Loading

الجمعة، 22 يناير، 2010

المهرجانات‏ ..‏ وترشيد الإنفاق

هوامش حرة


المهرجانات‏ ..‏ وترشيد الإنفاق


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة













لا يتوقف الحديث بين المسئولين عن صعوبة الظروف الاقتصادية التي تعيشها مصر ابتداء بالعجز في الميزانية الذي يتجاوز‏54‏ مليار جنيه وانتهاء بالديون الداخلية والخارجية وهي وحدها تقترب كثيرا من رقم‏500‏ مليار جنيه‏..‏ والغريب أن تجد أحاديث عالية تطالب بضغط الإنفاق الحكومي وترشيد إنفاق أموال الدولة ثم تجد في جانب آخر تصرفات وظواهر سلبية تؤكد غير ذلك‏..‏


هل يعقل أن تتغير القوانين وتتبدل اللوائح من أجل توفير بضع مئات من الملايين في نفقات الميزانية أو فرض رسوم جديدة لجمع بضعة ملايين مثلها بينما توجد بنود للإنفاق تستهلك ذلك كله‏!..‏






إن من يراجع بند المؤتمرات والمهرجانات والاحتفالات في الميزانية المصرية في السنوات العشر الأخيرة سوف يكتشف أنه استهلك دخل قناة السويس‏..‏ أو نصف صادراتنا من البترول أو كل حصيلة صادرات مصر من السلع‏..‏


لا يكاد يمضي أسبوع واحد لا تشهد فيه مصر خمس أو سبعة مهرجانات أو مؤتمرات‏..‏ وهذا يعني أننا نشهد كل يوم تقريبا مؤتمرا أو مهرجانا‏..‏ هناك مهرجانات فنية‏..‏ وأخري ثقافية‏..‏ وثالثة غنائية‏..‏ أو سياحية‏..‏ أو ترفيهية‏..‏ وهناك مهرجانات رياضية لعشرات الألعاب التي لا نفوز فيها‏..‏ وهناك مؤتمرات في الجامعات‏..‏ ومراكز الأبحاث‏..‏ وفي المحافظات‏..‏ والشيء الغريب أنه لا يوجد تنسيق بين ذلك كله سواء في نوعية الأنشطة أو أوقات عقد هذه المؤتمرات‏..‏ وتحولت المهرجانات والمؤتمرات مع الوقت إلي حفلات ومظاهرات اجتماعية وعروض وولائم وفنادق خمسة نجوم‏..‏ وإذا سألت عن العائد وجدت ورقة وبعض التوصيات المعادة والمكررة حيث لا شيء جديد فيها‏..‏






إن فكرة المؤتمرات والمهرجانات في حد ذاتها فكرة بناءة حيث تكون فرصة لتبادل الآراء والأفكار والخبرات ولكن هذا كله لا يحدث عندنا‏..‏


إن المؤتمرات الطبية ـ علي سبيل المثال ـ وسيلة لتبادل المعرفة حيث يستعرض المشاركون فيها آخر تطورات الأبحاث العلمية في مجال الطب والعلاج سواء بالوسائل التقليدية أو وسائل أخري حديثة‏..‏ ويدخل في نطاق ذلك استخدام أنواع جديدة من الأدوية في العلاج أو أجهزة حديثة في الجراحة‏..‏ ومن خلال ذلك يتم تبادل الخبرات ومعرفة أحدث ما وصل إليه العالم في المجالات الطبية‏..‏






وفي المهرجانات السياحية يتم عقد الصفقات والترويج السياحي واكتشاف موارد جديدة وزيادة عدد السياح وتقديم أفضل الخدمات واستخدام الأساليب الحديثة في جذب السياحة وتنشيط مجالاتها‏..‏


وفي مجال التصدير يتم عرض السلع والمنتجات ولا مانع من عقد الصفقات وبذلك نفتح أسواقا جديدة ونعرف كيف يمكن لنا احتلال مواقع أفضل في سوق الصادرات العالمية‏..‏






والمفروض أن يحدث ذلك أيضا في مجال الفنون والإبداع‏..‏ فلا قيمة لمهرجان سينمائي لا نقدم فيه فنونا جديدة وجيدة‏..‏ ولا قيمة لمهرجان غنائي لا نقدم فيه أصواتا متميزة‏..‏ ولا قيمة لمهرجان مسرحي ونحن لا نعرض مسرحية جيدة تستحق أن يراها الناس‏..‏


إن الشعوب والحكومات تقيم المهرجانات والمؤتمرات لأن لديها أشياء جيدة ومميزة تريد أن تقدمها للعالم‏..‏ ولا توجد دولة تقيم مهرجانا حبا في المهرجانات‏..‏ أو كنوع من أنواع الاستعراض المحلي‏..‏






والغريب أن مصر واحدة من أكثر الدول التي تقيم المؤتمرات والمهرجانات‏..‏ وبينهما أيضا المعارض‏..‏ وهذا الجهد ينبغي أن يتحول إلي نوع من الاستثمار وليس الدعاية‏..‏


