Loading

الجمعة، 22 يناير، 2010

حكومة لكل المصريين‏..‏

هوامش حرة



حكومة لكل المصريين‏..‏


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة








من الظلم أن نحاسب الآن حكومة الدكتور أحمد نظيف‏..‏ فلم يمض علي وجودها في السلطة إلا شهور قليلة‏..‏ وينبغي أن يكون لديها المتسع من الوقت حتي تقترب أكثر من قضايانا الحقيقية وتصل إلي ما يشبه الرؤية الشمولية لواقع المشكلات في مصر حتي تبدأ رحلة العلاج‏..‏ ولكن للإنصاف فإن الحكومة الجديدة سريعة في إيقاعها حاسمة في قراراتها‏..‏ وإذا قارناها بحكومات سابقة فإنها بكل المقاييس أكثر اندفاعا وأكثر جرأة في مواجهة الواقع‏..‏ وربما كان السبب الرئيسي في ذلك أن في الوزارة دماء جديدة شابة خاصة في قطاعها الاقتصادي تحاول أن تؤكد وجودها وتستخدم وسائل أكثر معاصرة في حل مشكلاتنا الاقتصادية المعقدة‏..‏


وعلي الرغم من أن هذا التوجه يلقي تأييدا واسعا علي المستويين الرسمي والشعبي‏..‏ فإن هناك بعض الجوانب التي تستحق أن نلقي الضوء عليها في دوامة هذه القرارات سواء كانت في شكل قوانين أو قرارات وزارية‏.‏






الواضح أن الحكومة بدأت مواجهتها مع ما يمكن أن نسميه‏'‏ المشكلات العليا‏'..‏ بمعني آخر أنها أعطت اهتماما خاصا لقوانين لا تخص الشريحة الأكبر في المجتمع وعلي رأسها قوانين الجمارك والضرائب والبنوك‏..‏ وقد يري البعض أن آثار هذه القوانين سوف تظهر في وقت لاحق علي أسعار السلع ومستوي الدخول وتوافر مطالب الناس‏..‏ في جانب آخر يري البعض أن هذه القوانين أبعد ما تكون عن الطبقات الفقيرة‏..‏ وهنا ندخل في بعض التفاصيل‏:‏


أولا‏:‏ اهتمت الحكومة بصورة مبالغ فيها بتصفية الخلافات بين البنوك ورجال الأعمال المتعثرين حتي بدا الأمر وكأنه محاولة لإبرام صفقة سريعة مهما كانت الخسائر‏..‏ ولهذا أخفت البنوك تماما حقيقة ما جري بينها وبين المتعثرين‏..‏ سواء كانوا من المقيمين أو الهاربين‏..‏ ولا أحد يرفض إطلاقا مبدأ التسويات وعودة حقوق البنوك وإنقاذ رجال الأعمال من أخطار الإفلاس أو السجون‏..‏ لا يوجد من يعترض علي ذلك‏..‏ ولكن ليس من المنطقي أن يتحول هؤلاء إلي ضحايا أمام الرأي العام وأن البنوك هي التي تعسفت مع هؤلاء الناس‏..‏ وأن القضاء سجنهم بلا أسباب‏..‏ والنيابة منعت سفرهم بلا مبررات‏..‏ هؤلاء الأشخاص مدينون للبنوك‏..‏ وهناك قواعد وضوابط في العمل المصرفي تطبق علي الجميع‏..‏ متعثرين وغير متعثرين‏..‏ ويجب تنفيذها‏..‏ ولكن الأمور اختلفت في هذه التسويات‏..‏ وأصبح الهاربون بأموال البنوك ضحايا‏..‏ وهذا شيء عجيب‏!!..‏


وبقدر السرعة التي تحاول بها الحكومة إنهاء مشكلاتها مع المتعثرين فإن الضحايا الحقيقيين في شركات توظيف الأموال ولهم حقوق لدي الحكومة لم يسأل عنهم أحد‏..‏ كان آخر كلام أعلنه د‏.‏ عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق أن جميع مستحقات ضحايا شركات توظيف الأموال سوف ترد لهم قبل نهاية عام‏2004‏ وكان هذا تعهدا والتزاما واضحا من الحكومة تجاه هؤلاء الناس‏..‏ ولم تصرف الحكومة قرشا واحدا لضحايا شركات توظيف الأموال‏..‏ علي الرغم من أن أصول هذه الشركات قد زادت عشرات الأضعاف أمام ارتفاع أسعار العقارات والأراضي والمصانع والدولار‏..‏ وهنا يتضح لنا الفارق الكبير في معالجة المشكلات حيث تسعي الحكومة إلي إنقاذ الهاربين بأموال البنوك وهم مدينون لها‏..‏ ولا تعطي لضحايا شركات توظيف الأموال حقوقهم لديها‏.‏






