Loading

الأحد، 24 يناير، 2010

أغنيات للحرية‏..‏في الشارع اللبناني

هوامش حرة



أغنيات للحرية‏..‏في الشارع اللبناني


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة







هناك لحظات قد تبدو قصيرة تعكس معادن الشعوب وجوهرها‏..‏ وهناك أيضا لحظات أخري تحمل الانكسار والهزيمة‏..‏ وفي كل الحالات فإن الإنسان هو أساس كل شيء‏..‏ إذا انكسرت إرادته تحول إلي كائن هزيل‏..‏ وإذا انتصرت إرادته تجاوز كل الحسابات‏..‏ ومن هنا يصبح الفارق بين لحظة وأخري وزمان وزمان هو فارق الإرادة عند الإنسان‏..‏ لأن انكسار الإرادة هو الهزيمة الحقيقية‏..‏






وعندما كنت أتابع علي شاشات التليفزيون أفواج الشعب اللبناني وهي تتدفق في ساحة الشهداء في بيروت مثل الطوفان كنت أشعر بأن هناك شيئا جديدا يولد وسط هذا الزحام‏..‏ كان اللبنانيون يحملون علمهم بألوانه الزاهية‏..‏ وكانت ألوان العلم تتعانق في السماء الزرقاء الصافية كأنها طيور تحلق بلا قيود أو سجون أو وصاية‏..‏ اختفت كل الأشياء خلف هذا العلم وتراجعت‏..‏ لم يكن هناك صليب أو هلال‏..‏ ولم يكن هناك شيعي أو سني أو درزي‏..‏ قام الجميع يصلون نحو قبلة واحدة هي قبلة الوطن لبنان الذي جمع أحلامهم وانكساراتهم ومآسيهم‏..‏ وكانت قضية الوطن أكبر من كل القضايا وكانت الحرية أكبر من كل الخلافات‏..‏






وهؤلاء هم شباب لبنان الذين خرجوا من أنقاض حرب دامت ستة عشر عاما‏..‏ ولم يكسب فيها أحد‏..‏ وخرج الجميع منها خاسرون‏..‏ وبقي الوطن‏..‏ هذا هو شباب لبنان الذي يرقص علي الفضائيات ويغني ويحب ويحلم خرج كالطوفان يهز أركان كل شيء ويبشر بميلاد فجر جديد‏..‏






علي الجانب الآخر من الصورة كان مجلس النواب اللبناني يخوض معركة ضارية ضد حكومته‏..‏ كان أعضاء المجلس يشعرون بفخر شديد وهم يلفون علي أعناقهم علم لبنان‏..‏ لقد تخلصوا من كل شيء قبل أن يؤدوا الصلاة من أجل الحرية‏..‏ نسي كل واحد منهم تاريخه وحياته وصراعاته ومآسي أيامه‏..‏ ووقف في اعتزاز أمام علم بلاده‏..‏






في كلمات الأعضاء وانتقاداتهم شموخ في الحوار‏..‏ وجمال في اللغة‏..‏ وترفع في إلقاء التهم وتقديم دفاتر الحسابات‏..‏ كان حديث كل واحد منهم قطعة جميلة من النثر الجميل‏..‏ لم يخطئ واحد منهم في كلمة عربية والتزموا جميعا بالفصحي‏..'‏ تاجنا‏'‏ الذي فرطنا فيه‏..‏ كان الهجوم ضاريا‏..‏ بلا ابتذال‏..‏ وكان النقد عنيفا بلا تجن‏..‏ وكانت هناك أكثر من فكرة وأكثر من رأي‏..‏






هناك من هاجم الوجود السوري علي التراب اللبناني بضراوة‏..‏ وهناك من دافع بعنف‏..‏ وبين هذا وذاك كانت الحكومة حائرة أمام هذا الطوفان الصاخب من النقد والهجوم والإصرار علي المواجهة‏..‏






الصورتان تقتربان‏..‏ الشارع في لحظة احتجاج صاخبة‏..‏ ومجلس النواب في لحظة حساب حادة‏..‏ وما بين هذا وذاك كان لابد أن تنسحب الحكومة وتعلن استقالتها لتنتصر الحرية‏..‏ في بلد الحريات‏..‏ ووقف الجيش اللبناني في لحظة تاريخية يحمي المواطنين جميعا‏..‏ شعبا وحكومة‏..‏ معارضة ومؤيدين‏..‏






