Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

التعليم في مصر‏..‏بين الإصلاح والثورة

هوامش حرة
 
التعليم في مصر‏..‏بين الإصلاح والثورة
 
يكتبها‏:‏ فـاروق جـويـدة


 
يخطئ من يتصور أن قضية التعليم في مصر شأن حكومي فقط‏..‏ أو أنها تخص وزيرا أو مسئولا أو حكومة بكامل أعضائها‏..‏ إن إصلاح التعليم في مصر قضية مجتمع وشعب ومستقبل أمة‏..‏ وللأسف الشديد كنا دائما نضع رؤوسنا في الرمال ونتجاهل كل الحقائق حولنا‏,‏ ونتصور أن الحكومة قادرة علي أن تحل لنا كل المشكلات‏,‏ وأنها تمتلك عصا سحرية تواجه بها كل الأزمات‏..‏ واكتشفنا بعد ضياع العمر والزمن أن الحكومات تعاقبت واحدة بعد الأخري‏,‏ وأن المشكلات زادت تعقيدا‏..‏ وأن الثمن أصبح باهظا‏..‏ وأننا تأخرنا كثيرا في علاج المريض حتي ساءت حالته‏..‏


كنا ننتظر الفرج علي يد حكوماتنا الرشيدة في مواجهة قضايا التعليم‏,‏ ولكن الفرج لم يأت والحلول أصبحت مستعصية وصار العبء ثقيلا ثقيلا‏..‏






وفي مكتبة الإسكندرية طرحت قضية إصلاح التعليم نفسها كواحدة من أخطر وأهم أزمات المجتمع المصري في نصف القرن الأخير‏..‏ جاء ذلك من خلال مؤتمر كبير شارك فيه عدد من المتخصصين في شئون التعليم والخبراء وأساتذة الجامعات والمدرسين ونخبة كبيرة من المهتمين بشئون التعليم في مصر‏..‏ وقبل هؤلاء جميعا كان أصحاب القرار د‏.‏ عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي ود‏.‏ أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم‏..‏


في بداية الجلسة الأولي قدم د‏.‏ حسام بدراوي رئيس لجنة التعليم بمجلس الشعب بانوراما كاملة عن حالة التعليم في مصر استعرض فيها الكثير من جوانب القضية وقدم الكثير من الحلول‏,‏ مؤكدا أن قضية التعليم قضية مجتمع يجب أن يتحرك بسرعة من أجل مواجهة المستقبل فلا مستقبل لأحد بلا تعليم‏..‏






وبعد ذلك كان حديث الأعباء والمشكلات وهموم المسئولية حيث تناول وزير التعليم العالي والبحث العلمي د‏.‏ عمرو عزت سلامة جذور المشكلة التعليمية في مصر من واقع التاريخ‏,‏ وأن هناك عشرات المؤتمرات التي ناقشت قضايا التعليم في مصر عبر سنوات طويلة سبقت وأن هناك مئات التوصيات حول قضية الإصلاح ولكنها بقيت حبرا علي ورق‏,‏ وفي أدراج المجالس القومية المتخصصة جهد رائع لم يلتفت إليه أحد‏.‏


وتناول وزير التعليم العالي قضية تمويل الأنشطة التعليمية مقارنا بين ما تنفقه الدولة في مصر علي تعليم الطالب الجامعي وما تقدمه الدول المتقدمة‏.‏






وانتقل الحديث إلي د‏.‏ أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم الذي طالب بشدة بإدارة تتسم باللامركزية للعملية التعليمية لأنه لا يعقل أن تدار آلاف المدارس وعشرات المناطق التعليمية من خلال وزارة التربية والتعليم في القاهرة‏,‏ وأن المسئولية يجب أن توزع علي مناطق العمل في المحافظات بين مديري المناطق والمحافظين‏..‏ كيف يكون الوزير مسئولا مسئولية كاملة وهو في مكتبه بالقاهرة عن‏800‏ ألف مدرس و‏15‏ مليون تلميذ و‏28‏ ألف مدرسة و‏17‏ مليار جنيه تخصصها الدولة للتعليم قبل الجامعي كل عام‏..‏ وقال وزير التربية والتعليم إن المركزية هي أخطر ما يواجهنا في عملية الإصلاح التعليمي في مصر‏..‏ وإن هدف الوزارة الآن هو إيجاد علاقة طيبة بين التلميذ والمدرسة لأن المشكلة الأساسية عندنا هي سوء تلك العلاقة هذا بجانب أننا في حاجة إلي مراجعة كل المناهج التعليمية حتي نقدم خدمة تعليمية تتناسب مع روح العصر ومتطلباته‏.‏


