Loading

السبت، 23 يناير، 2010

عيد الحب الدامي‏..‏ في بيروت

هوامش حرة
عيد الحب الدامي‏..‏ في بيروت
يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة

 
 
ما أكثر الأيام الدامية في التاريخ العربي الحديث‏..‏ وما أكثر الأيام السوداء التي غطت سماء هذه الأمة في الأعوام الخمسين الماضية‏..‏ وكان لبنان الوطن الجميل أسوأ البلاد العربية حظا ونصيبا في هذا التاريخ الأسود‏..‏ لقد بقي هذا الوطن ينزف أمام عيون أشقائه أكثر من‏16‏ عاما دون أن يمد له أحد يدا أو يحاول إنقاذه‏..‏ كانت الحرب الأهلية في لبنان واحدة من كبري الجرائم في زماننا‏..‏ وقد شاركت في هذه الجريمة أطراف عربية ودولية‏..‏ ومحلية‏..‏ وكان الشعب اللبناني أول وآخر ضحاياها‏..‏

وفي منتصف يوم الإثنين الماضي أطلت أشباح الحرب الأهلية تحوم مرة أخري أمام فندق‏'‏ سان جورج‏'‏ في قلب بيروت في جريمة بشعة‏..‏ بل مذبحة دامية راح ضحيتها رئيس وزراء لبنان السابق رفيق الحريري‏..‏ الرجل الذي أعاد بناء لبنان واستطاع في سنوات قليلة أن يضع لبنان علي خريطة العالم مرة أخري‏..‏

لقد شاهدت بنفسي آثار الجريمة والدماء تتناثر في كل مكان وأطلال عشرات السيارات المحترقة‏..‏ وحفرة في أعماق الأرض تبدو وكأنها تعرضت لزلزال مدمر‏..‏

كان يوم الإثنين الماضي واحدا من أطول الأيام التي عشتها‏..‏ حملت حقائبي واتجهت إلي مطار القاهرة بدعوة من قناة‏'‏ المستقبل‏'‏ ضيفا علي برنامجها الأشهر‏'‏ خليك في البيت‏'‏ الذي يعده ويقدمه زاهي وهبي‏..‏ ساعة من الوقت وكانت الطائرة تهبط في مطار بيروت وفي عيون المستقبلين والمسافرين كانت الدموع تبدو من بعيد‏..‏ وكان السؤال‏:‏ ماذا حدث‏!..‏ وكان الجواب‏:‏ قتلوا الحريري‏!!..‏

حملتني السيارة ومندوبو قناة‏'‏ المستقبل‏'‏ إلي الفندق‏..‏ كل الطرق إلي منطقة الفنادق مزدحمة بالناس ورجال الشرطة وسيارات الإسعاف‏..‏ إن فندق‏'‏ راديسون‏'‏ الذي سأنزل فيه في قلب الحادث‏..‏ إن أمامه مباشرة فندق‏'‏ سان جورج‏'‏ الذي تمت أمامه الجريمة علي طريق الكورنيش‏..‏ وأمامه فندق‏'‏ فينيسيا‏'‏ أشهر فنادق بيروت‏..‏ وأمام هذه الفنادق اشتعلت الشرارة الأولي للحرب الأهلية في لبنان في منتصف السبعينيات‏..‏

تركت الفندق وذهبت إلي موقع الحادث‏..‏ واحدة من أبشع الصور التي يمكن أن يراها إنسان‏..‏ واجهات البيوت محطمة تماما‏..‏ كميات مخيفة من الزجاج تتناثر بالأكوام في كل مكان‏..‏ المحلات والمطاعم وقد دمر الانفجار واجهاتها الزجاجية تماما‏..‏ حفرة ضخمة يخيل إليك أنها بداية حفر مشروع ناطحة سحاب ضخمة‏..‏ أكثر من مائة سيارة محطمة‏..‏ سيارة الحريري وسيارات حراسه الستة مدمرة بالكامل ولا شيء فيها يؤكد أنها كانت سيارات‏..‏ وكان فيها بشر قد تفحموا تماما‏..‏ رجال الشرطة يحيطون بالمكان‏..‏ والسيارات مازالت ترتفع فيها ألسنة اللهب‏..‏ منظر حزين كئيب دام‏..‏ الناس في الشوارع لا يصدقون ما حدث‏..‏ لقد نسيت الأجيال الجديدة مأساة الحرب الأهلية التي دمرت في لبنان مبانيه وأهله‏..‏ وترابه‏..‏