هذا ما رأيناه علي شاشة التليفزيون وقد تحول مأتم الحريري إلي عرس للحرية في ربوع لبنان‏..‏ كان من الممكن أن يمر اغتيال الحريري مثل عشرات الأحداث الدامية‏..‏ وأن يتحول إلي برقيات عزاء أو مشاطرة أو أحاديث معادة علي الفضائيات العربية‏..‏ ولكن الحريري تحول إلي رمز‏..‏ واجتمع الشعب اللبناني حول هذا الرمز ليفجر منه أشياء كثيرة وليبدأ من نهاية حياة الحريري حياة جديدة لشعب عظيم‏..‏






ليس هذا هو لبنان الحرب الأهلية‏..‏ والتصفيات الجسدية‏..‏ وآلاف القناصة الذين يقفون علي أسطح البيوت بعد أن أدمنوا القتل وكرهوا الحياة‏..‏ لقد استوعب اللبنانيون الدرس ولن يتركوا مصيرهم في أيدي العابثين سواء كانوا منهم أو كانوا عليهم‏..‏






لقد خاضت لبنان أسوأ ألوان الحروب عندما خرجت الملايين إلي الشوارع تحمل السلاح ويقتل بعضها بعضا‏..‏ لم يبق شيء لم تدمره الحرب الأهلية في لبنان‏..‏ البيوت والمساجد والكنائس والأشجار والجبال وملاعب الأطفال وحدائق الزيتون‏..‏ كل شيء في لبنان شرب الكأس مرا وعاش سنوات طويلة ما بين سكرة الموت وسكرة الدمار‏..‏






كان العالم كله يقدم السلاح للشعب اللبناني حتي يقتل بعضه‏..‏ المسلمون يقدمون السلاح للمسيحيين‏..‏ والمسيحيون يساعدون المسلمين لقتل المسيحيين‏..‏ واختلطت الدماء ما بين شيعي وسني ودرزي‏..‏ وغاب وجه لبنان وسط ساحات الدمار‏..‏ عشرات القصص من المآسي التي شهدها لبنان في حربه الأهلية الدامية‏..‏






وخرج الجميع من المعارك متعبون مهزومون منكسرون‏..‏ لم ينتصر طرف واحد في هذه الحرب‏..‏ وخسر الجميع وكان لبنان الوطن الجميل هو أكبر الخسائر‏..‏ لم تعد في لبنان بناية وحيدة صامدة‏..‏ ولم يعد هناك مسجد بلا خراب‏..‏ أو كنيسة بلا أطلال‏..‏ أو إنسان بلا عاهة أو إصابة أو عذاب ضمير‏..‏






واستطاع لبنان أن يتجاوز محنته‏..‏ بدأ من الصفر مرة أخري وأرسلت إليه السماء ابنا يسمي‏'‏ رفيق الحريري‏'‏ حمل الجسد المصاب ليبدأ رحلة العلاج‏..‏ وتكون نهاية المأساة في وطن يستعيد عافيته‏..‏






هناك ظلال كثيفة في لبنان‏..‏ وسحب سوداء تطل من كل جانب‏..‏ هناك نزعات دينية وعرقية‏..‏ وصراعات طائفية وعائلات وقبائل وأصول‏..‏ وكان الشيء الوحيد الذي يجمع هؤلاء‏..‏ ساحة جميلة راقية اسمها‏'‏ الحرية‏'..‏






في أكثر الأزمنة العربية استبدادا وبطشا كان لبنان هو العصفور الوحيد الذي يغني للحرية‏..‏ ويبدو أن الصوت كان نشاذا وأن العصفور غير مرغوب في بقائه‏..‏ ومن هنا تواطأت أزمنة القهر العربي ليصبح العش الجميل خرابا‏..‏ وسكت صوت لبنان وتلاشي في زحام البطش العربي‏..‏






