Loading

السبت، 23 يناير 2010

الشارع المصري‏..‏ وظواهر الانفصام

هوامش حرة
الشارع المصري‏..‏ وظواهر الانفصام
يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة

 
 
من يقرأ صحف المعارضة أو الصحف المستقلة في مصر الآن يشعر أننا نعيش في كارثة‏..‏ كل شيء بين السطور مظلم وقاتم وكئيب‏..‏ ومن يسمع المسئولين وهم يتحدثون عن الأحلام والأماني والمستقبل يشعر أن الحياة وردية وليس هناك أروع ولا أجمل مما نحن فيه‏..‏ إن المسئولين دائما مبتسمون منتشون فرحون‏..‏ والمعارضون دائما مكتئبون ساخطون رافضون‏..‏ وللأسف الشديد أنه لا توجد منطقة وسطي بين مشاعر الانتشاء وحالات الاكتئاب‏..‏ ولا توجد مساحة ما بين التأييد الأعمي والرفض الساخط‏..‏ لأن الواقع واحد‏..‏ والوجوه واحدة‏..‏ والأرقام واضحة ولا تبدو في الأفق بوادر معجزات أو أشياء خارج حدود العقل‏..‏ فما هو السر في هذا الانفصام الغريب والمريب في قراءتنا لواقع حياتنا سواء كانت قراءة متفائلة إلي حد التجاوز‏..‏ أو محبطة إلي حد الاكتئاب‏..‏

ولابد أن نحاول إرجاع هذه الظاهرة إلي أسبابها‏..‏ وفي تقديري أن الأمر لا يحتاج إلي مزيد من التفلسف أو الادعاء أننا أمام فريقين أحدهما يملك كل شيء والآخر لا يملك أي شيء‏..‏ نحن أمام فريق في يده سلطة القرار‏..‏ وسلطة المال‏..‏ وحق الاستمتاع بكل شيء‏..‏ وينبغي ألا يلومه أحد أو يشكك في مواقفه إذا كان يري الحياة وردية وجميلة ورائعة‏..‏ هذا الفريق لا يوجد في بيت أحد منه شاب عاطل أو لغم مؤقت‏..‏ ولم يطرد من مصنع كان يعمل فيه بعد أن باعوه في سوق الخصخصة‏..‏ ولا يوجد أحد من أفراد أسرته في معهد السرطان مصابا بسبب المبيدات المسرطنة التي أكلت لحوم الناس‏..‏ ولا يعاني من أزمة مصاريف المدارس لأنه يدفعها بالدولار‏..‏ ولا يفكر في أسعار الجبن والسكر واللحوم لأنه لا يستخدم اللحوم السودانية ولا ينتظر الخرفان القادمة من إثيوبيا‏..‏ وهذا الفريق يفعل كل شيء ولا ينتظر رأيا من أحد‏..‏ ابتداء بتسوية ديون الهاربين بأموال البنوك وانتهاء بإصدار قوانين تخدم مصالح أشخاص يمثلون الآن قشرة المجتمع التي تحصل علي كل شيء‏..‏

في الجانب الآخر يقف فريق عاجز لا حول له ولا قوة‏..‏ حيث لا سلطة ولا مال ولا حتي ما كان يسمي‏'‏ راحة البال‏'..‏ هذا المأوي القديم الذي كان أحيانا يخفف آلام الناس ومعاناتهم‏..‏ وهذا الفريق يفكر منذ الصباح الباكر في مصاريف الدروس الخصوصية‏..‏ وزحام الشوارع‏..‏ وإلغاء السنة السادسة‏..‏ وتغيير المناهج‏..‏ والسحابة السوداء‏..‏ وأسعار السلع وفي بيته خمسة ألغام توشك علي الانفجار حيث الشباب والبنات بلا عمل أو أسرة‏..‏ في هذه التركيبة لابد أن تكون هناك درجة من درجات الانفصام وهي تتراوح ما بين فقدان القدرة علي التركيز أو فقدان العقل تماما‏..‏ كما أن علاج الانفصام يتراوح ما بين الأقراص المهدئة التي يقررها الطبيب‏..‏ أو الصدمات الكهربائية‏..‏ وكل حالة حسب ما تحتاج إليه من العلاج‏..‏ وفي تقديري أننا جميعا تجاوزنا حدود الأقراص المهدئة‏..‏ وأننا نحتاج إلي علاج قد يتجاوز الصدمات الكهربائية‏..‏

وهناك مؤشرات كثيرة تؤكد حالة الانفصام ما بين الناس وسلطة القرار‏..‏ وما بين سطوة المال وطغيان الفقر‏..‏ أو ما بين الاكتفاء‏..‏ والحاجة‏..‏ وكلها مسميات تعكس صورة من صور التناقض في حياتنا التي وصلت إلي ما يمكن أن نسميه القبول الأعمي أو الرفض الكامل‏..‏

