Loading

الثلاثاء، 19 يناير 2010

الخبرات الأجنبية‏..‏ والمعادلة الصعبة

هوامش حرة



الخبرات الأجنبية‏..‏ والمعادلة الصعبة


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة








هناك بعض القرارات والتوجهات الغريبة التي تظهر أمام الناس فجأة وبلا مقدمات‏.‏ ويكون السؤال الذي يطرح نفسه في مثل هذه الحالات‏:‏ هل خضعت هذه القرارات للبحث والدراسة‏..‏ وهل شملت هذه الدراسة الآثار الجانبية لكل قرار‏..‏ وهل يمكن أن تصدر مثل هذه القرارات بصورة عشوائية؟‏..‏


أقول ذلك بمناسبة توقيع اتفاق مع شركات فرنسية وألمانية لإدارة وتطوير المطارات المصرية‏..‏ ويشمل الاتفاق‏7‏ مطارات هي الأكبر في مصر‏..‏ وهي مطارات‏:‏ القاهرة الدولي وشرم الشيخ والغردقة والأقصر وأسوان وأبو سمبل وبرج العرب‏..‏ أو بمعني آخر كل مطارات مصر‏..‏ وقد بدأ هذا التوجه بالاستعانة بخبرات الدول الأجنبية منذ فترة‏..‏ فقد شمل مجالات أخري بدأت بشركات جمع القمامة‏..‏ ثم إدارة شئون الجمارك‏..‏ مرورا بالمدربين الأجانب في كرة القدم‏..‏ ومجالات رياضية أخري‏..‏






وبداية‏..‏ أنا لا أتصور دولة يمكن أن ترفض الاستعانة بالخبرات الأجنبية‏..‏ خاصة من الدول المتقدمة‏..‏ ولكن ذلك يخضع لاعتبارات كثيرة أولها نوعية الخبرات المطلوبة من حيث درجة التقدم والتخصصات النادرة‏..‏ ونحن الآن أمام ظاهرة خطيرة هي الاستعانة بالخبرات الأجنبية في مجال مهم مثل الطيران وإدارة المطارات‏..‏ علي الرغم من أن مئات المصريين من الخبراء في هذه المجالات يديرون مطارات كثيرة في المنطقة‏..‏ وهذا القرار يعني أولا وقبل كل شيء فقدان الثقة في الخبرات المصرية في جميع المجالات‏..‏ إن لمصر خبراء في السياحة والطيران والفنادق‏..‏ هذا بجانب مجالات أخري تقليدية مثل الطب والتعليم والهندسة والصحافة وأساتذة الجامعات في كل التخصصات‏..‏ ومعني أن نلجأ إلي الخبرات الأجنبية بهذه الصورة أننا فقدنا الثقة في أنفسنا وفي أبنائنا وفي أجيالنا المقبلة‏..‏


إن هذا القرار بالاستعانة بالخبرات الأجنبية في مواقع خطيرة مثل المطارات ضربة قاسية للعمالة المصرية في الدول العربية‏..‏ ولا يعقل أن مصر بكل قدراتها البشرية والفنية عاجزة عن أن تدير مطارا أو تنظف مدينة أو تدير جمركا‏..‏ هل عدنا مرة أخري لعقدة الخواجة‏!..‏ علي الرغم من كل الجهود التي بذلها هذا الشعب ومعاركه الضارية في عمليات التمصير‏..‏ هل نسينا معركة الخبرات المصرية في تأميم قناة السويس أكبر مؤسسة ملاحية في العالم في ذلك الوقت ورجال مصر البواسل يتسلمون قيادة المؤسسة وإدارتها من الشركة الفرنسية‏..‏ هل نسينا معركة أكتوبر وكيف خاضها جيش مصر العظيم بكل بسالة وكبد العدو الصهيوني أكبر خسائر في تاريخ الدولة العبرية‏..‏ هل نسينا دور القوات المسلحة المصرية وخبراتها في إنشاء الطرق والكباري والمنشآت وكل الأعمال المدنية التي قامت بها‏..‏ هل نسينا أن كاتبا مصريا عظيما اسمه نجيب محفوظ حصل علي جائزة نوبل في الآداب‏..‏ وأن عالما مصريا كبيرا اسمه أحمد زويل حصل علي جائزة نوبل في الكيمياء‏..‏ هل نسينا د‏.‏ مشرفة‏..‏ ومجدي يعقوب‏..‏ وفاروق الباز‏..‏ وفراج‏..‏ ومحمود محفوظ‏..‏ وعشرات الأطباء الذين حققوا لمصر سمعة عالمية‏!..‏






