Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

غياب منظومة القيم‏..‏ مسئولية من؟

هوامش حرة

غياب منظومة القيم‏..‏ مسئولية من؟

يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة




كثيرا ما نتحدث عن جوانب القصور والتراخي في أداء الأجهزة الإدارية الذي يصل أحيانا إلي ما يشبه حالات التسيب واللامبالاة‏..‏ ويمكن لنا أن نلاحظ ذلك في كثير من المواقع سواء علي مستوي الخدمات أو الأنشطة الإدارية أو مواقع الإنتاج‏..‏ وهذا القصور في مستوي الأداء يصل أحيانا إلي ما يسميه البعض منظومة الفساد وهي التي تواجهها في المقابل منظومة القيم‏..‏ وإذا كانت منظومة الفساد تتشكل من خلال سلوكيات غير مسئولة‏..‏ وذمم تفتقد طهارة اليد والضمير‏..‏ وحالات من التسيب في تحمل المسئولية فإن منظومة القيم هي التي تشكل ضمير المجتمع ووعيه بمسئولياته بما يحمله ذلك من قواعد الأمانة والانضباط والالتزام وحساب الضمير قبل حساب العدالة أو أجهزة الرقابة والسلطة‏.‏

من هنا فإن المعادلة التي نقف أمامها الآن أنه في غياب منظومة القيم تطفو علي السطح منظومة الفساد‏..‏ وكلما اتسعت دائرة الفساد كان ذلك علي حساب واقع تاريخي وإنساني طويل ترسخ من خلال الحفاظ علي منظومة القيم‏..‏ ومنظومة الفساد تشبه الأوبئة والأمراض السرطانية لأنها تنتشر بسرعة غريبة وتجتاح كل شيء أمامها‏.‏



في المقابل فإن منظومة القيم تتشكل عبر أزمنة طويلة‏..‏ وتكبر في ظل مناخ عام يحميها ويحرص عليها ويشجعها ويضع لها من ضمانات الحماية والبقاء ما يجعلها دستور حياة وسلوك مجتمع‏..‏ ومن الغريب أنه في الوقت الذي تأخذ فيه منظومة القيم وقتا وعمرا طويلا حتي تصبح قواعد ملزمة نجد في الجانب الآخر أن منظومة الفساد قادرة علي التضخم السريع والسريان في حياة الناس مثل الحرائق التي لا تبقي بعدها غير الرماد‏..‏

وفي تقديري أن أخطر ما يواجهنا هو ذلك الخلل الرهيب الذي أصاب منظومة القيم في الشارع المصري‏..‏ كانت هذه المنظومة تشكل بالفعل أسلوب حياتنا وتعاملاتنا وموقفنا من الناس والحياة‏..‏ وكان ذلك ينعكس بصورة واضحة في طرق التعامل والسلوك‏..‏ كانت هذه المنظومة تحمل مجموعة أساسيات تتمثل في احترام الفكر ودرجة الثقافة وقيم عليا مثل الشرف‏..‏ والعدل‏..‏ والنزاهة‏..‏ فلم يكن هناك من يحقق أحلامه علي أشلاء الآخرين‏..‏ ابتداء بأجيال كاملة لم تأخذ فرصتها‏..‏ وانتهاء بمواهب ضخمة انتهت تحت أقدام التسلق والوصولية والطرق غير المشروعة في التعامل والسلوك‏..‏



وفي ظل غياب منظومة القيم حلت منظومة الفساد وهي تحمل كل ما يدمر المنظومة الأولي‏..‏

في منظومة الفساد لا مكان لشيء اسمه الشرف‏..‏ ولا قيمة لشيء اسمه الانتماء‏..‏ إنها إحساس متوحش بالرغبة في التملك والوصول وتحقيق الأهداف‏-‏ مشروعة وغير مشروعة‏-‏ ولا مانع هنا أن يتم ذلك علي أشلاء كل شيء ابتداء بالبشر والناس الذين نحيا معهم‏..‏ وانتهاء بكل الأفكار والمشاعر الجميلة التي تشعر الإنسان بإنسانيته‏..‏



