Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

رسالتان

هوامش حره



رسالتان


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة










أثار مقالي في الأسبوع قبل الماضي حول‏'‏ غياب منظومة القيم‏..‏ مسئولية من‏!'‏ شجونا كثيرة ويبدو أنه حرك مشاعر تتفاعل داخلنا وقد لا نبوح بها أمام حساسيات وحسابات كثيرة‏..‏ إننا جميعا نري الداء وربما نعرف أسبابه‏..‏ وقد نعرف علاجه أيضا‏..‏ ولكننا ـ للأسف الشديد ومنذ زمان بعيد ـ استسلمنا لحالة من اليأس والسلبية جعلتنا نقبل أشياء ما كان ينبغي أن نقبلها ونهادن واقعا كان الأجدر بنا أن نواجهه بحسم ونسعي لتغييره إلي الأفضل‏..‏ وقد تلقيت تعقيبين حول هذه القضية‏..‏ التعقيب الأول من الأستاذ الدكتور علي السلمي‏..‏ وهو اكبر من أن نعرف الناس به علما وقدرا‏..‏ والتعقيب الثاني من السفير عبد الله الأشعل‏..‏ وهو رجل كان دائما علي مستوي الهم العام فكرا وتأثرا وتأثيرا‏..‏






يقول د‏.‏ علي السلمي في رسالته‏:‏


أهديك أطيب تحية وأبدي إعجابي الشديد بمقالك يوم الجمعة‏21‏ يناير عن‏'‏ غياب منظومة القيم‏..‏ مسئولية من‏!'.‏






أتفق معك في وصفك لمظاهر المشكلة التي يعيشها مجتمعنا كما اتفق مع بعض التفسيرات التي أوردتها ولكني أعتقد أنك لم تلمس السبب الحقيقي والرئيسي في وأد منظومة القيم وإطلاق العنان لمنظومة الفساد‏.‏ ذلك السبب أذكره بلا مواربة ولا محاولة للتجميل وهو‏'‏ نظام ثورة يوليو‏'‏ الذي بدأ في‏1952‏ ولا يزال مسيطرا علي فكر الدولة وتوجهاتها حتي يومنا هذا‏.‏ لقد أفرز نظام ثورة يوليو الأوضاع التالية‏.‏






‏1‏ ـ إلغاء الديمقراطية كنظام حياة عاش المصريون في ظله عقودا طويلة مارسوا خلالها حرية الحركة في انتخاب من يحكمهم من خلال صناديق الانتخابات ومن بين مرشحين لأحزاب متعددة لكل منها برنامجها وتاريخها‏.‏ وقد تم قتل الحياة السياسية للمجتمع المصري بإلغاء الأحزاب وإقامة التنظيم السياسي الوحيد الذي تديره السلطة الحاكمة وفق معاييرها السلطوية‏,‏ فأصبح الجسر الوحيد للوصول إلي المناصب والوظائف والاحتماء من غضب السلطة‏,‏ فأنتج قيم التملق والنفاق والانتهازية والوصولية وسرعة التخلي عن المبادئ والتركيز علي المصالح الذاتية‏.‏






ولعل في حادثة هرولة جميع أعضاء حزب مصر العربي الاشتراكي حين تركه الرئيس السادات وتحولهم إلي الحزب الوطني الديمقراطي خير دليل علي دور الدولة في هدم القيم‏.‏ كذلك لابد أن نذكر كيف يغير نواب الشعب هويتهم كمستقلين والتي انتخبهم الناس علي أساسها ويتحولون إلي الحزب الحاكم ويرحب بهم هذا الحزب علي الرغم من أنه لم يرشحهم في الأساس وفصلهم من عضويته حين أصروا علي الترشيح كمستقلين ثم يعود ويرحب بهم ويضيفهم إلي مجموع المقاعد التي فاز بها‏.‏ أليس هذا أيضا معولا يهدم مبادئ الانتماء والارتباط ببرامج موضوعية دفاعا عن مصالح الجماهير ويكرس مفهوم الانتهازية والسعي إلي تحقيق المصالح الخاصة‏!.‏






‏2‏ ـ سد أبواب ومنافذ التعبير عن الرأي وإلزام الناس بالانصياع لرأي الدولة تحت شعارات فارغة المحتوي مثل‏'‏ لا صوت يعلو علي صوت المعركة‏'‏ و‏'‏النقد في إطار الميثاق‏'.‏ وقد غيبت تلك الممارسات القمعية قيم الصراحة والمصارحة وشجاعة إبداء الرأي المعارض‏.‏






