Loading

الجمعة، 22 يناير، 2010

فوضي الأراضي


هوامش حرة


فوضي الأراضي

يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة





لا أدري متي يجئ الوقت المناسب لكي نفتح بصراحة وشفافية ملف بيع الأراضي في مصر وهو من أخطر وأهم الملفات التي دار حولها لغط كثير‏..‏ لا تخلو صفحات الحوادث وأروقة المحاكم وقضايا الدولة من قصة تعكس فوضي بيع أراضي الدولة أو الاستيلاء عليها بأي صورة من الصور غير المشروعة وقد شجع علي ذلك مجموعة من العناصر أهمها العائد المادي الرهيب والأرباح الضخمة التي حصل عليها عدد كبير من الناس دون عمل أو جهد أو قدرات‏..‏ وبجانب هذا فإن وسائل الحصول علي هذه الأراضي لم تتسم بالشفافية والقواعد العامة التي تحكم العلاقة بين اجهزة الدولة والمواطنين‏..‏ وقبل هذا كله فإن فوضي بيع الأراضي فتحت أبوابا كثيرة للتربح بل والرشوة بين فئات كثيرة من الذين يتحكمون بحكم مناصبهم في توزيع هذه الأراضي أو بيعها‏..‏ أو تخصيصها‏..‏

إن هناك آلاف الملايين من الجنيهات التي خسرتها خزائن الدولة بسبب أخطاء جسيمة في بيع هذه الأراضي وكانت النتيجة أنها تسللت إلي جيوب عدة أشخاص دون أن ينعكس ذلك علي إنتاج أو استثمار أو مواجهة مشكلة مثل البطالة أو ارتفاع الأسعار أو زيادة الدخل القومي‏.‏



كانت الثروات في مصر تنحصر في ثلاثة مجالات رئيسية أولها الأراضي الزراعية و كانت تمثل الثروة الحقيقية لأبناء الريف المصري سواء كانوا من الإقطاعيين أو الأعيان أو المزارعين البسطاء‏..‏ تأتي في الدرجة الثانية مشروعات الإنتاج سواء كان صناعيا أو تجاريا أو حرفيا‏..‏ وكانت هناك مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي ازدهرت في هذا المجال مع نمو الرأسمالية المصرية‏..‏ وكانت العقارات هي المجال الثالث الذي تركزت فيه الثروة في مصر حيث كانت الثروة العقارية من المباني والعمارات والقصور والفيلات من أكثر الأنشطة الاقتصادية جذبا للاستثمار عبر فترات متفاوتة من تاريخنا الحديث‏.‏

وكانت الدولة دائما حريصة علي حماية ثروة مصر من الأراضي الزراعية علي أساس أنها تمثل أهم مصادر الدخل خاصة من المحاصيل الرئيسية وفي مقدمتها القطن‏..‏ كما أنها تضم أكبر شريحة من أبناء المجتمع المصري وهو الريف‏..‏



وفي نفس الوقت كانت هذه الثروة حتي وقت قريب تمثل أهم وأخطر موارد مصر من النقد الأجنبي ممثلا في صادراتها الزراعية للأسواق الخارجية‏.‏

وقد حرصت الحكومات المتعاقبة في تاريخ مصر الحديث علي حماية الأراضي الزراعية أمام طوفان المباني والتجريف‏,‏ وصدرت عشرات القوانين والأحكام العسكرية التي تمنع الاعتداء علي الأراضي الزراعية‏..‏



وفي السنوات الأخيرة حدثت تجاوزات كبيرة في قضية الأراضي بصفة عامة‏..‏ حدثت انتهاكات صارخة لكل القوانين التي كانت تجرم الاعتداء علي الأراضي الزراعية‏..‏ وبدأت كردونات المدن تتسع يوما بعد يوم وتتداخل في بعضها حتي وجدنا مدينة مثل القاهرة تصل في امتدادها ألي مشارف بنها علي امتداد‏50‏ كيلو مترا‏..‏ ثم تتجه التوسعات في محور آخر من مصر الجديدة يكاد يقترب من مدينة الإسماعيلية‏..‏ ثم يمتد محور آخر إلي ما بعد حلوان ومدينة‏15‏ مايو‏..‏ وفي اتجاه الهرم سقطت آلاف الأفدنة من الأراضي الزراعية الخصبة امام طوفان المباني العشوائية‏..‏