لقد زرت لبنان من قبل أكثر من مرة‏..‏ شاهدته وطنا جميلا رائعا في بداية السبعينيات وقبل اندلاع كارثة الحرب بعامين‏..‏ كان الدولار الأمريكي يومها يساوي بضع ليرات لبنانية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة‏..‏ وكان الاقتصاد اللبناني أنشط وأنجح اقتصاديات العالم العربي‏..‏ وكانت السياحة في لبنان قمة النشاط الاستثماري في البلاد‏..‏ وكانت شوارع لبنان العريقة تجمع عبق الماضي الجميل وسحر الحاضر المتطور‏..‏ وكان الشعب اللبناني من أرقي الشعوب العربية فنا وثقافة وإبداعا‏..‏ وكان اللبنانيون بالفعل يمثلون قمة التحضر في التعامل والذوق الرفيع‏..‏ كانوا يتصارعون طوال اليوم من أجل صفقة تجارية أو خلافات في الفكر أو الرأي أو الشعر أو السياسة‏..‏ وفي الليل تجمعهم موائد الطعام والشراب في كل مكان‏..‏ وكان الشعب اللبناني هو الشعب العربي الوحيد الذي يؤمن بكل الأديان لأنه لا يعرف التعصب‏..‏ ولا يؤمن بالعداء بين الأديان‏..‏ لأن الأديان لله‏..‏ ولبنان الجميل وطن للجميع‏..‏

في فترة ما قبل الحرب الأهلية كان لبنان قد وصل إلي قمة تألقه‏..‏ وكان الحاقدون والمتخلفون والطامعون ينظرون إلي الوطن الصغير ويتعجبون كيف فعل هذا الشعب الصغير كل هذا الإنجاز الكبير‏!..‏ وحلت اللعنة علي وطن الجمال‏..‏ ولا أحد يعرف حتي الآن هل كانت لعنة من الأشقاء والجيران‏..‏ أم لعنة من الأعداء‏..‏ أم لعنة الشعب اللبناني نفسه الذي تخلي عن أجمل ما كان فيه وهي روح الشعب الواحد والحب الواحد‏..‏ والمستقبل الواحد‏!..‏

في منتصف السبعينيات كنت عائدا من رحلة طويلة في الهند وتوقفت بنا الطائرة في مطار بيروت‏..‏ كان صوت الرصاص يدور حولنا ودانات المدافع تنطلق في كل مكان‏..‏ وكانت أشباح الخراب تغطي مدينة الجمال‏..‏ بيروت‏..‏ التي تحولت أمام الجنون إلي خرائب‏..‏

ما بين لبنان ما قبل الحرب الأهلية‏..‏ ولبنان ما بعد الحرب الأهلية قصة شعبين‏..‏ شعب بني وطنا جميلا‏..‏ وشعب آخر دمر كل شيء‏..‏ والحقيقة أن الشعبين كانا شعبا واحدا يحمل جواز سفر واحدا‏..‏ وملامح متشابهة‏..‏ ولكن الذي اختلف هو الإنسان‏..‏ ما بين عشق الحياة والرغبة في الموت‏..‏ وكانت الحرب الأهلية اللبنانية قمة المأساة‏..‏

هذا هو لبنان‏..‏ الذي توحد يوما وصنع معجزة اقتصادية‏..‏ وهو لبنان نفسه الذي تشرد يوما وصنع كارثة إنسانية‏..‏ الإنسان واحد‏..‏ والوطن واحد‏..‏ ولكن شتان بين يد تبني وأخري تحمل الرشاش‏..‏

وبعد سنوات من الحرب والدمار استرد لبنان عافيته وتجاوز سنوات المحنة‏.‏ وهنا أطل وجه الحريري الملياردير صاحب الملايين‏..‏ وبدأت شوارع لبنان تستقبل المارة مرة أخري وبدأت المباني تتخلص من أطلالها‏..‏ والناس‏-‏ وهم الأهم‏-‏ يتخلصون من شبح الموت الذي يطاردهم‏..‏ كانت تجربة رفيق الحريري في إعادة بناء لبنان تجربة فريدة‏..‏ لقد استطاع أن يعيد اللبنانيين إلي وطنهم وكان يدرك أن لبنان يحتاج إلي أموال كثيرة فاستغل علاقاته القوية مع دول الخليج خاصة السعودية‏..‏ واستغل علاقاته الأوروبية خاصة مع فرنسا‏..‏ وخلال فترة قصيرة استطاع أن يعيد لبنان إلي خريطة العالم استثمارا وإنتاجا ودورا‏..‏

وكانت مأساة الحريري أمام فندق سان جورج‏..‏ وهي ليست مآساة شخص‏,‏ ولكنها كارثة وطن‏..‏