أما د‏.‏ محمد عبد اللاه رئيس جامعة الإسكندرية فقد أكد أن المجتمع المصري يجب أن يغير موقفه من التعليم الجامعي‏,‏ وأننا يجب أن نشجع مجالات التعليم الأخري وطالب بدور أكبر للتجمعات الأهلية والقطاع الخاص في تقديم الخدمة التعليمية‏,‏ وأشار إلي أن الأمية واحدة من أخطر مشكلات مصر‏,‏ ويجب أن تتحول إلي قضية مجتمع وشعب‏.‏






وفي محاضرة بديعة ورائعة قدم د‏.‏ إسماعيل سراج الدين صورة عن تطوير التعليم في دول العالم من خلال التركيز علي التجربة الكورية‏..‏ وكيف استطاع هذا المجتمع المتخلف والدولة الصغيرة التي كانت توضع بجوار موزمبيق ودول إفريقيا الفقيرة في الستينيات‏..‏ أن تقفز خلال عشرين عاما وتصبح الآن منافسا قويا للدول الكبري في إنتاج الصناعات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة‏..‏ وأن تواجه قضايا التعليم المتخلف وتنطلق إلي آفاق تجربة معاصرة كانت بكل المقاييس إنجازا حضاريا ضخما‏.‏


كانت محاضرة إسماعيل سراج الدين واحدة من أهم وأخطر الوثائق في هذا المؤتمر فقد أكد من خلالها أن مصر قادرة علي أن تحقق طفرة في كل مجالات الاقتصاد والإنتاج والتكنولوجيا‏,‏ ولكن ذلك كله لن يحدث إلا من خلال إصلاح نظام التعليم‏.‏






وعلي امتداد يومين دارت مناقشات في لجان المؤتمر طرحت الكثير من القضايا وناقشت محاور كثيرة وأستطيع أن أضع بعض النقاط الأساسية التي تطرح الكثير من التساؤلات حول قضايا التعليم في مصر‏:‏


‏*‏ كيف فشلت حكومات مصر المتعاقبة طوال نصف قرن من الزمان في القضاء علي مشكلة الأمية‏!‏ لقد تركت هذه المأساة الإنسانية ظلالها علي حياة المصريين في الفكر والسياسة وأسلوب الحياة‏,‏ وتحولت مع الإهمال المقصود أحيانا إلي أم المشكلات في المجتمع المصري ابتداء بطرد أعضاء مجلس الشعب الذين لا يقرأون ولا يكتبون‏,‏ وانتهاء بالملايين من البشر الذين لا يعرفون حقوقهم السياسية وغير السياسية‏..‏


إن الأمية جريمة إنسانية بكل المقاييس فهي مؤامرة علي درجة الوعي لدي الشعوب‏..‏ ومؤامرة علي فكرها وأحلامها وتطلعاتها وبمعني آخر فإن الأمية مؤامرة علي الحاضر واغتيال للمستقبل‏..‏ وفي زمن تشهد فيه البشرية كل مظاهر التقدم سياسيا‏..‏ واقتصاديا‏..‏ وعلميا‏..‏ وفكريا‏..‏ تصبح الأمية إدانة لكل من شارك فيها ومن روج لها ومن تقاعس في مواجهتها شعبا وحكومة‏.‏






‏*‏ في حوار حول قضايا التعليم الجامعي أدار د‏.‏ أسامة الغزالي حرب ندوة غاية في الخطورة تحدث فيها أساتذة الجامعات عن أحوال الجامعات المصرية‏,‏ وما يحدث فيها ابتداء بتدخلات أجهزة الأمن وانتهاء بتزوير نتائج الامتحانات مرورا علي كشوف تعيين المعيدين وترقيات الأساتذة وما يحدث في ذلك كله من تحايل وتلاعب وتزوير‏.‏






‏*‏ في حديث د‏.‏ أحمد جمال الدين وزير التربية والتعليم إشارة صادقة وأمينة إلي خطر جاثم لا يهدد التعليم وحده‏,‏ ولكنه يمثل تهديدا لكل أجهزة العمل الإداري في مصر وهو المركزية الشديدة التي يبدو أننا ورثناها عن أجدادنا الفراعنة سامحهم الله‏..‏ إن نقل المدرس أو التلميذ من مدرسة إلي أخري يحتاج إلي موافقة الوزير‏..‏ وفتح فصل إضافي في قرية بعيدة يحتاج إلي موافقة الوزير‏..‏ ولا يعقل أن يكون الوزير راعيا لأكثر من‏15‏ مليون تلميذ ينتشرون في كل أرجاء المحروسة‏..‏ وقضية المركزية داء مصري عتيق يحتاج إلي علاج حاسم‏.‏






