Loading

الثلاثاء، 19 يناير، 2010

حقائق غائبة‏..‏فـي تسويات البنوك

هوامش حرة



حقائـــــق غائبـــــــة‏..‏فـي تسويـــــات البنـــــوك


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة






بدأت الحكومة بمشاركة من البنك المركزي تسوية الديون المستحقة لدي رجال الأعمال المتعثرين سواء المقيمون منهم أو الهاربون خارج الوطن‏..‏ وفي هذا السياق دخلت أجهزة الأمن والقضاء حيث توجد أحكام قضائية وقوائم بمنع السفر أو القبض علي العائدين والآن هناك إجراءات تسعي بها الحكومة إلي إغلاق هذا الملف أو بمعني آخر تطهير هذا الجرح الذي آلمنا كشعب‏..‏ وأرهقنا كحكومة‏..‏ وأفقد الثقة فينا كأجهزة إدارية مسئولة خاصة في قطاع البنوك وهو أخطر الأجهزة الاقتصادية‏..‏



وفي تقديري أن ما يحدث إجراء حكيم بكل المقاييس‏..‏ أن تعود للبنوك أموالها الضائعة وهي أولا وأخيرا أموال الناس وليست أموال الحكومة‏..‏ وأن تعود للحكومة هيبتها حتي لا تبدو أمام العالم مغلوبة علي أمرها أمام مجموعة أشخاص أخذوا ملايين الجنيهات وضربوا عرض الحائط بكل شيء‏..‏ بالقوانين‏..‏ والمسئولية‏..‏ والالتزام الوطني‏..‏ وقبل هذا كله بواجب المواطنة‏..‏ وهو إجراء حكيم أيضا لأنه يضع بداية جديدة لقيادات جديدة في البنوك المصرية لم تشارك في جريمة سبقت وليس من العدل أن تتحمل نتائجها‏..‏ ومن هنا فإن تسوية أوضاع المتعثرين من رجال الأعمال وقفة عاقلة نرجو أن تكون آخر الصفحات السوداء التي ستحتاج إلي وقت طويل حتي ينساها الملايين من الكادحين من هذا الشعب‏..‏


هذه كلمة ترحيب بهذا التوجه لابد منها‏..‏ وبعد ذلك ندخل في الموضوع‏..‏



إن نقطة البداية التي ينبغي أن ينطلق منها الحديث هو حجم هذه الديون‏.‏ فإذا كانت الحكومة قد غيرت رؤساء البنوك‏..‏ ووضعت قوانين جديدة‏..‏ وأعطت البنك المركزي حرية كاملة من حيث سلطة القرار والتبعية لرئاسة الجمهورية‏..‏ ثم أصدرت مجموعة قرارات بزيادة رأسمال البنوك‏..‏ كل هذا كان يصب في اتجاه واحد هو طمس معالم الجريمة‏..‏ وهنا نختلف مع الحكومة اختلافا جوهريا‏.‏ إن من حق الحكومة بل من واجبها أن تعالج أوضاعا مالية وإدارية وقانونية وصلت بالبنوك إلي هذه الحالة السيئة ولكن علاج الأسباب لا يعني تجنب آثار ما حدث خاصة أن ما حدث كان جريمة كبري علي المستوي الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي‏..‏



فعلي المستوي الاقتصادي‏..‏ نحن أمام عشرات المليارات من الجنيهات التي ضاعت وهي ليست ملكا للحكومة أو البنوك ولكنها ملك لهذا الشعب‏..‏



وعلي المستوي الاجتماعي‏..‏ نحن أمام جريمة اجتماعية أساءت لقطاع مهم في هذا الشعب وهم رجال الأعمال والقطاع الخاص ومن بين هؤلاء آلاف الشرفاء الذين شاركوا في بناء هذا المجتمع ودفعوا ما عليهم من ديون وما للحكومة والمجتمع من ضرائب‏..‏ وهنا ينبغي ألا نضع الجميع في سلة واحدة حيث يتساوي الشرفاء منهم وغير الشرفاء‏..‏


وعلي المستوي الأخلاقي‏..‏ نحن أمام جريمة أخلاقية تمس الأمانة والشرف والالتزام‏..‏ وينبغي ألا تتحول السلوكيات الفاسدة إلي نموذج يقتدي به البعض‏..‏ فنجد أنفسنا أمام مجموعة من الهاربين بأموال الشعب‏..‏