ولم يحدث ذلك في القاهرة وحدها لقد اتسعت كردونات المباني حول معظم المدن الرئيسية في المحافظات بل إنها امتدت إلي المدن الصغيرة والقري والنجوع‏..‏ وفي هذا العدوان الغاشم علي أرض مصر الزراعية ضاعت مساحات كبيرة قدرها البعض بمليون فدان وقدرها البعض الآخر بمليونين وهناك من رأي أنها أكثر من ذلك‏,‏ وكانت هذه أكبر جناية في حق ثروة مصر الزراعية‏.‏



وفي هذه الهجمة التي طالت الأراضي الزراعية تحققت ثروات مخيفة تحتاج إلي من يترجمها إلي أرقام‏,‏ ولكن النتيجة الأخطر أننا فقدنا سدس ما نملك من الأراضي الزراعية‏.‏ هذه الثروة التي عاشت عليها الأجيال المتعاقبة‏..‏ وكان هذا هو البند الأول في فوضي الأراضي‏..‏

جاء البند الثاني في المدن الجديدة مثل‏6‏ أكتوبر والعاشر من رمضان والسادات و‏15‏ مايو وغيرها من المدن التي تم توزيعها دون ضوابط محددة حيث اتسمت معظم الإنشاءات في هذه المدن بالعشوائية‏..‏ وكان توزيع الأراضي في هذه المدن أخطر صور الفوضي‏..‏ فقد حصلت مجموعات قليلة من الافراد علي مساحات ضخمة لانشاء مشروعات إنتاجية أو استثمارية ولكن بقدرة قادر تحولت هذه المشروعات إلي مبان وفيلات وشقق وقد باعتها الدولة بأسعار زهيدة وكانت هذه الصفقات أول أبواب التلاعب والتواطؤ بين رجال الاعمال والبنوك‏..‏ كان رجل الأعمال يحصل علي مائة فدان بتأشيرة وبسعر زهيد لا يتجاوز جنيهين للمتر ويذهب بإثبات الملكية التي حصل عليها إلي البنك ليعيد تقدير قيمة الأرض علي أساس‏100‏ جنيه للمتر‏..‏ فتكون النتيجة مائة مليون جنيه قرضا بضمان الأرض التي لم يدفع فيها إلا جنيهات قليلة‏!..‏ وهناك عشرات من رجال الأعمال الذين حصلوا علي هذه الأراضي بهذه الطريقة وأقاموا عليها مباني وفيلات باعوها بعشرات الملايين‏..‏ وكان في ذلك كله تلاعب في الأسعار وفي القروض وفي نوعية الأنشطة التي لم يلتزم بها أحد من هؤلاء‏..‏



جاء البند الثالث من الأراضي الصحراوية التي تم توزيعها ايضا في ظل موافقات خاصة لبعض الأفراد وكانت تباع بأسعار زهيدة وفي شكل مساحات ضخمة‏..‏ البعض زرع هذه الأراضي‏..‏ والبعض الآخر باعها‏..‏ وهناك من حولها إلي أرض بناء وأقام عليها المساكن والعمارات‏.‏



وكان هذا البند مجسدا في أراضي الساحل الشمالي وقد تحولت جميعها دون تخطيط إلي مجموعة من الفيلات والشاليهات دون إعداد خطة مدروسة وتحول هذا الشاطئ الجميل إلي ملتقي خلال شهور الصيف يزوره القادرون من أبناء الشعب‏..‏ وفي فترة من الفترات كان الساحل الشمالي من أخطر أسواق المضاربات العقارية‏..‏ وخسر فيه من خسر وربح فيه من ربح‏..‏ ولكنه في كل الحالات افتقد الشفافية في توزيع الأراضي‏..‏ وافتقد التخطيط في الهدف العام من إقامة مثل هذا المشروع‏.‏ و في سواحل البحر الأحمر كانت المنافسة اخطر وأشد‏..‏ ثم اتسعت في شرم الشيخ والمناطق الساحلية التي شهدت عمليات استنزاف واسعة لأراضي الدولة حيث كان متر الأرض يباع بدولار واحد وفي اليوم التالي يتم بيعه بمائة دولار‏.‏ وللأسف الشديد فإن فوضي الأراضي انتقلت إلي أماكن أخري حتي وصلت للواحات والمدن الصحراوية البعيدة‏.‏