ثانيا‏:‏ اهتمت الحكومة بقوانين الضرائب والجمارك حيث خفضت الرسوم الجمركية بنسب متفاوتة علي السلع ابتداء بالسيارات وانتهاء بالمواد الخام‏..‏ وفي الوقت نفسه تسعي إلي فتح أبواب جديدة لتيسيرات ضريبية لعل أخطر ما فيها مبدأ التصالح والتوسع الكبير في تسوية حالات التهرب الضريبي مع رجال الأعمال والقطاع الخاص‏..‏ ولا شك في أن جمارك السيارات تهم شريحة قليلة جدا من المواطنين‏..‏ وأن السعي إلي تسوية مستحقات الدولة الضائعة من الضرائب يهم أيضا شريحة قليلة‏..‏ وهنا نأتي إلي موقف مضاد لم يجد أحدا يناقشه أو يهتم به‏..‏


إن محصول القطن مازال حتي الآن قابعا في بيوت الفلاحين في مصر ما بين حرارة الجو وأمطار الشتاء‏..‏ فلا الحكومة قامت بشراء المحصول من الفلاحين‏..‏ ولا القطاع الخاص شارك في ذلك‏..‏ والمشكلة في الأساس جاءت نتيجة انخفاض الأسعار العالمية للقطن أمام زيادة الإنتاج في كل من أمريكا والهند‏..‏ كانت شركات تصدير الأقطان المصرية قد تعاقدت علي بيع المحصول ولكن الأسعار العالمية انخفضت بصورة كبيرة مما جعل هذه الشركات تلغي التعاقدات وتتحمل غرامة عدم التنفيذ وهي‏10%..‏ وكانت النتيجة انخفاض سعر القطن من‏1200‏ جنيه في العام الماضي إلي‏600‏ جنيه في العام الحالي‏..‏ وحتي بهذا السعر لم يجد القطن من يشتريه‏..‏ ولم تتحرك الحكومة ولم تتدخل البنوك وبقيت أكياس القطن حتي الآن في بيوت الفلاحين الغلابة‏..‏ وهذا شكل من أشكال التناقض وعدم العدالة في مواجهة قضايا الناس‏..‏ رجال الأعمال الهاربون بأموال البنوك تتجه إليهم الأنظار وتفتح لهم القلوب لتسوية ديونهم‏..‏ ورجال الأعمال المتهربون من الضرائب تصدر لهم القوانين التي تعطيهم فرصا كبيرة لتسوية ما عليهم‏..‏ أما الفلاحون الغلابة الذين لا صوت لهم في الصحافة أو مجلس الشعب أو مجلس الشوري أو الحزب الوطني فيجلسون علي كارثة لا حل لها‏..‏ وهي محصول القطن الذي لا يباع‏..‏






ثالثا‏:‏ يجب أن تتركز جهود الحكومة في إيجاد مصادر جديدة تضيف موارد للدخل القومي تعويضا عن العجز في حصيلة الجمارك والضرائب‏..‏ ولكن هناك توجه آخر وهو الإسراع ببيع المشروعات في نطاق برنامج الخصخصة‏..‏ ومازلت عند رأيي أن الخصخصة لا تعني البيع فقط ولكنها تعني تطوير أساليب الإنتاج‏..‏ وهناك نماذج صارخة لمشروعات تم بيعها بسرعة غريبة بأسعار لا تتناسب إطلاقا مع أسعارها الحقيقية‏..‏ والنموذج الصارخ في ذلك هو بيع شركة طنطا للكتان والزيوت بمبلغ‏83‏ مليون جنيه لمستثمر عربي‏..‏ وهي واحدة من أهم الشركات المصرية وتقام علي مساحة‏74‏ فدانا تقدر قيمة الأرض فقط بمبلغ‏126‏ مليون جنيه علي الرغم من أن القيمة الحقيقية للشركة بما فيها الارض والمعدات تتجاوز مبلغ الـ‏350‏ مليون جنيه‏..‏ والأغرب من ذلك كله أن المشتري دفع‏43‏ مليون جنيه نقدا علي أن يتم سداد الباقي وقدره‏40‏ مليون جنيه من ريع الشركة علي عشر سنوات‏..‏