وأمام شراهة منظومة الفساد يصبح كل شيء مباحا‏..‏ فلا فرق بين الوصول علي جثث الناس والوصول علي أجنحة السلطة‏..‏ ولا فرق بين مال حرام وآخر جاء عن طريق مشروع‏..‏ وهنا تتساوي كل الأشياء‏.‏

وفي تقديري أن الخلل الذي أصاب منظومة القيم في حياتنا ترك آثارا عميقة في مكونات الناس‏..‏ لقد أصبحت الحياة أكثر قتامة‏..‏ وزادت أمراض الاكتئاب والإحساس بالغبن والإحباط‏..‏ وفي الوقت الذي أخذت فيه بعض الأجيال كل شيء‏..‏ وجدنا أجيالا أخري تقف علي رصيف الحياة وهي تتساءل بحسرة‏:‏ أليس من حقنا أن نحلم ونعمل ونصبح في يوم من الأيام أصحاب حق في هذا الوطن‏!..‏ ويكون الرد عادة طابور طويل من قوائم محدودة تشكلت في ظل سيادة منظومة الفساد تحصل علي كل شيء‏..‏ لأنها عرفت كيف تسلك طرق المنظومة الجديدة التي خربت كل ما كانت تقوم عليه حياة الناس من وسائل الوصول الشريف‏..‏ والمال الحلال‏..‏ والانتماء الحقيقي‏..‏



ومن أغرب الأشياء في حياتنا أن تجد شرائح في المجتمع مازالت تحافظ بشكل ما علي منظومة القيم‏..‏ بينما اختلت هذه المنظومة في قطاعات أخري أوسع وأشمل‏..‏ وهنا يتساءل الإنسان‏:‏ هل الفساد مناخ عام‏!..‏ أم أنه مسئولية بعض أشخاص يصنعون هذا المناخ‏!..‏

ولو أننا حاولنا أن نشاهد ذلك في واقعنا اليومي فسوف نكتشف العجائب‏..‏



مؤسسة مصرية مثل الجيش تعيش في نفس المناخ والظروف التي اجتاحتها منظومة الفساد‏..‏ ولكنها في قمة الانضباط‏..‏ والانتماء‏..‏ والمسئولية‏..‏ حتي في كرة القدم‏..‏ انظر إلي خيبة فريقنا القومي‏..‏ وما حققه الفريق العسكري‏..‏

انظر مثلا إلي مشروع يقوم بتنفيذه الجيش‏..‏ ومشروع آخر تقوم به شركات القطاع العام أو القطاع الخاص‏..‏ إن مشروع الجيش تري فيه الالتزام والأمانة والدقة‏..‏ وتشعر بأنك أمام مشروع حقيقي‏...‏ بينما عشرات المشروعات الأخري تتهاوي‏..‏



في مؤسسة أخري مثل قناة السويس لم نسمع يوما عن شيء يسيء لها في العمل والإنجاز والمسئولية‏..‏ بينما يتخرج كل يوم في مؤسسات أخري عشرات المرتشين وآلاف الانتهازيين والأفاقين واللصوص‏..‏

وعلي مستوي الأشخاص‏..‏ نجد محافظا مثل محمد عبد السلام المحجوب صنع معجزة في مدينة الإسكندرية وسار علي الدرب نفسه عادل لبيب في قنا‏..‏ بينما نواجه عشرات النماذج الأخري التي تؤكد كل يوم منظومة الفساد وتحميها في كثير من المواقع‏..‏



وهنا نتساءل‏:‏ لماذا حافظت بعض المؤسسات في الأداء والعمل علي الأساليب السليمة والصحيحة في تحمل المسئولية‏..‏ بينما اختلت موازين العمل في قطاعات أخري‏..‏

إن ما حدث في بنوك مصر من استباحة للمال العام كان كارثة مشتركة بين المسئولين في هذه البنوك وبين رجال الأعمال الذين أخذوا أموالها وهربوا‏..‏



إن ما حدث في فضيحة المونديال والأموال التي ضاعت كانت شهادة بالغة السواد لمنظومة الفساد التي استباحت أموال الشعب‏..‏

وفي قضايا كبري مثل قضايا وزارة الزراعة تجسد الغياب الحقيقي لمنظومة القيم والوجود الصاخب لمنظومة الفساد‏..‏ وفي كثير من مشروعات الخصخصة وبيع شركات القطاع العام اختلت تماما منظومة القيم‏..‏ وفي كثير من القضايا التي كشفتها الأجهزة الرقابية كان انتصار منظومة الفساد شيئا واضحا وصريحا‏..‏



