Loading

الأحد، 24 يناير 2010

هذا المرض الخطير‏..

هوامش حرة



هذا المرض الخطير‏..‏


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة





هناك ظاهرة خطيرة تحدث في مصر الآن ولا يلتفت إليها أحد‏..‏ هذه الظاهرة هي الانتشار الرهيب لمرض السرطان بين الأجيال الجديدة خاصة الشباب‏..‏ والغريب أن هذا الانتشار يتركز بصورة أخطر في محافظات الدلتا وبين الفلاحين الذين يعملون بالزراعة‏..‏ والأعداد التي تدخل المستشفيات ومعاهد الأورام كبيرة جدا‏.‏ ومن أراد أن يعرف الحقيقة فعليه أن يذهب إلي معاهد الأورام الرئيسية في القاهرة والمحافظات ويراجع أعمار المرضي وسوف يكتشف أن هناك أجيالا من الشباب في مقتبل أعمارهم يعانون من سرطان العظام والنخاع الشوكي والدم وأن الإصابات خطيرة جدا وبعضها فاقد الأمل في الشفاء‏.‏


وهذه الظاهرة اتسعت بشدة في الأعوام الخمسة الأخيرة‏..‏ وليس أمامنا أحد يخبرنا بأسباب ذلك خاصة أن الحصول علي الأرقام في مثل هذه الظاهرة احتمال بعيد المنال‏..‏ حيث لا توجد قوائم تضم أرقاما حقيقية‏..‏ ولكن الشواهد أمامنا تؤكد أننا أمام ظاهرة خطيرة‏..‏






وأتوجه هنا إلي الصديق د‏.‏ محمد عوض تاج الدين وزير الصحة‏..‏ وأرجو منه أن يرصد هذه الظاهرة وهو بكل تأكيد يدرك أبعادها كطبيب مسئول‏..‏ كما أن د‏.‏ حمدي السيد نقيب الأطباء والحكيم الكبير يعلم خطورة هذه الظاهرة خاصة أن هناك كلاما كثيرا حول أسباب ظاهرة انتشار هذا المرض‏..‏


هناك من يري أن المبيدات الكيماوية كان لها تأثير كبير‏..‏ ومن يتابع أحوال الفلاحين في الريف والإصابات الكثيرة داخل نطاق الأسرة الواحدة‏..‏ ومن مرض واحد يدرك أن هناك علاقة مؤكدة بين هذا الانتشار وبين استخدام المبيدات الكيماوية سواء في محاصيل مثل القطن أو الزراعات الأخري التي تستخدم فيها هذه المبيدات‏..‏






وفي قضية وزارة الزراعة الشهيرة أدانت المحكمة بصورة قاطعة استيراد الكيماويات المسرطنة ولا يعقل أن تلقي المحكمة مثل هذا الاتهام أو هذه الإدانة دون أن تكون أمامها مبررات وأسباب حقيقية‏..‏ وبعيدا عن إجراءات القضاء والاتهامات فإن المطلوب من وزارة الصحة ونقابة الأطباء شرح القضية لنا علي أساس أننا أمام ظاهرة خطيرة تهدد أرواح شبابنا المسكين‏.‏


في جانب آخر‏..‏ فإن التلوث من الأسباب الرئيسية التي دار حولها نقاش طويل خاصة السحابة السوداء التي أفسدت صدور الشباب المصري ولوثت كل شيء‏..‏ إن السحابة السوداء التي تحاصر القاهرة منذ سنوات تتحمل جزءا من مسئولية انتشار مرض السرطان‏..‏ والغريب أن أكثر من حكومة وأكثر من وزير لم يستطع القضاء علي السحابة السوداء‏.‏ وما زالت تطاردنا في مواسمها المعتادة‏..‏ وبجانب التلوث في الهواء يأتي التلوث في مياه الشرب أمام المواد الكيماوية والقمامة وبقايا السلوكيات المريضة التي تلقي بكميات كبيرة في مياه النيل‏..‏






