Loading

السبت، 23 يناير 2010

رفيق الحريري‏..‏ ومعني الانتماء

هوامش حرة
رفيق الحريري‏..‏ ومعني الانتماء
يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة





علي امتداد أسبوع كامل وربما أكثر كان رفيق الحريري رئيس وزراء لبنان السابق حديث الإعلام العربي والأجنبي‏..‏ وفي تقديري أن العالم اكتشف في الحريري مواطنا لبنانيا عمل سنوات طويلة في صمت‏..‏ وأن نهاية الحريري الدامية كانت بداية معرفة حقيقية بهذا الرجل‏..‏ ولابد أن أعترف أنا شخصيا أنني فوجئت بالكثير من إنجازات الحريري وما قدمه لوطنه لبنان‏..‏ لقد تحدثت الصحافة وشاشات التليفزيون عن المشروعات الضخمة التي أقامها من العمارات والفنادق والطرق والمواصلات وكيف استطاع في سنوات قليلة أن يعيد لبنان إلي خريطة الكون مرة أخري‏..‏


أشياء كثيرة في تاريخ الرجل كانت تعكس معني الانتماء الحقيقي ومسئولية صاحب المال تجاه مجتمعه بلا صخب أو ضجيج‏..‏ علي الرغم من أن الرجل في الحقيقة لم يعمل في وطنه ولم يكن هذا الوطن صاحب فضل عليه أكثر من جواز سفر وهوية ومدينة عريقة اسمها‏'‏ صيدا‏'‏ تفتخر الآن أنها أنجبته‏..‏


كانت أموال الحريري كلها من رحلة معاناة شاقة في دول الخليج أو دول أوروبا أو بلاد العالم شرقا وغربا‏..‏ وهذا يؤكد أن الرجل لم يكن مدينا للبنان ولكنه رحل وكل شيء في لبنان مدين له‏..‏ علي الرغم من أنني أكره كلمتي الدائن والمدين بين الإنسان ووطنه‏..‏


لم أتوقف كثيرا في رحلة هذا الرجل مع وطنه عند البنايات والطرق والكباري‏..‏ ولكنني توقفت عند رقم واحد أثار تقديري وإعجابي بإنسان لم أعرفه ولم ألتق به يوما‏..‏ إن الرقم يقول إن الحريري أرسل‏34‏ ألف شاب وفتاة مسلمين ومسيحيين ودروز وسنة وشيعة ليتعلموا في الخارج خلال عشر سنوات وتحمل نفقات تعليمهم بالكامل‏..‏ وإن هذه الكوكبة من العقول هي التي عادت لتشارك في بناء لبنان الجديد‏..‏وأن من بين هؤلاء‏53‏ أستاذا من حملة درجة الدكتوراه في تخصصات مختلفة‏.‏


إن هذا السلوك الحضاري يؤكد إيمان الرجل بأهمية التنمية البشرية بجانب عناصر التنمية الأخري من رأس المال والموارد والاستثمارات والإنتاج بكل أنواعه وأساليبه‏..‏ وهذا يعني أننا لابد أن نربط بين عنصرين مهمين في معادلة البناء هما‏:‏ التنمية البشرية وتعني البشر والتنمية الاقتصادية وتعني الموارد‏..‏ ولكن في بلاد لا تملك من الثروات غير الإنسان يصبح من الضروري أن تكون هناك أولوية خاصة للتنمية البشرية‏..‏ وفي وطن مثل لبنان لا يوجد فيه غير الإنسان علي الأرض والجمال في الطبيعة يصبح التوازن في هذه المعادلة ضرورة‏..‏


الجانب الثاني أن الانتماء الحقيقي لا يمكن أن يكون مجموعة من الأغاني الركيكة أو النصائح الفجة أو الكلام الذي لا معني له‏..‏ ولكن الانتماء يعني المشاركة والدور وتقدير المسئولية‏..‏ ما أكثر الأغاني التي تتحدث عن حب الوطن ولكنها تفتقد الصدق والمصداقية وهي ليست أكثر من وسيلة للعبث بعقول البسطاء‏..‏