هل نسينا المشروعات الضخمة التي قامت بها شركات المقاولات والكهرباء‏..‏ سواء في مصر أو في الدول العربية وكانت مفخرة للعمالة المصرية‏..‏ هل نسينا الفلاح المصري الذي زرع بلاد الرافدين وصحراء السعودية ودول الخليج‏..‏ هل نسينا العامل المصري بكل خبراته في أعمال البناء والإنشاءات والكهرباء والصيانة‏..‏ هل نسينا أساتذة الجامعات الذين أضاءوا عقول العالم العربي‏..‏ هل نسينا الفن المصري الأصيل ودوره الحضاري والثقافي في المنطقة‏..‏ ماذا جري لنا‏!!.‏


وهنا أتساءل‏:‏ أيهما كان الأولي بإدارة مطارات مصر وتطويرها‏..‏ القوات المسلحة المصرية بقطاعها المدني وخبراتها فيه‏..‏ أم الشركات الألمانية والفرنسية؟‏..‏ وأيهما الأقدر علي حماية أمن مصر القومي‏.‏؟‏..‏ وما الذي يمنع أن يتسلل من خلال هذه الشركات خبراء إسرائيليون يعملون في مطاراتنا ويطلعون علي كل شيء في موقع من أهم المواقع التي تتعلق بأمن الدولة‏.‏






إن الدولة تتحمل مسئولية غياب الصف الثاني في كل مواقع العمل علي كل المستويات‏.‏ ولابد أن نعترف بأننا نعاني بالفعل من هذه الأزمة‏..‏ ولكن ينبغي ألا يكون الحل في الاعتماد علي خبرات وشركات أجنبية في مجالات نملك فيها بالفعل خبرات كثيرة‏..‏ وبدلا من أن تعالج الحكومة أزمة غياب الصف الثاني بفتح مجالات المشاركة للأجيال الجديدة في إدارة شئون الدولة‏..‏ فإن أسهل الطرق عندها أن تستعين بالخبرات الأجنبية‏.‏ كأن مصر أجدبت وأصابها العقم في كل شيء‏!..‏


وهناك ما هو أخطر من ذلك‏..‏ إنها مشكلة البطالة‏..‏ فهل يعقل أن تترك الدولة ملايين الشباب ضائعين في الشوارع بلا عمل وتفتح الأبواب لشباب الدول الأجنبية‏!..‏ وكم ستدفع الدولة لهم‏!..‏ إن أي خبير أجنبي سيكلف ميزانية الدولة مئات الآلاف من الدولارات‏..‏ فمن الأحق بهذه الفرص وهذه الأموال‏..‏ شباب مصر الضائع أم شباب ألمانيا وفرنسا الذين جاءوا للنزهة علي ضفاف نيل مصر العظيم؟‏..‏






إنني أتصور أن تستعين الدولة ببعض الخبرات الأجنبية المتقدمة‏..‏ ولكن لا يعقل أبدا أن أترك إدارة‏7‏ مطارات كاملة لشركتين أجنبيتين‏..‏ وهنا أيضا يجب أن نتساءل‏:‏ أيهما أفضل علي كل المستويات‏..‏ أن ترسل الحكومة بعثات للتدريب في الخارج من شباب مصر‏..‏ أم تستعين بالخبرات الأجنبية ؟‏..‏ كنت أتصور أن تعد الدولة فريق عمل في كل التخصصات وتبعث به في دورات تدريبية بحيث يعود هؤلاء لتسلم مسئوليات الإدارة والتنفيذ في مواقع العمل المختلفة‏..‏ كان هناك اتجاه في حكومة د‏.‏ عاطف عبيد لإنشاء منصب يسمي مساعد وزير‏..‏ وقالوا يومها إن الاختيار قد وقع علي عدد من الشباب لتولي هذه المناصب وتم إرسالهم للدراسة في إحدي الجامعات الأمريكية‏..‏ وبعد ذلك هدأ كل شيء‏..‏ والأخطر من ذلك أن معظم السادة الوزراء يعتمدون علي نظام الانتداب من المؤسسات الأخري‏!..‏


وأخطر ما في هذا النظام أنه لا يخلق كفاءات جديدة‏..‏ ولا يعطي فرصة لخبرة واعدة‏..‏ كما أن معظم المنتدبين هم من كبار السن الذين يطاردهم شبح الخروج من الخدمة‏!..‏






إن علاقة مصر بالعمالة الأجنبية علاقة قديمة منذ عهد محمد علي‏..‏ ولكن للإنصاف فإن محمد علي كان يرسل البعثات إلي الخارج‏..‏ سواء من الجيش أو القطاعات المدنية‏..‏ خاصة التعليم‏..‏ والهندسة‏..‏ والزراعة‏..‏ وصناعة السفن‏..‏ والأسلحة‏..‏ واستطاع في سنوات قليلة أن يترك لمصر ثروة بشرية متقدمة شاركت في تشكيل دور مصر الحضاري في المنطقة‏..‏