هناك أيضا ما تؤكده تقارير دولية حول دور إسرائيل في تلوث المناخ العام في المنطقة من خلال برنامجها النووي واستخدام القوات الأمريكية في العراق وفي حرب الخليج من قبل لأنواع من الذخيرة المحرمة دوليا وهو نفس ما تفعله إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة‏.‏


وقبل ذلك كله يأتي استخدام الهرمونات في بعض مصادر الإنتاج الزراعي والحيواني‏..‏ إننا جميعا نعلم كيف تدخل هذه الهرمونات في غذاء الدواجن والأسماك بكل ما يتركه ذلك علي حياة الناس من مظاهر التلوث كما أن هناك محاصيل كاملة لا تستخدم إلا الهرمونات سواء لزيادة الإنتاج أو اختصار فترات الزراعة ويبدأ ذلك بالكانتلوب وينتهي بالخيار والفراولة‏..‏






ونحن الآن أمام ظاهرة تحتاج إلي فريق عمل صحي يقوم بدراستها من كل الجوانب‏..‏


وعلي سبيل المثال فإن في وسط الدلتا بصفة خاصة محافظات تعاني من زيادة ارتفاع أعداد المصابين بمرض السرطان‏..‏ وفي قري صغيرة يمكن أن تجد عشرات الأشخاص‏..‏ وبشكل وبائي حتي بين أفراد الأسرة الواحدة‏..‏






تستطيع وزارة الصحة أن ترصد ذلك كله وتراجع أعداد المصابين في سنوات سبقت وأعدادهم الآن لكي تصل إلي الحقيقة‏..‏


إن مراجعة أعمار المصابين يمكن أن تصل بنا إلي حقيقة انتشار هذا المرض بصفة خاصة بين شباب في عشرينيات العمر وربما أقل بل إن هناك ما يؤكد انتشاره بصورة وبائية بين الأطفال ومن أراد أن يعرف الحقيقة عليه أن يذهب إلي مستشفي أبو الريش بالمنيرة‏.‏






أما النقطة الأخيرة التي ينبغي بحثها من الناحية الصحية فهي أنواع هذا المرض حيث تنتشر أنواع معينة في أرياف الدلتا بينما تنتشر أنواع أخري في القاهرة والفرق بين أرياف الدلتا وعشوائيات القاهرة هو استخدام المبيدات في مقاومة الآفات الزراعية في الريف وهذا النوع يؤثر علي الدم والعظام وتلوث الهواء أمام السحابات السوداء وحرق القمامة في عشوائيات القاهرة وهذا يؤثر علي الرئة والجهاز التنفسي للمواطنين‏.‏


إن واجب وزارة الصحة ومسئوليتها أيضا أن تكشف لنا النقاب عن هذا الخطر الكبير‏..‏ أما نقابة الأطباء فهي أيضا بحكم مسئوليتها الإنسانية لابد أن تراجع ملفات الوزارة لكي تصل إلي الأرقام الحقيقية وحجم الإصابات وأسبابها‏..‏






لقد حذر كبار الأطباء والباحثين في السنوات الماضية من كارثة التلوث‏..‏ ولم يكن أحد يتصور أن تصل بنا في يوم من الأيام إلي ما نراه الآن خاصة عندما تقتحم السحابة السوداء غرف الأطفال الصغار وتدخل بهم إلي غرف العناية المركزة يعانون من الربو والحساسية وعدم القدرة علي التنفس‏.‏


وعندما ثارت قضية المبيدات المسرطنة أكد عدد من كبار العلماء والمسئولين أن وزارة الزراعة سمحت باستخدام أنواع محرمة دوليا وفي مجال التجريب وهي من أسباب مرض السرطان‏..‏ وجاء حكم محكمة الجنايات في قضية الانحرافات الكبري بوزارة الزراعة تؤكد استخدام هذه المبيدات وتدين المسئولين عنها وتطالب بمحاكمتهم أمام القضاء‏..‏