هنا ينبغي أن يصدر البنك المركزي بيانا بحجم الديون التي حصل عليها رجال الأعمال المتعثرون سواء كانوا في مصر أو خارجها وليس من الضروري أن يذكر البنك أسماء هؤلاء حتي لا تتحول القضية إلي عملية تشهير بهم لأن الهدف ليس نشر الفضائح ولكن الهدف أن يعرف الناس الحقيقة وأن تستعيد البنوك أموالها المنهوبة‏..‏


أما بالنسبة للتسويات التي تمت فهنا نطرح مجموعة تساؤلات هي من حق الرأي العام أيضا وليست تدخلا في مسئوليات الحكومة أو البنوك‏:‏



ما هي الأسس التي قامت عليها هذه التسويات‏..‏ وما هي برامج سداد الديون‏..‏ وما هو موقف البنوك من قضية الفوائد خاصة أنها كانت مثار خلاف مع المدينين‏..‏ وماذا عن الديون الدولارية‏..‏ وهل تسدد بسعر‏340‏ قرشا للدولار قبل تعويم الجنيه أم بسعر‏622‏ قرشا بعد تعويمه‏..‏ وما هي شروط السداد وضماناته‏!!..‏

 
وللإجابة عن هذه التساؤلات سوف أفترض أن شخصا مدينا لأحد البنوك بمليار جنيه‏..‏ أي ألف مليون جنيه‏..‏ فعلي أي أساس تمت التسوية‏...‏ إن فوائد هذا المليار تزيد علي‏500‏ مليون جنيه في خمس سنوات أي أن حجم الدين وفوائده أصبح مليارا ونصف المليار جنيه‏..‏ فهل أعفت الحكومة صاحب الدين من الفوائد بحيث يسدد أصل الدين فقط‏..‏ أم خفضت الفوائد‏..‏ وما هي نسبة التخفيض‏..‏ وعلي أي أساس وضعت خطة السداد علي أقساط‏..‏ وما هي الجهات التي قامت بتقدير سعر الأصول الموجودة والتي ستدخل ضمن خطة السداد‏..‏ لقد بالغت البنوك يوما في تقدير قيمة الضمانات‏..‏ فما الذي يمنعها الآن من أن تبالغ مرة أخري في تقدير قيمة أصول السداد‏!..‏

 
جانب آخر‏..‏ شخص ما اقترض مائة مليون دولار كانت قيمتها منذ ثلاث سنوات‏340‏ مليون جنيه مصري‏..‏ وأصبحت الآن‏622‏ مليون جنيه طبقا لسعر الدولار‏..‏ فإذا سددها بالسعر الأول فقد كسب أكثر من‏300‏ مليون جنيه‏..‏ وإذا سددها بالسعر الجديد فقد خسر‏300‏ مليون جنيه‏..‏ فمن يحسم ذلك‏..‏ وما هي المرجعية فيه‏..‏ وهل سيدفع فوائد عن هذا الدين‏..‏ أم يسدد أصل الدين فقط‏!..‏

 
وهنا نتساءل مرة أخري‏..‏ إذا كان الشخص سوف يسدد أصل الدين ويعفي من الفوائد‏..‏ فماذا عن تلك السنوات التي استخدم فيها هذه الأموال وتاجر وباع واشتري‏..‏ وبعد ذلك كله أعاد أصل الدين أقساطا أو في شكل أصول قد تصبح عبئا ثقيلا علي البنوك لأنها غير قابلة للبيع أو تحقيق عائد اقتصادي مناسب‏..‏ وإذا سدد الديون بالدولار بسعرها القديم‏..‏ فمن يتحمل الفرق‏..‏ وعلي أي بند سوف تحسب البنوك هذه الخسائر‏!..‏


والسؤال الأهم‏:‏ هل هناك قواعد عامة ثابتة سوف تحكم التسويات بين البنوك وجميع المتعثرين‏..‏ أم أن كل متعثر و‏'‏حظه‏'‏ مع البنك‏..‏ أو بمعني آخر و‏'‏حجم اتصالاته‏'!..‏