إن الأهم من الأغنية أن أجد مدرسة يتعلم فيها ابني بأسلوب عصري ولا يجد نفسه أمام الحفظ والتلقين خارج الزمن‏.‏ فلا يجد أمامه من وسيلة غير الهروب إلي الماضي أو الخروج تماما من الحاضر‏..‏ إن الآلاف الذين تعلموا علي نفقات الحريري في الخارج هم الذين قامت علي أكتافهم السياحة في لبنان وأنشطة البنوك والصرافة واستخدام التكنولوجيا الحديثة والاستثمار بكل أنواعه‏..‏ ولم يكن ذلك بسبب أن هذا ابن فلان أو ابن علان‏..‏ ولكن كان ذلك حقا للجميع‏..‏ ولعل هذه الكتيبة التي عادت بالفكر المستنير هي التي ستبني لبنان الجديد بعيدا عن التعصب الأحمق والصراعات الدينية والعرقية والاجتماعية‏..‏ إن مثل هذه الأمراض تنمو في مجتمعات التخلف والإحساس بالظلم الاجتماعي والقهر الإنساني حيث يتحول الإنسان إلي كائن حاقد متمرد ولا يجد أمامه من طريق للخلاص غير الموت سواء قتل الآخرين أو قتل نفسه‏..‏ وقد كان الحريري نفسه أحد ضحايا هذا الفكر المتخلف‏.‏


إن تجربة الحريري مع شباب لبنان تستحق أن نتوقف عندها‏..‏ إن الرجل اختار روح العصر لكي تكون أسلوب حماية لهؤلاء الشباب‏..‏ ثم أنه استطاع بهذه الكوكبة أن يجدد شباب المجتمع وأن يجعل من أجياله الجديدة روافد تتدفق منها دماء نقية وواعية وصادقة في شرايين المجتمع كله‏..‏ لقد كان يدرك أن الدماء التي حاربت‏16‏ عاما وقتلت ودمرت لا تستطيع أن تتجاوز محنتها ببساطة ولذلك لجأ إلي هذه الدماء النقية والزهور المتفتحة التي لم تلوثها آثار الدمار والموت والتعصب‏..‏


الجانب الثاني في هذه التجربة أن هؤلاء الشباب عادوا إلي وطنهم من خلال تجربة ثرية في الحريات والعلم والمعرفة ويمكن أن يكونوا قدوة لأجيال أخري لم تتح لها الفرصة نفسها‏..‏ وقد شاهدت الآلاف من هؤلاء الشباب يلتفون حول جسد الحريري في مشاعر حزن وامتنان وعرفان لإنسان لا ينتسبون إليه دما أو قربي‏..‏ ولكن جمعهم به حب وطن واحد اسمه‏'‏ لبنان‏'..‏


هذه الصورة دارت في رأسي وصفحات الجرائد والصحف والمجلات المصرية مليئة من الغلاف إلي الغلاف عن رجال الأعمال الذين أخذوا أموال الشعب وهربوا أو المسئولين الذين لم يكونوا أهلا للثقة التي وضعها فيهم مواطن غلبان‏..‏ لقد أخذ رجال الأعمال مدخراته وهربوا وبدأوا يتفاوضون مع البنوك وهم يتنقلون ما بين عابرات القارات أو الطائرات الخاصة‏..‏


في زمان مضي أقام طلعت حرب ثكنات صناعية ضخمة في الغزل والنسيج والسكر والزجاج والسينما والمسرح وأقام أكبر بنوك مصر الآن‏..‏ وكان ذلك كله من خلال إحساس عميق بالانتماء لهذا الوطن‏..‏ وكان طلعت حرب موظفا صغيرا في بداية حياته‏..‏ وفي زمان مضي أقام أثرياء مصر الذين لم يحصلوا علي القروض من البنوك المدارس والمستشفيات بأموالهم الخاصة بل إن جامعة القاهرة العريقة أقيمت بمجوهرات الأميرة فاطمة ابنة الخديو إسماعيل وعهده البائد القديم‏..‏