ولكن يبدو أن العصافير علي الرغم من أنها صغيرة في الحجم ضئيلة في التكوين فإنها لا تنسي الغناء ببساطة‏..‏ حتي آخر لحظة كان لبنان يصر علي أن يغني في أزمنة الصمت العربي‏..‏






وفي مواكب الشباب الذين خرجوا إلي شوارع بيروت انطلقت صيحات الحرية مرة أخري‏..‏ إنهم يطالبون بخروج القوات السورية‏..‏ ويطالبون بتحديد واضح لسنوات حكم رئيس الدولة‏..‏ ويطالبون باستقالة الحكومة‏..‏ ويطالبون بتحقيق عادل في جريمة اغتيال الحريري‏..‏ لقد قرر الشعب اللبناني أن يفتح كل الملفات وأن يكشف عن كل الوجوه لأن ذلك هو نقطة البداية لأي إصلاح جديد‏..‏






لم يخرج اللبنانيون في مظاهرات من أجل أسعار الخبز والبنزين ومصاريف المدارس‏..‏ ولكنهم خرجوا من أجل شيء أكبر وأعظم هو حرية الشعب اللبناني‏..‏






كانت الأنظار تتجه نحو ساحة الشهداء في بيروت والناس يتساءلون‏:‏ تري من أخرج كل هذه الآلاف ووحدها خلف شيء واحد هو علم لبنان‏..‏






لا تستطيع قوة في الأرض أن تحشد كل هذه الجموع‏..‏ إن أطرافا كثيرة تعبث في لبنان‏..‏ أطرافا عربية وأجنبية‏..‏ مخلصة وعميلة‏..‏ ولم يستطع طرف واحد منها أن يتسلل وسط هذا الطوفان الزاحف لأن لبنان هو الهدف والغاية‏..‏






وعندما تسللت في المظاهرات بعض العناصر المشبوهة وهم يحملون السلاح وسط الجموع الحاشدة‏..‏ تعالت الصرخات ضدهم وفروا هاربين‏..‏






كانت مظاهرات الشارع اللبناني التي لم تشهد إصابة واحدة من أي نوع تحمل وجها حضاريا جديدا علي الشارع العربي كله‏..‏ لم أكن أتصور وأنا أتابع أمواج البشر أنني أشاهد وطنا عربيا بهذا الالتزام وهذا الحماس وهذا الإيمان بالحرية‏..‏ وهذا الانضباط في السلوك‏..‏






إن ما حدث درس لشعوب كثيرة في المنطقة يجب أن تتعلم من وقفة الشعب اللبناني‏..‏ لقد اغتال الإرهاب ـ أيا كان لونه وجنسيته ـ رفيق الحريري‏..‏ ولكن الذي انتصر في النهاية هو الحرية وليس الإرهاب‏..‏ وعلينا أن نحدد طريقنا‏..‏ لأن الحرية وحدها هي القادرة علي مواجهة الإرهاب‏..‏ أما أساليب البطش والقمع والاستبداد فلن تترك خلفها إلا المزيد من الإرهاب والدمار والتسلط‏..‏






ولعل أغرب ما حدث في هذه الصورة أن البعض تصور يوما أن الحرب الأهلية في لبنان قد وضعت نهاية للحوار السياسي‏..‏ واتضح أخيرا أن اللبنانيين ازدادوا وعيا وإدراكا لمسئولياتهم السياسية‏..‏ ولكن بحوار العقل‏..‏ وليس بطلقات الرصاص‏..‏






كثيرون في العالم العربي أبهرهم مشهد الشعب اللبناني وهو يخرج في وقار والتزام وحكمة‏..‏ مطالبا بالتغيير بلا صخب أو ضجيج أو رشاشات‏..‏ وكان هذا شيئا مشرفا لوطن عربي يقدم نموذجا راقيا وصورة حية للمعارضة الحقيقية‏..‏






ولعل المعارضين في الأقطار العربية والمتربصين لمواكب الحرية يقرأون ما حدث في لبنان قراءة صحيحة‏..‏






وكما كانت في لبنان يوما ما أجمل العصافير التي تغنت للحرية‏..‏ فقد عاد لبنان مرة أخري يحتضن طيوره ليغني لنا من جديد‏.‏