إذا وضعنا المتعثرين في جانب‏..‏ والجادين في جانب آخر‏..‏ وهم مجموعة من الأشخاص يعرف بعضهم البعض في كل شيء‏..‏ وتكشفت الحقائق أمام الطرفين‏..‏ فما هي نتيجة ذلك كله‏!..‏


إن المتعثر حصل علي القرض ولم يدفع فوائد وحصل علي تيسيرات في السداد واستخدم الملايين وحقق منها أرباحا كثيرة‏..‏ أما الجاد فقد حصل علي القرض وسدده كاملا بالفوائد وفتح آلاف الأبواب أمام فرص عمل وبيوت وبشر‏..‏ وبعد ذلك تعامله الدولة والبنوك بهذه الصورة التي تتسم بالغبن وعدم العدالة‏!..‏



وهنا يظهر سؤال أخطر‏:‏ إذا حصل رجل أعمال جاد مازال مدينا للبنوك علي صورة من صور هذه التسويات مع شخص متعثر لم يدفع فوائد وتقدم بها إلي القضاء مطالبا بالمعاملة بالمثل‏..‏ ماذا سيكون عليه الحال‏..‏ وما الذي يضمن أمام هوجة إسقاط الفوائد أو التعامل في السداد بسعر الدولار القديم أن ينهال سيل من القضايا علي البنوك والحكومة يطالب بالشروط نفسها التي قامت عليها التسويات‏..‏ إذا كانت الحكومة بمشاركة البنك المركزي قد أسقطت الفوائد وتلاعبت في عمليات السداد من خلال أصول غير مناسبة أو سمحت بسداد قروض الدولار بسعره القديم فقد تسرعت وفتحت علي نفسها أبواب جهنم‏..‏



من هنا‏..‏ فإن مطالب الناس واضحة ومشروعة‏:‏


أولا‏:‏ أن تعلن الحكومة الرقم الحقيقي لديون المتعثرين‏..‏ هناك من قال إنه أكثر من‏80‏ مليار جنيه‏..‏ ومن قال إنه أكثر من‏40‏ مليار جنيه‏..‏ وأقل الأرقام تقول إنه أكثر من‏12‏ مليار جنيه‏..‏ ومن حق الشعب أن يعرف الرقم الحقيقي خاصة أن الحكومة بدأت التفاوض علي تسويات للسداد ووقعت بالفعل بعضا منها‏..‏ إنها أموال الشعب ومن حقه أن يعرف كم خسرت البنوك المصرية في هذه الجريمة‏.‏


ثانيا‏:‏ من حق الرأي العام أن يعرف أيضا أسس هذه التسويات‏..‏ وهل بالفعل تنازلت البنوك عن الفوائد‏..‏ أو قدرت الدولار بسعره القديم‏..‏ وهل حصلت بالفعل علي ضمانات كافية للسداد‏!..‏



ثالثا‏:‏ ما الذي يضمن ألا يلجأ عشرات من رجال الأعمال الجادين إلي الدخول في طوابير المتعثرين حيث إنه الأفضل لتحقيق مكاسب أكثر‏.‏ وإذا كانت البنوك قد كافأت من لم يسدد ما عليه‏..‏ وأرهقت من قام بسداد ما عليه‏..‏ فهل هذا عدل‏!..‏


وبعد ذلك‏..‏ ماذا سيفعل البنك الموقر إذا ذهب إليه موظف صغير اقترض ألفي جنيه وطلب إعادة جدولة القرض دون فوائد‏!..‏



أرجو من رئيس الوزراء د‏.‏ أحمد نظيف أن يضع أمام الرأي العام شروط التسويات التي تمت أو ستتم مع رجال الأعمال المتعثرين أو الهاربين‏..‏ لأن هذا من حق الرأي العام‏..‏


أرجو أن يضع د‏.‏ فاروق العقدة محافظ البنك المركزي كل الحقائق أمام الناس‏..‏ ولا تقولوا لنا إن ذلك يخالف سرية العمل في البنوك‏..‏ أو إنها تدخل في قضايا الأمن القومي‏..‏



من حق الشارع المصري أن يعرف حقيقة ما يجري في ثكنات البنوك المصرية حتي لا تتكرر الأخطاء‏..