Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

وثيقــة‏..‏ فـــي كتـــاب

هوامش حرة



وثيقــة‏..‏ فـــي كتـــاب


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة





لا أحب أن أقرأ كتب المستشرقين في الغرب عن الإسلام لأن القليل جدا منها كان منصفا‏..‏ وكان الأكثر فيها كارها متجنيا رافضا لهذا الدين من البداية‏..‏ وهذه بلا شك نقطة خلاف جوهرية بين المسلمين وغيرهم من أصحاب العقائد السماوية الأخري‏..‏ لأن الإسلام يقوم علي اعتراف كامل وصريح بهذه الديانات ويضع بقية الأنبياء غير رسولنا محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام في أعلي درجات التقدير والتقديس والاحترام‏..‏


إن الإسلام يمنع المسلمين من رفض الأديان الأخري أو الإساءة إلي أنبيائها بل فيه إلزام بالاعتراف بها‏..‏ وفي القرآن الكريم واحدة من أجمل السور عن سيدتنا العذراء مريم عليها السلام وحديث نوراني رائع عن سيدنا عيسي عليه السلام‏.‏






وعندما يتحدث القرآن عن سيدنا موسي وحواره مع الخالق سبحانه وتعالي نجد صورة من أعلي صور التكريم‏..‏ هذا بالإضافة إلي سورتي يوسف وآل عمران وبقية السلسلة النبوية المقدسة ابتداء من سيدنا إبراهيم عليه السلام والتي تناثرت كالضوء بين آيات قرآننا الكريم‏..‏


ولهذا فإن الحديث عن الحوار مع الآخر هنا يصبح عديم الجدوي‏..‏ لأن هذا الآخر يرفضنا من البداية ولا يعترف بديننا ولا تراثنا‏..‏ ولهذا أتعجب كثيرا من بعض المتحذلقين عندنا الذين يستخدمون كثيرا كلمة‏'‏ الآخر‏'..‏ كأننا مسئولون عن تقطع الصلات‏..‏ وانفلات الحوارات‏..‏ وكهوف الكراهية والرفض التي سادت علاقاتنا مع هذا الآخر منذ ظهر محمد عليه الصلاة والسلام برسالته في العالم وحتي الآن‏..‏






وفي الأيام الأخيرة قضيت وقتا مرهقا علي المستويين الفكري والنفسي‏..‏ مع كتاب خطير كتبه منذ عشرات السنين جورج بوش الجد الذي ولد في عام‏1796‏ ومات في عام‏1859..‏ وهو جد الرئيس الأمريكي الحالي جورج دبليو بوش‏..‏ الكتاب صدر في عام‏1830‏ في طبعته الأولي‏..‏ وترجمه أخيرا ـ ومنذ شهور قليلة ليصدر عن دار المريخ ـ د‏.‏ عبد الرحمن عبد الله الشيخ‏..‏






وتأتي أهمية وخطورة هذا الكتاب في أكثر من جانب‏:‏


‏*‏ أن هذا الكتاب شكل بالفعل فكر ومواقف ورؤي أجيال كاملة من النخبة السياسية والثقافية في أمريكا‏..‏ وجاء في آخر هذه السلسلة صاحب القرار الأول في البيت الأبيض الآن‏..‏ وهذا يعني أن الخلفيات السياسية والدينية والتاريخية وحتي الأسرية للرئيس بوش تتجسد في هذا الكتاب الذي يحمل مشاعر كراهية وحقد عميقة للمسلمين‏..‏ ونبيهم‏..‏ ودينهم وكل تاريخهم الحضاري‏.‏


‏*‏ أن حديث الرئيس بوش عن الشر والإرهاب ليس حديث صدفة‏..‏ ولكن هذه الكلمات وأكثر منها جاءت في كتاب بوش الجد بصورة أكثر قسوة وكراهية وعنفا‏.‏






‏*‏ أن الكتاب يحمل عنوانا غريبا هو‏:'‏ محمد مؤسس الدين الإسلامي ومؤسس إمبراطورية المسلمين‏'..‏ وهذا المعني يتجسد بوضوح وصراحة بين صفحات الكتاب لأنه يؤكد أن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس نبيا مرسلا ولكنه استطاع تأسيس هذا الدين وقيام هذه الإمبراطورية إلاسلامية التي ابتلعت يوما أكثر من نصف العالم خلال‏80‏ عاما‏,‏ بينما فشلت الإمبرطورية الرومانية في تحقيق ذلك خلال‏800‏ عام‏..‏ وأن الإسلام انتشر بالسيف والقوة‏..‏ وأن القرآن الكريم من تأليف سيد الخلق عليه الصلاة والسلام‏.‏