وفي يوم من الأيام كان خروج الأجانب أكبر فرصة لأجيال مصر لكي تكتسب الخبرات وتتعلم من خلال الممارسة الحقيقية في كل مجالات العمل‏..‏ والغريب أن نفكر الآن في الاستعانة بالخبرات الأجنبية في وقت أصبحت فيه التكنولوجيا المتقدمة ملكا للجميع‏..‏ وهناك دول كثيرة حصلت علي هذه التكنولوجيا ودربت أبناءها عليها وأصبحت منافسا خطيرا في أسواق العمالة‏..‏ وأسواق السلع‏..‏ إن الهند تعتبر الآن من أولي دول العالم في البرمجيات والشركات الأمريكية الكبري تستعين بالخبراء الهنود في ذلك‏..‏ وقد استعانت الهند في بداية تجربتها بالخبراء الهنود المقيمين في الخارج وقدمت لهم كل التسهيلات المادية لكي يعودوا إلي وطنهم ويشاركوا في صنع مستقبله‏..‏ وهذا ما حدث مع الصين التي أصبحت الآن منافسا خطيرا في كل الصناعات العالمية تقريبا واعتمدت علي شبابها وأبنائها في هذه المعركة‏..‏ وهناك دولة مثل ماليزيا بلغت صادراتها الآن ما يقرب من مائة مليار دولار سنويا معظمها من الصناعات الحديثة ولم تترك مطاراتها أو مصانعها للشركات الأجنبية‏..‏ ولكنها سعت إلي إنشاء أجيال جديدة تعمل بروح العصر‏..‏ وهذا هو ما حدث مع كوريا الشمالية التي أصبحت الآن تمثل رعبا نوويا لأمريكا وحلفائها‏..‏






أنا لا أعتقد أن المفهوم الخاطئ لمعني الخصخصة بأن نبيع مصانعنا ونسرح عمالنا ونقطع أرزاقهم لنستورد عمالة أجنبية أو نستعين بشركات أجنبية لإدارة شئون حياتنا‏..‏ إن المعني الحقيقي للخصخصة ليس بيع وسائل الإنتاج‏..‏ ولكن تحديثها وتطويرها‏..‏ وليس تسريح العمالة‏..‏ ولكن تدريبهم وإعادة تشكيل خبراتهم بما يتناسب مع روح العصر‏.‏


إن استعانة الدولة بالشركات الأجنبية يجب أن تخضع للدراسة‏..‏ ابتداء بإدارة المطارات‏..‏ وانتهاء بشركات النظافة‏..‏ ومدربي كرة القدم‏..‏ والشغالات القادمات من دول شرق آسيا‏..‏ لأن شباب مصر أحق بكل هذه الفرص وهو قادر علي أن يملأ الفراغ‏..‏ لكن بشرط أن نمنحه الفرصة والتقدير‏..‏ ولا مانع أبدا من أن توجه الدولة نداء إلي خبراء مصر في كل التخصصات النادرة في الخارج‏..‏ لكي يعودوا دون أن تتركهم الدولة علي أبواب مكاتب العمل لتقييد أسمائهم انتظارا لدور لا يجيء‏..‏ وفرصة عمل لن تتحقق‏..‏ وبدلا من أن نصدر قرارات عشوائية ونفتح مطاراتنا وشركاتنا ومؤسساتنا للشركات والخبرات الأجنبية‏..‏ يجب أن نتساءل أولا‏:‏ لماذا تراجع مستوي الأداء‏..‏ ولماذا هبطت خبرات الإنسان المصري‏..‏ ولماذا لا نجد الآن الصف الثاني الذي يملأ مواقع العمل الخالية‏!..‏ والإجابة واضحة وصريحة‏..‏ إن المجتمع يتحمل كل هذه المسئولية‏..‏ فلا يعقل أن أقدم إلي الخبير الجنبي ثلاثين ألف دولار في الشهر‏..‏ والخبير المصري ابن البلد يحصل علي خمسمائة أو ألف جنيه‏..‏ ثم نقول له إنه ثمن الولاء للوطن‏!..‏ ولكن الواضح الآن أن هناك تيارا غريبا يحاول أن يستنفد قدرات هذا الشعب و


يدخل به في متاهات غريبة من الإحساس بالضعف‏..‏ وعدم الثقة في النفس‏..‏ وهذا خطر كبير‏.‏