‏



كـغـنـوة النـاي الحزين







قد كـنـت أنـت نهاية التـرحال



مجدافي تـكسر من سنين



وإليـك جـئـت بتـوبتي



وذنـوب عمري‏..‏







هل بـربـك تـقـبلين ؟



إنـي غريب



هل لديـك الآن بعض الخبز



بعض الأمن بعض الياسمين ؟







هـيا لنـضحك‏..‏



هاهو الصبح المسافر في عيونك‏..‏



عاد يشرق بالنـدي فـوق الجبين



هيا لنـرقـص‏..‏ آه ما أحلاك‏..‏







في ثـوب البراءة تـرقـصين



الـعام يرحل



فـاحملي قـلـبي علي كـفـيك حين تـسافرين



وإذا ظـمئـت‏..‏ فـفي الحقـائب كـل أشواقي







وفي الأعماق نـهر من حنين







قصيدة قبل أن يرحل عام سنة‏1989‏