أريد أن أسأل وزير التعليم العالي د‏.‏ عمرو عزت سلامة‏..‏ كم طالب بعثة سافر إلي الخارج علي نفقة رجل أعمال مصري أو ثري مصري في الأعوام الثلاثين الماضية‏..‏ أريد أن أسأل وزير التربية والتعليم د‏.‏ أحمد جمال الدين‏..‏ كم مدرسة في مصر أقيمت برأسمال شخصي لأثرياء في هذا البلد‏..‏ أريد أن أسأل د‏.‏ محمد عوض تاج الدين وزير الصحة‏..‏ كم مستشفي أقيم في مصر من أموال رجال الأعمال الهاربين أو المقيمين‏..‏ لقد غاب عنا شيء عظيم اسمه المسئولية الاجتماعية في مصر‏..‏ وهذه أشياء كان الأثرياء يقومون بها وهم يشعرون بأن هذا واجبهم ومسئوليتهم تجاه البسطاء من أبناء هذا الشعب‏..‏


لقد تصدي القطاع الخاص عندنا لكي يشارك بدوره في مشروعات التنمية بتشجيع غير مسبوق من الدولة‏..‏ والغريب أن معظم الذين شاركوا اختاروا مجالات غريبة‏..‏ إما تجارة الأراضي والعقارات أو استيراد السلع المضروبة عديمة الصلاحية مثل اللحوم والأسماك أو المضاربات في البورصة داخليا وخارجيا بأموال البنوك وليس بأموالهم أو أعمال السمسرة والاتجار في الأراضي الحكومية ولم أقرأ يوما أن رجل أعمال خصص منحة مالية بمائة مليون جنيه مثلا لإرسال بعثات إلي الخارج‏..‏ حتي الذين اخترناهم لمثل هذه المجالات علي نفقة الدولة كانوا من أبناء الأكابر والمحاسيب‏.‏


والأغرب من ذلك كله أن القطاع الخاص ورجال الأعمال الذين وضعت الدولة عليهم كل آمالها في الإنتاج والاستثمار والعمل خذلوها في قضية مهمة وهي مواجهة أزمة البطالة‏..‏ وتكدست الأجيال في الشوارع بلا عمل‏..‏ إن مشروعات الخصخصة تخلصت من العاملين فيها وتوقفت الدولة عن تعيين الخريجين وتركت مسئولية ذلك للقطاع الخاص‏..‏ ولم يكن القطاع الخاص علي مستوي المسئولية‏..‏ وكانت النتيجة ما نراه الآن‏..‏


إن أهمية رجل الأعمال الحقيقي ليست في ملايينه الكثيرة ولكن في التزامه بواجباته تجاه وطنه وناسه‏..‏ أما رجال الأعمال الهاربين الذين يتفاوضون من الخارج اعتقادا بأنهم في مركز قوة‏..‏ فليس من القوة أو النبل أن أسرق بيتا وأساوم صاحبه لكي أعيد له بعض ما سرقت‏.‏


كانت دموع اللبنانيين خلف‏'‏ نعش‏'‏ الحريري دموعا صادقة‏..‏ فالرجل لم يكن زعيما سياسيا بالمعني التقليدي لهذا الكلمة‏..‏ ولم يكن رئيس حزب سياسي‏..‏ ولم يكن شيخ طريقة عاش وسط مريديه‏..‏ لقد كان رجل أعمال طاف بلاد الدنيا ليجمع هذه الثروة التي عاد بها إلي وطنه في ساعة محنة ليخفف عنه البلاء ويعيد له مرة أخري ثقته في نفسه وفي قدراته‏..‏ وفي الحياة‏..‏


إن شباب لبنان الذين علمهم الحريري‏..‏ وتولي مسئوليتهم‏-‏ وكان بينهم المحروم والفقير واليتيم والضائع درس لكل رجال الأعمال في هذه الأمة المنكوبة في حاضرها والساخطة علي ماضيها وفاقدة الثقة في مستقبلها‏..‏ إن مثل هؤلاء الرجال الذين يدركون معني الانتماء والمسئولية والالتزام هم الأحق بحب الناس ومشاعر الملايين بعيدا عن دجل السياسة وحوارييها‏..‏


لم تكن دموع الشعب اللبناني علي رفيق الحريري دموع وداع علي زعيم سياسي رحل‏..‏ ولكنها كانت دموع عرفان لمواطن شريف أدرك عن وعي وإيمان ومصداقية المعني الحقيقي للانتماء‏.‏


هوامش حرة 25/2/2005