عندما كنت أغادر مكان الجريمة وأتجه إلي الفندق القريب المجاور الذي أنزل فيه‏..‏ كانت هناك أشياء كثيرة تدور في ذهني تتجاوز مرارة اللحظة وعمق الجريمة وحجم المأساة‏..‏

كان السؤال‏:‏ لبنان إلي أين‏!..‏ وكان السؤال الأخطر‏:‏ هل يجد لبنان من بين عقلائه من يتجاوز هذه المحنة‏..‏ إن مأساة لبنان ما بعد الحرب أنه لم يعد كما كان لبنانا واحدا‏..‏ إن في لبنان أكثر من شعب‏..‏ وأكثر من جيش‏..‏ وأكثر من دين‏..‏ وأكثر من رئيس دولة أو رئيس حكومة‏..‏ وأكثر من زعيم سياسي‏..‏ مأساة لبنان الآن أن التعددية‏-‏ وقد كانت أجمل ما فيه قد تحولت إلي عبء كبير علي الشعب والدولة‏..‏

في لبنان الآن معارضة قوية تقف في وجه النظام وترفض الوجود السوري وترفض تقسيم لبنان المسيحي والمسلم‏..‏ وترفض لبنان الميليشيات والجيوش متعددة الجنسيات‏..‏ وهي معارضة قوية وواعية وتدرك الهم اللبناني بكل تفاصيله‏..‏ وفي الجانب الآخر يقف النظام حائرا ما بين القوات السورية الموجودة علي التراب اللبناني‏..‏ والصراعات الداخلية ومحاولات التقسيم‏..‏ وقد كان الحريري واحدا من أبرز القيادات التي ترفض تقسيم لبنان وتصر علي بقاء لبنان الوطن الواحد‏..‏

في جانب آخر‏..‏ تقف بعيدا مواكب المعارضة الخارجية‏..‏ البعض منها يري تقسيم لبنان‏..‏ والبعض الآخر يري ضرورة جلاء القوات السورية‏..‏ والشعب اللبناني ينتظر‏..‏

وقبل هذا كله فإن الطامعين في لبنان يتربصون به من كل جانب‏..‏ إن للقوي الدولية‏-‏ خاصة أمريكا وفرنسا حسابات كثيرة في لبنان‏..‏ وهناك حسابات أخري للدولة الصهيونية خاصة في الجنوب ابتداء بحزب الله وانتهاء بالجنوب اللبناني كله‏..‏

إن أمريكا تتصور أحيانا أن الطريق إلي دمشق وطهران يمكن أن يعبر علي أشلاء بيروت‏..‏ وهنا سوف يدفع لبنان ثمنا باهظا في تصفية حسابات ليس طرفا فيها‏..‏ كما أن السلطة في لبنان تقف حائرة بين ضغوط كثيرة بعضها في الداخل والبعض الآخر يأتي رياحا عاصفة من الخارج‏..‏ وفي كل الأحوال سيكون لبنان هو الضحية‏..‏ وربما كان اغتيال الحريري بداية عاصفة جديدة‏..‏

وما بين وصول الطائرة إلي بيروت يوم الإثنين الماضي في الثانية والنصف ظهرا‏..‏ ومغادرة الطائرة في الثامنة مساء اليوم نفسه كنت أشاهد لبنان الرائع الجميل وأنا عائد إلي القاهرة منشطرا بين أهله‏..‏ هذا ينزع جزءا من هنا‏..‏ وذاك ينزع جزءا من هناك‏..‏ علي الرغم من أن الجميع يشارك في الجريمة‏..‏ ولبنان وطن الجمال ينبغي ألا يعود أبدا مسرحا للجريمة‏..‏ وما بين الساعة الثالثة والساعة الثامنة عشت أطول يوم في حياتي خلال خمس ساعات‏..‏ ذهبت إلي بيروت مشاركا في‏'‏ عيد الحب‏'‏ في الصباح‏..‏ وعدت في مساء اليوم نفسه من بيروت وقد شاهدت واحدة من كبري جرائم الإرهاب‏..‏ وكانت مصادفة غريبة آن آذهب إلي بلد الجمال والحب في يوم عيد الحب‏..‏ ولا آري هناك إلا جريمة بشعة دبرتها يد الإدهاب‏..‏ لعنة هذا العصر‏..‏

ومات الحريري آكبر رموز الحب والعطاء لدي الشعب اللبناني‏..‏ في يوم عيد الحب‏..‏
وهكذا عشت عيدا للحب الدامي في بيروت‏!!..‏