‏*‏ في الكتاب رفض كامل لثلاثة أجناس يتناولها الكتاب بقدر كبير من الاستهزاء والسخرية والكراهية وهم‏:‏ العرب‏..‏ والفرس‏..‏ والأتراك‏..‏ ويري فيهم أحط أجناس الأرض وأحقرهم تاريخا وتراثا وحضارة‏..‏ ويتوقف الكتاب كثيرا عند سقوط القسطنطينية أمام جيوش الدولة العثمانية ويضع احتمالات كثيرة أن يعيد التاريخ نفسه‏.‏






‏*‏ وفي الكتاب موقف عنصري ديني حاقد وكاره ومعقد‏..‏ وأخطر ما فيه أن مؤلفات جورج بوش الجد محفوظة في مكتبة جامعة ميتشجان‏..‏ وكانت ومازالت مصدرا للدراسات الجامعية التي شكلت تيارا فكريا لدي أجيال كثيرة من الباحثين في أمريكا‏..‏


ومن هنا فإن بوش الجد حمل منذ عشرات السنين مسئولية هذه الكراهية الشديدة في المجتمع الأمريكي للإسلام والمسلمين‏..‏ كان بوش الجد أستاذا للغة العبرية وباحثا في تاريخ الأديان وعاش فترة طويلة من حياته بين التراث العبري اليهودي المتعصب‏..‏ وفي أحيان كثيرة خلط الأوراق وأدخل الإسرائيليات في نسيج المسيحية متجاهلا الفروق الجوهرية بين الديانتين‏..‏ واعتبر مسئولية مواجهة الإسلام مسئولية مسيحية يهودية لأن المسيحيين الشرقيين ـ كما يدعي بوش الجد ـ لم يكونوا علي مستوي المسئولية تدينا وفكرا‏..‏ ولهذا فهو لا يعترف سوي بالمسيحية الغربية‏..‏ ويري في اليهود رفاق رحلة طويلة في الحرب علي الإسلام‏.‏






ويري المؤلف أن العرب شعوب وحشية بالفطرة‏..‏ وأنهم من نسل إسماعيل وجدهم إبراهيم عليهما السلام‏..‏ وكان إسماعيل ـ كما يري المؤلف ـ أكثر أبناء إبراهيم شراسة‏..‏ بينما كان إسحق جد اليهود الأقرب إلي العقل والحكمة‏..‏ وهذا يعني أن سلالة اليهود‏'‏ رغم أنهم أبناء عم للعرب‏'‏ أكثر نقاء وقربا إلي الله‏.‏


ويشن جورج بوش الجد هجوما ضاريا بذيئا علي الرسول عليه الصلاة والسلام فلا هو نبي‏..‏ ولكنه رجل سياسي خطير وقائد بارع‏..‏ ولا هو أمي لا يقرأ ولا يكتب‏..‏ لأن القرآن الكريم من تأليفه والحديث عن الوحي وجبريل والتنزيل حديث كاذب‏..‏ ثم يتوقف المؤلف عند زوجات الرسول ويقدم كلاما مغرضا مشبوها وهو يتحدث عن الدين‏'‏ المفبرك‏'‏ الذي صاغه ببراعة شديدة محمد عليه الصلاة والسلام‏..‏ وينتقل إلي انتشار الإسلام بالقوة العسكرية ويفرق بين معجزات الديانات الأخري ومعجزة الإسلام وهي القرآن الكريم‏..‏ ثم يشكك في ليلة الإسراء والمعراج‏..‏ ويقول في النهاية إن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس نبيا‏..‏ بل هو ملك حاكم‏.‏






وعندما يتحدث بوش الجد عن غزوات الرسول وفتوحاته يتحدث بشماتة غريبة‏'‏ خاصة في تلك الغزوات التي لم ينتصر فيها جيش النبي عليه الصلاة والسلام‏.‏


ويقول بوش الجد إن العرب جنس متخلف غير حضاري وتحكمهم أشياء غريبة‏..‏ فهم شعوب حسية لا تعنيهم كثيرا الروحانيات‏..‏ وإن اهتمامهم في الطعام والجنس وكل ما هو حسي‏..‏ وأن أخطر ما يحكم الشعوب الإسلامية هو القضاء والقدر‏..‏