إن مصر كلها‏..‏ إعلاما وصحافة وشاشات تليفزيونية‏..‏ تتحدث الآن عن التكنولوجيا المتطورة‏..‏ وكان ذلك كله بمناسبة زيارة أغني أغنياء العالم‏'‏ بيل جيتس‏'‏ صاحب شركة‏'‏ مايكروسوفت‏'‏ أكبر الشركات الأمريكية في مجال التكنولوجيا المتقدمة‏..‏ ولا شك أن تطلع المصريين إلي عصر جديد وأساليب حياة معاصرة وطرق جديدة في العمل والسلوك والتفكير شيء رائع وجميل ولكن ذلك يصبح شيئا من الرفاهية الشديدة أمام مدرسة لا توجد فيها دورة مياه‏..‏ أو أحياء بالكامل في قلب العاصمة العريقة لا توجد فيها‏'‏ بلاعة‏'‏ لمياه المطر‏..‏ مما يجعل العاصمة تغرق في شبر ماء إذا جادت علينا السماء ببعض المطر‏..‏ ويصبح هذا تفكيرا غريبا أمام ملايين الشباب الذين يريدون فرصة عمل وهي لن تكون بالتأكيد في أحد مشروعات‏'‏ بيل جيتس‏'‏ لأنها محجوزة لأبناء الصفوة قبل أن يتخرجوا في المدارس وليس الجامعات‏..‏

وبعد ذلك كله تثور الدنيا والإعلام والصحافة لأن جيتس قرر أن يستثمر في مصر‏150‏ مليون جنيه وهو الذي تبرع في العام الماضي بثلاثة بلايين دولار من أجل مشروعات الخير في العالم‏..‏ إن‏150‏ مليون جنيه لا تكفي لتغطية سفريات اللجان البرلمانية في مجلسي الشعب والشوري إلي الخارج ولا تغطي نفقات مهرجان أو اثنين وأضاعت مصر مثلها في مونديال الصفر‏..‏ واحتفالات الألفية الثالثة وهي لا تكفي لشراء عدد من اللاعبين المحترفين الذين يعانون مرض الكساح الكروي‏..‏ فلماذا كل هذه الضجة‏..‏ وهل مصر بكل قدراتها تهتز هكذا أمام‏150‏ مليون جنيه‏..‏ هذه الملايين اشتري بها الرئيس كلينتون والمغنية مادونا فيلتان في مياه دبي في أحد المشروعات العقارية العملاقة في قلب البحر وهذه الملايين أخذ أضعاف أضعافها رجل أعمال هارب‏..‏ أو آخر في السجن‏..‏ أو ثالث لا يريد السداد‏.‏

هذا نموذج من النماذج الصارخة لحالة الانفصام‏..‏ ما بين الناس‏..‏ وما بين القرار‏..‏
نموذج آخر‏..‏ لماذا لا تعرض الحكومة صفقات برامج الخصخصة علي الجهات الرقابية قبل البت فيها‏!..‏ وكيف يكون من حق مسئول فرد ـ مهما كانت عبقريته ـ أن يبيع ثروة شعب في ظل غياب كامل لهذا الشعب‏!..‏ أين مجلس الشعب‏!..‏ وأين مجلس الشوري‏!..‏ وأين الجهاز المركزي للمحاسبات‏!..‏ وأين الرقابة الإدارية‏!..‏ أليس من حق هذا الشعب أن يكون رقيبا علي ماله‏..‏ ومن الذي يعطي المسئول الحق في التوقيع علي عقد بيع شيء هو ملك لسبعين مليون مواطن دون أن يحصل علي تفويض بذلك‏!..‏ إن في ذلك إخلال بكل القوانين والأعراف‏..‏ إن من واجب السلطات الشعبية أن تراقب إجراءات بيع مشروعات القطاع العام‏..‏ وينبغي ألا نترك إتمام هذه الصفقات الضخمة في يد مجموعة من المسئولين أيا كانت مناصبهم خاصة أن الكثير منها يحتاج إلي قدر أكبر من الشفافية‏..‏ أليس في بيع مشروعات القطاع العام ـ دون رقابة ـ حالة انفصام بين المواطنين ـ وهم أصحاب الحق ـ وأهل القرار الذين ينبغي ألا ينفردوا بهذا الحق‏!..‏

نموذج ثالث‏..‏ ما هو المبرر في كل هذه السرعة في إصدار القوانين وكأنها طلقات رصاص‏..‏ قوانين للجمارك والضرائب وتيسيرات للمتعثرين وإجراءات لإخفاء أشباح جريمة‏..‏ وعلي الجانب الآخر‏..‏ لم نجد هذا الحماس في مواجهة أزمة خطيرة مثل البطالة والملايين من أبنائنا بلا عمل‏..‏ لم نجد هذا الحماس في مواجهة جشع التجار أمام مأساة اسمها‏'‏ ارتفاع الأسعار‏'..‏ لم نجد هذا الاندفاع أمام المباني العشوائية التي أكلت ما تبقي من الأرض الزراعية للأجيال المقبلة‏..‏ لماذا نندفع هنا‏..‏ ونتباطأ هناك‏!..‏ أليس ذلك نوعا من أنواع الانفصام‏!..‏