وكان اخطر ما في هذا النوع من الاستثمار أنه لم يكن يوما فرصة متاحة للجميع ولكنه اقتصر علي مجموعة قليلة من الناس توافرت لديهم الوسائل للحصول علي مثل هذه الامتيازات التي تدخل في نطاق المستحيل بالنسبة للآخرين‏,‏ كما أن هذا الاستثمار لا يحتاج لجهد أو قدرات أو حتي رأس مال كبير‏..‏ إنه استثمار العلاقات الخاصة أن تستطيع الوصول الي صاحب قرار يعطيك ورقة صغيرة وعليها كنز كبير يتمثل في تخصيص قطعة ارض حسب درجة اتصالك وقدرتك علي التأثير‏..‏



ولاشك ان جزءا كبيرا من ثروة الطبقة الجديدة التي ظهرت في مصر في السنوات الأخيرة كان من فوضي الأراضي‏..‏ إنها استثمار لا يحتاج لشئ أكثر من العلاقات العامة أو بمعني آخر علاقات مع مؤسسات الدولة التي تتحكم في الأراضي‏.‏

ولو أننا فتشنا عن كوارث البنوك والهاربين بأموالها فسوف نكتشف أن بدايتهم كانت مع الاراضي وعمليات التخصيص الواسعة المدي دون قواعد أو ضوابط إلا العلاقات العامة‏..‏ إن معظم انشطة رجال الاعمال سواء الهاربون منهم أو المقيموين بدأت مع كارثة إسمها تخصيص الاراضي‏..‏ وكانت عمليات التخصيص تتم من خلال علاقات واتصالات افتقدت الشفافية في معظم الأحيان‏.‏ ولاشك ان فوضي الاراضي تركت آثارا سيئة علي الاقتصاد المصري وكان من أخطر هذه الآثار انها فتحت بابا للثراء تنقصه الشفافية ولا يرتبط بتقاليد العمل الاقتصادي السليم‏.‏ كما أنها فتحت أبوابا واسعة للربح الذي لا يقوم علي أسس اقتصادية سليمة‏..‏ وفي نفس الوقت فإن تجارة الأراضي وفوضي توزيعها حرمت مصر من كثير من الأنشطة الاقتصادية التي كان ينبغي أن تتركز في الانتاج سواء كان صناعيا أو تجاريا‏..‏ ولو أننا قمنا بحصر الأراضي التي تم بيعها أو تخصيصها للمشروعات لاكتشفنا أن النشاط العقاري كان هو المجال الأوسع‏,‏ وأن مجالات الإنتاج الأخري كانت من ضحايا فوضي الأراضي‏.‏



ولا شك أن النشاط العقاري الذي واكب فوضي الأراضي حقق أرباحا ضخمة دون أن يشارك في زيادة الانتاج او زيادة حصيلة الدولة من الضرائب لأن معظم هذه الانشطة العقارية كانت عمليات بيع وشراء للأفراد‏,‏ ومعظمها لا يتم تسجيله حتي الآن وهذا يعني أن حقوق الدولة ضاعت‏.‏

ولنا ان نتصور آلاف الملايين التي أكلتها الرمال في الساحل الشمالي من مدخرات المصريين الذين يقضون فيها شهرا طوال العام‏..‏ ولنا أن نتصور كم سيكون عائد هذه البلايين لو أنها أقيمت في إطار خطة استثمارية متكاملة الأهداف والجوانب‏.‏



ولنا ان نتصور حصيلة الدولة من الضرائب لو أنها كانت طرفا في المضاربات التي قامت علي بيع الاراضي والعقارات والمنشآت التي أقيمت علي أراضي الدولة التي باعتها بأسعار زهيدة‏..‏

ولنا أن نتصور خسارتنا في مليون فدان أو أكثر من الأراضي الزراعية التي أكلتها الرمال والأسمنت والحديد‏,‏ وتحولت الي كتل خرسانية عشوائية قبيحة‏,‏ فحرمت المواطن المصري من الغذاء والهواء النقي‏..‏ واللون الأخضر الذي نسيه سكان المدن الغارقة في الزحام‏.‏



ولنا أن نتصور بعد ذلك حق كل مواطن مصري في كل هذه الأراضي التي تم تخصيصها لأعداد قليلة من الأفراد دون وجه حق لأن هذه الأراضي ملك للمصريين‏,‏ كل المصريين‏,‏ ولم تكن يوما من حق مسئول يستطيع أن يمنح هذا ويعطي ذاك‏.‏

إن قصة أراضي الدولة وما شهدته من مآس تعتبر من أخطر المجالات التي شهدت تلاعبا وتحايلا لا يستطيع مسئول أن ينكره‏...‏ وإذا كنا نطالب بالحساب علي ما مضي فيجب أولا أن نوقف هذه الفوضي في بيع أراضي الدولة لأنها ما سيبقي للأجيال القادمة‏.‏