قلت في البداية إن الكتاب مساحة ضخمة من الأكاذيب والافتراءات والكراهية‏..‏وكان من الممكن جدا ألا يتوقف أحد عند سطر واحد من سطوره‏'‏ ولكن الخطر الأكبر في هذا الكتاب أنه شكل وصاغ فكر الرجل الأول وصاحب القرار في أمريكا الآن‏..‏ ولعل بوش الجد لم يكن يتصور وهو يسطر هذه القنابل الموقوتة أنها سوف تنفجر بعد عشرات السنين علي يد حفيده في كل أرجاء العالم العربي والإسلامي كراهية‏..‏ ورفضا‏..‏


من هنا يسهل علينا الآن أن نصل إلي أهم مفاتيح شخصية الرئيس بوش الحفيد وما يحدث في العالم الآن‏..‏ ولهذا لم يكن غريبا أن يكون أول تصريح للرئيس بوش بعد أحداث‏11‏ سبتمبر الحديث عن حرب صليبية ودعوة صريحة للعالم لكي يعيد هذه الصفحات السوداء من تاريخ الغرب في المشرق العربي‏.‏ كانت المرحلة الثانية في سياق فكر الرئيس بوش أحاديث كثيرة عن إمبراطورية الشر التي حددها جده بوش الأول وهي إمبراطورية المسلمين المتوحشين من العرب والأتراك والفرس‏..‏ جاء السياق بعد ذلك في هذا الاحتلال الطاغي والاجتياح الأعمي للعراق في قلب العالم الإسلامي ما بين آسيا وأوروبا‏'‏ حيث تقع ثلاث حضارات مختلفة وقفت القوات الأمريكية الآن علي حدودها‏..‏ الحضارة العربية‏..‏ والحضارة الفارسية‏..‏ والدولة العثمانية التي اجتاحت أوروبا يوما تحت شعار الإسلام حتي وصلت إلي النمسا‏..‏ ومازال أحفادها يتسولون الاتحاد الأوروبي أن يقبلهم في رحابه الطاهرة‏..‏






إن الحديث عن فلسطين وبيت المقدس والمعبد اليهودي الذي بني عليه المسجد الأقصي حديث له خلفيات تاريخية واضحة في فكر الرئيس الأمريكي‏'‏ وهو يتفق في ذلك مع العصابة الحاكمة في تل أبيب التي لا نستبعد يوما أن تهدم تحت أي ظرف المسجد الأقصي بأي حجة أو ذريعة لكي يعود المعبد اليهودي‏.‏


إن الرئيس بوش يتحدث كثيرا منذ تولي السلطة عن إصلاح العالم العربي والإسلامي وأن يصبح شريكا في سياق الحضارة الغربية لأن الحضارة العربية الإسلامية لا تواكب روح العصر والمدنية الحديثة‏..‏ وهذه الخلفيات الفكرية والسلوكية جاءت من فكر مسبق صاغه بوش الجد في كتابه وهو يتحدث عن جوانب خطيرة في فكر المسلمين ومنها مبدأ الجهاد‏..‏ والاستشهاد‏..‏ والجنة‏..‏ والقضاء والقدر‏..‏ والمرأة‏..‏ ولهذا فإن الكتاب يدعو إلي ضرورة تغيير أسلوب الحياة والفكر‏..‏ وهذا ما فعله الرئيس بوش الحفيد‏..‏ ابتداء بالجيوش الغازية وانتهاء بتجنيد طابور طويل من الأقلام والعقول والمناصب والضمائر في هذه الصفقة المشبوهة‏.‏






في الكتاب دعوة صريحة واضحة إلي ضرورة التنسيق بين اليهود والمسيحية الغربية لمواجهة الإسلام‏..‏ وكانت هذه الدعوة قبل ظهور دولة إسرائيل‏.‏


من هنا نستطيع أن نقرأ مواقف بوش الحفيد وهو يجلس الآن في أعلي سلطة القرار في أكبر قوة في العالم‏..‏ وبعد ذلك كله‏..‏ مازال البعض منا يتساءل‏:‏ لماذا نرفض الآخر‏!..‏ والسؤال الحقيقي‏:‏ لماذا يكرهنا هذا الآخر‏!..‏






وهكذا تتسلل الدماء الملوثة منذ زمن بعيد في شرايين الأجيال جيلا بعد جيل‏..‏ تحمل السموم في الأفكار والأبدان والمشاعر‏.‏