نموذج رابع‏..‏ إن الحديث الآن يتركز في جانب واحد من جوانب الإصلاح وهو الجانب الاقتصادي ولا خلاف بيننا حول ذلك‏..‏ ولكن من أين يأتي الإصلاح الاقتصادي في ظل واقع سياسي يحتاج إلي إعادة النظر في الكثير من أساسياته‏..‏ وأين الدول التي نجحت في مشروعاتها الاقتصادية دون تغييرات سياسية مواكبة لهذه المشروعات‏..‏ إن الصين لم تحرر اقتصادها إلا بعد أن غيرت واقعها السياسي حتي وإن حافظت علي تجربتها مع الاشتراكية‏..‏ وكل دول العالم التي قفزت خطوات سريعة وحاسمة نحو التطور كانت تدرك تلك العلاقة الوطيدة بين الإصلاح السياسي والإصلاح الاقتصادي‏..‏ وأكبر الشواهد علي ذلك ما حدث في أوروبا الشرقية بعد رحيل الاتحاد السوفيتي‏..‏ لقد عشنا سنوات طويلة نتحدث عن رغيف الخبز وأنه يسبق بطاقة الانتخابات‏..‏ واكتشفنا أننا خسرنا الاثنين معا‏.‏

لابد أن نعترف أننا أمام واقع اجتماعي واقتصادي جديد‏..‏ إن المشكلة الحقيقية أن هذا الواقع لا يحقق المساواة بين المواطنين لأن الذي يملك المال الآن يستطيع أن يستخدمه كورقة حاسمة علي المستوي السياسي دون انتظار عمليات إصلاح أو تغيير‏..‏ إن فرصة رجل الأعمال الذي يملك المال لدخول مجلس الشعب الآن أكبر بكثير من فرصة أستاذ في الجامعة أو كاتب معروف أو طبيب محترم لأن سلطة المال يمكن أن تترجم إلي سلطة سياسية‏..‏ وهنا يحصل رجل الأعمال علي حقوق لا يحصل عليها شخص آخر‏..‏ إنه يشتري الحصانة في مجلس الشعب‏..‏ ويشتري قناة تليفزيونية تعبر عن رأيه‏..‏ ويشتري صحيفة خاصة يدافع بها عن مصالحه ويشتري مسئولين يدبرون له المصالح‏..‏ وهذا كله يعني أن العدالة الاجتماعية لا وجود لها في ظل واقع اجتماعي متوحش‏..‏ السيادة فيه للمال‏..‏ والمال وحده‏..‏ لأن من يملكه يملك كل شيء‏.‏

ومن هنا فإن هناك فئات في المجتمع لن تسعي إلي ما يسمي قضايا الإصلاح السياسي لأنها تحصل علي حقوقها بقوة المال وليس بقوة الدستور أو القانون أو الحريات‏..‏ وهذا مخالف لكل قواعد العمل السياسي وضوابطه‏..‏ في جانب آخر فإن الواضح الآن هو التركيز الشديد علي إتاحة الفرص أمام شرائح محددة من الأجيال الجديدة وفتح كل الأبواب أمامها فكريا‏..‏ وتكنولوجيا‏..‏ وعلميا‏..‏ واقتصاديا حتي تأخذ زمام المبادرة والريادة‏..‏ وهذا شيء لا يرفضه أحد ولكن السؤال‏:‏ علي أي أساس يتم اختيار هؤلاء‏!..‏ وأين بقية طوائف المجتمع وقطاعاته البشرية‏!..‏ وهل يمكن أن نجد مصر يوما وقد تحولت مرة أخري إلي مجتمع النصف أو الربع في المائة أمام واقع اجتماعي واقتصادي مفروض‏!..‏

إن أخطر ما يهددنا الآن أن نجد أنفسنا أمام فريقين‏..‏ أحدهما مهموم إلي حد الاكتئاب وهم الأغلبية‏..‏ والآخر مبسوط إلي حد السفه‏..‏ أو نجد أنفسنا أمام شعبين‏..‏ أشخاص يملكون كل شيء وينقلون هذه الملكيات إلي من سيجيء بعدهم‏..‏ وأشخاص لا يملكون شيئا في الحاضر ولا في المستقبل‏..‏ وقد تقبل الشعوب مثل هذه التقسيمات إذا قامت علي أسس من التميز أو المواهب والقدرات ولكنها تتحول إلي كارثة تهدد كل شيء إذا فرضتها سلطة قرار‏..‏ أو مال‏..‏ أو وصاية‏.‏