ولهذا ينبغي أن نراجع المشروعات قبل بيعها حتي لا تتكرر أخطاء فادحة حدثت في السنوات الماضية‏.‏






رابعا‏:‏ علي الرغم من كل الإجراءات والقوانين التي أصدرتها الحكومة في الفترة الماضية فما زالت قضية ارتفاع الأسعار تؤرق كل بيت‏..‏ لقد انسحبت وزارة التموين من الساحة تماما‏..‏ سلعيا ورقابيا‏..‏ وتركت الأسواق لجشع التجار والمستوردين‏..‏ وللأسف الشديد فإن أسعار السلع في ارتفاع مستمر علي الرغم من تخفيض الرسوم الجمركية علي عدد كبير من المواد الخام وقطع الغيار وغيرها‏..‏ وهنا ينبغي أن يكون هناك قدر من الحسم في مواجهة هذه الظاهرة لأنها تبتلع كل زيادة في دخول المواطنين‏..‏






خامسا‏:‏ ينبغي ألا ننسي أو نتجاهل أو نؤجل قضية البطالة لأنها أخطر الأزمات في كل بيت مصري‏..‏ وسوف تظل هذه المأساة لغما خطيرا في كل أسرة‏..‏ وعلي الرغم من كل محاولات حل هذه الأزمة فإنها أكبر من كل الحلول التي طرحتها الحكومات حتي الآن‏..‏ سواء كانت حكومات سابقة أو الحكومة الحالية‏..‏ ومهما كانت الجهود التي تبذلها الدولة لمواجهة مشكلات مصر فسوف تبقي البطالة في مقدمة هذه المشكلات‏..‏ وهنا يمكن أن نعيد الحديث عن التوسع الغريب في استيراد العمالة الأجنبية في مجالات مختلفة لأن هذه الظاهرة يمكن أن تكون من الأسباب الحقيقية لأزمة البطالة‏..‏ لقد قام الصندوق الاجتماعي بدور كبير في مواجهة الأزمة‏..‏ وهناك وزارات مثل وزارة البترول تحاول إيجاد فرص أوسع للعمالة المصرية المعطلة‏..‏ ولكن يجب أن يشارك الجميع في مواجهة هذه الأزمة وأن يقوم القطاع الخاص بدوره لتخفيف الأعباء عن الحكومة‏.‏






سادسا‏:‏ قلت في البداية إنني أقدر كثيرا حماس الحكومة الجديدة خاصة أن هناك فريق عمل اقتصاديا يقوده الآن د‏.‏يوسف بطرس غالي وزير المالية‏..‏ وهو الآن أكثر جوانب العمل الوزاري نشاطا واندفاعا وحسما‏..‏ وقد اختلف د‏.‏ غالي مع كل رؤساء الوزارات السابقين الذين عمل معهم‏..‏ وقد انتقدت أكثر من مرة أداء د‏.‏ يوسف بطرس غالي‏..‏ وهو الآن يجلس في أهم وزارة في الحكومة وهي وزارة المالية‏..‏ وقد بدأ عمله بحماس يحسب له مع د‏.‏ أحمد نظيف وكان وراء عدد من مشروعات القوانين الخطيرة‏..‏ منها الجمارك والضرائب‏..‏ ومازال الرجل يكمل مشواره‏..‏ وهذا الحماس المندفع والجرأة الشديدة في مواجهة مشكلات الاقتصاد المصري سوف تعيد اكتشاف د‏.‏ يوسف بطرس غالي‏..‏ وهنا يمكن أن نعرف الحقيقة‏..‏ فإما أن يكون هذا الرجل عبقريا سابقا لعصره مع كل من عمل معهم من قبل‏..‏ أو أنه مغامر كبير‏..‏ إذا كان بالفعل عبقريا فسوف يكون له في أعناقنا اعتذار‏..‏ وإذا كان مغامرا كبيرا فأرجو الله أن يحمينا من شططه‏..‏ والأيام وحدها صاحبة الحكم والقرار‏..‏






والخلاصة عندي‏..‏ أن الحكومة جادة وشجاعة وحاسمة في قراراتها‏..‏ ولكن هذا الحماس ينقصه شيء واحد‏..‏ هو أن يكون حماسا لكل فئات المجتمع‏..‏ وليس انحيازا لفئات دون أخري‏..‏ لأنها حكومة لكل المصريين‏.‏