علي الجانب الآخر تقف كل الشواهد لتقول إن هناك شيئا غريبا حدث أدي إلي زيادة نسبة الإصابة بهذا المرض في الريف المصري‏..‏ كانت هناك مجموعة أمراض معروفة في القري والأرياف منها البلهارسيا وهي مرض مصري عتيق ولكن الأمراض المعاصرة التي جاءت بها المبيدات شيء يختلف تماما‏..‏ إنها سرطان في العظام وفي الدم وفي الغدد‏..‏ وهناك حالات متعددة وأهل الطب أدري بها من أهل الكتابة‏..‏


إنني علي علم أن الدنيا كلها تقوم من أجل مريض يسكن قاهرة المعز أو مصاب له علاقة بالسلطة‏..‏ أما الفلاحون الغلابة فهم يمرضون ويعانون‏..‏ ويموتون دون أن يصل صوتهم إلي أسماع أحد في القاهرة‏..‏ فلا مجلس الشعب يعرف أخبارهم‏..‏ ولا مجلس الشوري يتقصي حقائق حياتهم‏..‏ ولا الحزب الوطني يعرف أين يسكن هؤلاء‏..‏ إن الجميع مشغول بتسوية ديون الهاربين أو المتعثرين أو ارتفاع وانخفاض سعر الدولار والمضاربة في البورصة‏..‏ أما هؤلاء الذين أكلتهم المبيدات المسرطنة فلم يسأل عنهم أحد‏..‏ إن وزارة الصحة هي الجهة الوحيدة القادرة علي كشف هذا اللغز بحيث تقول لنا حقيقة ما يحدث‏..‏ لن يفيدنا الآن الحديث عن أخطاء سابقة في وزارة الزراعة أو مبيدات تم استيرادها‏..‏ ولكن المهم أن نعرف الكارثة ونمنع استمرارها‏..‏ وكل دلائل الكارثة عند وزارة الصحة لأنها قادرة علي أن تكشف الأسباب الحقيقية لانتشار هذا المرض الخطير‏..‏ وهي قادرة أيضا علي أن تفسر لنا الزيادة الكبيرة في حجم الإصابات في الريف المصري‏..‏






أنا شخصيا أقدر جهودا كبيرة يقوم بها د‏.‏ محمد عوض تاج الدين منذ تولي المسئولية في وزارة الصحة‏..‏ وأدرك حجم معاناة جهاز يعالج‏70‏ مليون نسمة في ظل أسوأ ظروف التلوث التي لا تتحمل وزارة الصحة سببا واحدا من أسبابها وإن كانت تتحمل كل نتائجها‏..‏ وأعرف أيضا أن الأعباء الضخمة التي يتطلبها علاج شعب بهذا العدد شيء كبير‏..‏ ولكن هذا لا يمنعني من أن أطالب الوزير د‏.‏ محمد عوض تاج الدين بأن يبحث أسباب وحدود هذه الظاهرة الخطيرة ومدي انتشارها بين شبابنا خاصة أن عددا كبيرا من الأطباء الموثوق بهم قد أكد لي هذه الحقيقة ولديه حالات واضحة في مناطق كثيرة في مصر وأن الإصابة بالأمراض الخبيثة قد ارتفعت بنسبة‏37%‏ في السنوات الأخيرة‏.‏


إن أسوأ الجوانب في هذه الظاهرة أنها تصيب شبابا في عمر الزهور‏..‏ معظمهم بلا عمل وبلا أمل وينتظر خطابا من القوي العاملة منذ سنوات واضطر لأن يعمل في رش المبيدات أو مقاومة الآفات الزراعية وكانت النتيجة‏..‏ هذا المرض الخبيث‏..‏






فإلي متي سنظل نتجاهل الحقائق في حياتنا كأننا مغيبون‏!‏