‏3‏ ـ لقد انقلب رجال يوليو علي الديمقراطية التي عايشها الشعب المصري قبلهم لكي يقيموا بديلا عنها نظاما ديمقراطيا وحياة نيابية سليمة ومع ذلك فقد كانت تلك الديمقراطية الناقصة تسمح لنائب في البرلمان مثل مصطفي مرعي بأن يقدم استجوابا للحكومة عن سبب تحمل الخزانة العامة نفقات إصلاح اليخت الملكي‏.‏






‏4‏ ـ روج نظام يوليو أسلوب الاستفتاء في اختيار رئيس الدولة وعاصر الناس مرحلة يحصد فيها الرئيس‏99.9%‏ من الأصوات أغلبها للموتي والممتنعين عن التصويت‏.‏ لقد رأينا في انتخابات مجلس الشعب نوابا يفوزون بالعضوية بمجموع أصوات لا يتعدي الألفين أو الثلاثة آلاف في دوائر يتجاوز عدد الناخبين فيها المائة ألف‏..‏ وتسمي هذه‏'‏ ديمقراطية‏'!!.‏






‏5‏ ـ لقد أنشأ نظام يوليو أوضاعا جعلت المواطن أسير الحكومة فهي التي تسيطر علي كل شيء من تعليم وصحة وتنمية وتشغيل ورعاية اجتماعية وتوزيع للموارد الغذائية وهي المتحكمة في كل شيء في حياة المصريين‏.‏






‏6‏ ـ لقد ضيق نظام يوليو علي الناس وقرب إليه‏'‏ أهل الثقة‏'‏ وحرم‏'‏ أهل الخبرة‏'‏ من الفرص التي يستحقونها في شغل المناصب والمشاركة في العمل الوطني‏.‏ ومن ثم تكرست قيم النفاق والوصولية وإرضاء الحاكم بكل وسيلة ابتغاء الحصول علي المغانم التي يسيطر عليها ويوزعها علي الأنصار والمقربين بغير حساب‏!.‏






‏7‏ ـ سيطر نظام يوليو علي وسائل الإعلام المقروءة والمشاهدة والمسموعة كافة‏,‏ وفرض رجاله وحوارييه لإدارة تلك الآلة الإعلامية لتزيين القبيح وترويج كل ما يتفق مع آراء أهل الحكم وسد المنافذ علي غيرهم للتعبير عن وجهات نظر مخالفة‏.‏ ومارس الإعلام الحكومي كل أشكال التغييب وتسطيح المشكلات وتضخيم الإنجازات التي لا يراها الناس علي أرض الواقع‏.‏






‏8‏ ـ ولا شك في أن الخطيئة الكبري هي هزيمة الإنسان في نكسة‏1967‏ وعلي الرغم من مرور أكثر من خمسين عاما علي قيام نظام يوليو والتحول الشكلي في مظاهر الحكم وآلياته وتغير لغة الخطاب السياسي ومفرداته للحزب الحاكم فلا يزال فكر يوليو هو السائد في الواقع السياسي المصري الذي يعبر عن نفسه في صور شتي منها ما يلي‏:‏


‏*‏ تجمد النظام السياسي والتردد في الانفتاح الديمقراطي وإتاحة فرص المشاركة في العمل السياسي‏.‏






‏*‏ استمرار قانون الطوارئ لمدة تقرب من خمس وعشرين سنة واستمرار العمل بالقوانين والممارسات المقيدة للحريات وما تعانيه النقابات المهنية من تقييد‏.‏






‏*‏ التردد في تحرير وإطلاق حركة منظمات المجتمع المدني ومحاولات السلطة الحاكمة السيطرة عليها وإخضاعها لرقابة أجهزة حكومية متعددة علي الرغم من التوجهات المعلنة بأنها أصبحت شريكا في صنع القرار‏.‏






‏*‏ استمرار السيطرة الحكومية علي منافذ ووسائل الإعلام الرئيسية وانعدام فرص المواطنين في إبداء الرأي في اختيار قيادات الأجهزة الإعلامية والمؤسسات الصحفية‏.‏






‏*‏ انفراد الدولة وحزبها الحاكم في تحديد الهوية الاقتصادية للوطن وإدارة الاقتصاد الوطني وفق رؤي حكومية تتصرف في ثروة الشعب دون الرجوع إليه بكل ما يترتب علي ذلك من مواقف وتصرفات تفتقد الشفافية وتثير الشكوك حول مصداقية القائمين عليها‏.‏