‏*‏ قرأنا في كتب التاريخ عن الأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل وهو ينتمي ـ في كتب التاريخ التي يدرسها أبناؤنا حتي الآن ـ إلي ما يسمي‏'‏ العهد البائد‏'‏ هذه الأميرة باعت مجوهراتها وهي من أغلي الأشياء التي تملكها امرأة لكي تقيم جامعة القاهرة لتعليم هذا الشعب‏..‏ وهناك عشرات المدارس التي أقامها أثرياء مصر وأمراؤها من أبناء الأسرة العلوية‏..‏ فماذا أقام أبناء الكادحين المصريين بعد أن أصبحوا في قوائم المليونيرات وأصحاب الحسابات السرية والصفقات المشبوهة‏..‏ قلت للدكتور عمرو عزت سلامة وزير التعليم العالي‏:‏ ألم يتقدم لك يوما أحد رجال الأعمال بطلب لإنشاء جامعة من أمواله الخاصة ليتعلم فيها أبناء الغلابة أجابني الوزير‏:‏ يا ريت‏..‏ لم يأت أحد حتي الآن‏!!..‏






‏*‏ لا يعقل أن تبقي المدرسة المصرية بكل هذا التخلف ابتداء بعدم وجود دورات مياه للطلبة والطالبات وانتهاء بازدحام الفصل الواحد بستين طالبا‏..‏ ولا يعقل أن يبقي شباب مصر بعيدا عن روح العصر بكل ما يحمله من متغيرات كل يوم في العلم والتكنولوجيا‏..‏ إن البلايين التي هرب بها رجال الأعمال‏'‏ المصريون‏'‏ كانت كافية لتوفير تعليم عصري لأبناء هذا الشعب المنهوب‏..‏ وإذا كانت إعلانات التليفزيون تقدم لنا كل ليلة العمدة الذي اشتري جهاز كمبيوتر فإن الأحق بهذا الجهاز هم أطفال المدارس الذين حرمناهم من المكتبة والملعب وحجرة الرسم والموسيقي‏..‏ وأصبحت المدرسة في نظرهم سجنا كبيرا يكرهون فيه كل شيء‏.‏






‏*‏ لا يعقل أبدا تحت أي شعار أن نحرم طلاب الجامعات من ممارسة العمل السياسي وكأن الجامعة معمل لاستنساخ عقول راكدة وأفكار محنطة‏..‏ إن أول حقوق الطالب الجامعي أن يفكر‏..‏ وأن يحاور‏..‏ وأن يختار‏..‏ وأن تكون له مواقفه السياسية والفكرية القائمة علي الوعي والفهم والممارسة‏..‏ إن غياب العمل السياسي في الجامعة يترك الباب مفتوحا أمام كل الأنشطة السياسية بعيدا عن عيون الدولة‏..‏ وهذا خطأ كبير‏..‏ لأن الأفضل أن تخرج كل الأفكار علي السطح‏..‏ وأن تتصارع بالحوار‏..‏ وألا يكون القهر والتسلط هو آخر ما يخرج به طالب الجامعة من رحلته الشاقة في التعليم‏..‏ وإذا كان الحزب الوطني يريد عقولا‏'‏ معلبة‏'‏ فإن ذلك خطأ سياسي فادح‏..‏ فيجب أن نترك الطالب الجامعي يمارس حقه في الحوار وأن يتعلم ويخطئ ويصيب‏..‏ لأن ذلك هو الطريق الأفضل لبناء أجيال قادرة علي تحمل مسئوليات المستقبل‏.‏






إن ما حدث في مؤتمر الإسكندرية الأخير حول‏'‏ إصلاح التعليم‏'‏ وثيقة جادة شاركت فيها نخبة مميزة من المهتمين بقضايا التعليم‏,‏ ولعل أهم ما فيها أن نجد المسئولين عن التعليم في مواجهة واضحة وصريحة مع مشكلاته‏.‏


التعليم في مصر يحتاج إلي ثورة‏..‏ وليس مجرد عمليات ترميم وإصلاح‏.‏