وفي تقديري أن هناك مجموعة أسباب رئيسية يجب أن نتوقف أمامها حول هذه القضية حتي يمكن لنا الوصول إلي شيء من الحقيقة وهي‏:‏

‏*‏ أن بقاء المسئول في موقعه لفترة طويلة خلق مناخا عاما كان في حالات كثيرة علي حساب منظومة القيم‏..‏ فقد تداخلت لغة المصالح الخاصة مع المسئولية العامة‏..‏ وكانت لغة المصالح الخاصة هي الأعلي صوتا والأكثر تأثيرا‏..‏



أننا ببساطة شديدة ودون أي إحساس بالذنب أبعدنا مجموعة كاملة من الأجيال عن تحمل المسئولية‏..‏ وعن ضخ دماء جديدة في شرايين المجتمع‏..‏ وعندما يتوقف الماء في مكان ما وتهدأ حركته يتحول إلي شيء آخر كلنا نعرفه‏.‏

‏*‏ أن الرقابة في أجهزة الدولة كانت دائما رقابة حكومية تتبع أجهزة السلطة ولم نعرف حتي الآن شيئا اسمه الرقابة الشعبية والمدنية‏..‏ علي الرغم من وجود مجلسين للشعب والشوري‏..‏ ووجود أحزاب سياسية‏..‏ إلا أن هذه الأجهزة غابت تماما ولم تمارس دورها ومسئوليتها في هذا الشق المهم من حياتنا‏.‏



‏*‏ أن غياب منظومة القيم فتح أبوابا كثيرة لوسائل الوصول تقوم علي التسلق والانتهازية‏..‏ في ظل غياب كامل لتلك القواعد التي حكمت مسيرة العلاقات الأساسية في المجتمع من حيث القيمة‏..‏ والدور‏..‏ والموهبة‏..‏ والثقافة‏..‏ وقبل هذا كله شيء عظيم اسمه‏'‏ الانتماء‏'..‏ وهنا كان من السهل أن تختل موازين الفرص‏..‏ فلم يعد أصحاب المواهب الحقيقية في الصدارة‏..‏ ولكن ظهرت عشوائيات كثيرة فرضت نفسها ووضعت مقاييس ثابتة ومضمونة للوصول إلي كل من يملك قدرات أكبر في التسلق والانتهازية‏.‏



‏*‏ اختلطت الأوراق في أحيان كثيرة‏..‏ فلم نعد نحدد جوانب المسئولية‏..‏ وهل الفساد مناخ عام‏..‏ أم مسئولية أشخاص‏..‏ أم نظم متخلفة في العمل والإدارة والإنتاج أدي في النهاية إلي اختلال موازين منظومة القيم‏!..‏ وهنا يصبح من الصعب أن نحدد السبب والنتيجة‏..‏ وهل هي مسئولية غياب هذه المنظومة‏..‏ أم أن المناخ العام هو الذي فرض‏-‏ من خلال أشخاص وسلوكيات‏-‏ منظومة أخري بديلة هي منظومة الفساد‏..‏ وقد يكون من الصعب أن نفصل هذه العناصر جميعها‏..‏ فلا يمكن لنا أن ننكر دور الأشخاص‏..‏ وحالات التراخي‏..‏ وعدم الإحساس بالمسئولية وغياب الانتماء‏'‏ في الوصول إلي ما نراه الآن‏.‏



يبقي أمامنا طريق واحد للعلاج‏..‏ وهو أن نستعيد مرة أخري الأسس التي قامت عليها منظومة القيم‏..‏ ومن السهل جدا أن نفعل ذلك لأنها قيم ترسخت في أعماق الناس وعاشت بينهم أزمنة طويلة‏..‏ وأن الأعشاب التي تتسلق عليها الآن لا يمكن أن تكون بديلا عنها‏..‏ وبعد ذلك لابد من تحريك ماء النهر‏..‏ فقد سكنت الحركة فيه منذ زمن طويل‏..‏ وأصبح من الضروري أن يهتز بعنف حتي نعيد له حيويته القديمة‏..‏ وشموخه المفقود‏.‏