‏*‏ انفراد السلطة بالقرار السياسي وغياب الشفافية وفرص المشاركة في الأمور المحورية التي تهم الوطن وتتصل بمستقبله‏.‏ لقد تعاونت كل تلك العوامل علي هدم منظومة القيم التي تكونت عبر عشرات السنين في مصر وحل محلها التفكك المجتمعي وأنماط ثقافية فاسدة لا تنسجم مع قيم المجتمع المصري الأصيلة وشاع إهدار الطاقات والموارد المجتمعية وتبديد الوقت لفئات كثيرة من المصريين في أنشطة طفيلية لا تضيف كثيرا إلي الثروة الوطنية التي تسيطر علي الجانب الأكبر منها فئة من المحتكرين ورجال الأعمال المقربين من الحكم‏.‏






‏****‏


وهذه هي رسالة السفير عبد الله الأشعل‏..‏


الصديق العزيز‏..‏ في مقالك حول‏'‏ غياب منظومة القيم‏..‏ مسئولية من‏!'‏ عالجت الأمر بقدر كبير من الوضوح‏.‏ لكن اسمح لي أن أسجل ملاحظات قليلة في هذا الموضوع‏:‏






أولا‏:‏ أظن أن القضية لم تعد تتعلق بغياب منظومة القيم وإنما القيم الفاسدة والقيم الطيبة لأن‏'‏ القيم‏'‏ في المفهوم الاجتماعي ـ كما تعلم قطعا ـ تشمل القيم الفاسدة والقيم الطيبة ولكن الاستخدام العام يتجه في كل اللغات إلي المعني الطيب فيقولون رجل القيم والمباديء






‏hommedevaleurs‏


وعندما ألتقي بشباب الدبلوماسيين وهم يخطون أولي خطواتهم في هذا الحقل المهم أزودهم بنصيحتين متناقضتين أولاهما‏:‏ إذا أردت أن ترجو خدمة لبلدك واحتراما لإنسانيتك فازدد ثقافة وعلما نافعين متخصصين وثقافة عامة تصلك بمجتمعاتك التي تتنقل بينها في الداخل والخارج‏,‏ وكن كالنحلة تقبل علي كل الأزهار خلال رحلاتك ولكنها تفرز عسلا خاصا بها‏,‏ وإن حمل نكهة الغذاء الذي تغذت عليه‏.‏






أما الثانية‏:‏ فإذا أردت أن تكون دبلوماسيا لامعا تسطع عليك الأضواء في العواصم الكبري وتمتلئ نبذة حياتك بهذه العواصم دون أن يعني ذلك شيئا بالنسبة لتكوينك فلتكن منافقا ثعبانيا تكسب رؤساءك وتخسر نفسك ووطنك‏,‏ وللأسف كل هذه الطاقات بالوزارة يمكن أن توفق بين رضا الرؤساء وخدمة الوطن‏,‏ وهنا أصل إلي صلب تساؤلك في المقال وهو أن الرأس هو الذي يشيع القيم الطيبة أو الفاسدة‏,‏






فالعبرة برأس المكان يستقطب الكفاءات التي تتمتع بالانتماء والإخلاص والحرص علي المصلحة العامة وعندها يتسق العام مع الخاص عندما يتطابق الهوي العام مع الهوي الخاص تمثلا بقول عائشة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم‏:'‏ كان القرآن هواه‏'.‏






ثانيا‏:‏ تداول المناصب والسلطة وغيرها يتحقق باحترام القانون ـ أي قانون ـ مع كل الاحترام للقدرات الشخصية‏.‏ أما طول مدة بقاء المسئول‏.‏ وتبقي المشكلة يا صديقي‏:‏ كلنا يحسن التشخيص وكل العلاج يتجه إلي ضرورة الإصلاح‏..‏ فمن أين نبدأ وقد تكرست أوضاع ونمت مصالح وأشخاص تدافع عن هذه الأوضاع‏!..‏ أظن وأرجو ألا أكون مخطئا أن مصر بحاجة إلي روح جديدة علي السطح وفي الأعماق‏,‏ فعلي السطح يشيع التعلق وفي الأعماق الآن يطفو التملق‏,‏ وهنا يبرز دور المثقفين الكهنة المثابرين وأهمية الإصرار علي الكتابة بعد أن أصبحنا نكتب لأنفسنا‏.‏