وفي فترة مضت كانت الدولة تتصرف في هذه المهرجانات بصورة مبالغ فيها في كل شيء‏..‏ كانت تنفق الأموال ببذخ وبلا حساب‏..‏ وكانت تجاري دولا عربية تخصصت فترة في مثل هذه المهرجانات أمام فائض ضخم من الثروات النفطية‏..‏ وفي الوقت الذي توقفت فيه هذه الدول عن ممارسة هذه المبالغات مازلنا في مصر نتصرف بالأسلوب نفسه‏..‏ حتي أن ضيفا عربيا قضي في القاهرة أسبوعين ثم انتقل إلي الإسكندرية أسبوعا‏..‏ وعاد إلي القاهرة مرة أخري ليكمل الشهر وكان مدعوا من ثلاث جهات وفي ثلاثة مؤتمرات متعاقبة أقامتها مؤسسات مصرية‏..‏ والأغرب من ذلك أن تجد الضيوف أنفسهم بالأسماء نفسها في اكثر من مهرجان‏..‏ وأكثر من مؤتمر علي امتداد العام‏..‏






والغريب أيضا أن كل هذه المظاهرات لا يتجاوز العائد منها حدود ورقة صغيرة فيها بعض التوصيات أو الملاحظات‏..‏ ولا أقول القرارات‏..‏ لأنها جهات غير ملزمة وليس من حقها إصدار قرار‏..‏


وأحاول أن أتابع في العواصم العربية الآن نشاطا موازيا أو مشابها لما يجري في مصر‏..‏ وأكتشف أن مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة الآن التي تقيم المؤتمرات والمهرجانات بغير حساب وبلا نتائج ملموسة‏..‏






هناك أنواع من المؤتمرات لا يمكن الاستغناء عنها لأنها تمثل نوعا ضروريا من أنواع التواصل ومنها المؤتمرات الطبية والعلمية‏..‏ إنها ثقافة متنقلة وتواصل حضاري لا غني عنه ولكن هناك أيضا عشرات المؤتمرات التي نقيمها بصورة ثابتة كل عام ولا نجني منها شيئا‏..‏ لا هي أضافت علما إلي العقول‏..‏ ولا موارد للدولة‏..‏ ولا خبرات أو تجارب تستفيد منها الأجيال الجديدة‏..‏


ما قيمة أن نقيم عشرات المهرجانات للغناء وليس فيها غناء جميل‏..‏ ما قيمة أن نقيم عشرات المهرجانات الثقافية التي لا تتغير فيها الوجوه ولا تتبدل فيها التوصيات‏..‏ وكلها جلسات نميمة أو صراعات بين المثقفين‏..‏






إن هذا المنطق العشوائي في إقامة المهرجانات والمؤتمرات لا يتناسب أبدا مع فكر جديد يسعي إلي التطوير‏..‏ أو ميزانية مجهدة نريد لها أن تتوازن‏..‏ أو واقع اقتصادي صعب يتطلب ترشيد الإنفاق قبل تعميم الجباية وأن تكون الحكومة أول من يسعي إلي هذا كله‏..‏


وفي وزارة الدكتور عاطف عبيد كان هناك قرار من رئيس الحكومة بألا يقام مهرجان أو مؤتمر إلا بموافقة مسبقة من رئيس مجلس الوزراء‏..‏ ولا أعتقد أن هذا القرار نفذه أحد‏..‏






إن السادة الوزراء يتنافسون في إقامة المهرجانات والمؤتمرات‏..‏ ولو أننا راجعنا سجلات عمل الوزراء لاكتشفنا أن نشاطهم الأساسي انحصر في الظهور في افتتاح مؤتمر أو في ختام مهرجان‏..‏


وانتقلت عدوي المهرجانات إلي السادة المحافظين ولاتخلو محافظة الآن من إقامة مهرجان ابتداء بالعيد القومي للمحافظة وانتهاء بعشرات المناسبات الأخري التي ننفق فيها الملايين‏..‏






وبعد ذلك هناك مؤتمرات ومهرجانات في الجامعات‏..‏ وهذه الأنشطة لا تدخل في إطار النشاط الجامعي للطلاب ولكنها مؤتمرات دولية تدعو فيها الجامعات عشرات الضيوف‏..‏


وهناك مؤسسات تخصصت في إقامة المهرجانات السنوية أو نصف السنوية هذا بخلاف عشرات المهرجانات في الفنادق وكلها أنشطة دعائية لا عائد من ورائها‏..‏






والمطلوب الآن تشكيل لجنة من مجلس الوزراء لمراجعة وتقويم جميع المهرجانات والمؤتمرات التي تقام في مصر سنويا بحيث يتم التنسيق بين هذه الأنشطة من حيث المواعيد‏..‏ ونوعية النشاط‏..‏ ومدة المهرجان أو المؤتمر‏..‏ والهدف منه‏..‏ والتكلفة التي ستتحملها ميزانية الدولة‏..‏


وعلي ضوء ذلك كله تضع الحكومة قائمة بالمهرجانات والمؤتمرات المهمة والضرورية بحيث تراعي فيها عدة عناصر ضرورية‏:‏






‏*‏ ما تقدمه هذه المهرجانات والمؤتمرات من خدمة واضحة في مجال البحث العلمي والمعلومات والتميز الفني والثقافي‏..‏






‏*‏ ما تقدمه من عائد اقتصادي واضح وصريح يتمثل في مصادر دخل معلومة‏..‏ ويدخل في ذلك المؤتمرات والمهرجانات التي تقام في مجالات السياحة‏..‏ والصادرات‏..‏ والإنتاج السلعي‏..‏ والإسكان‏..‏ إن هذه الأنشطة تحتاج إلي عمليات ترويج دائم بشرط أن يكون هناك عائد اقتصادي مؤكد‏..‏ حتي لو كان علي المدي البعيد‏..‏






‏*‏ أن يتم إلغاء المهرجانات والمؤتمرات المتشابهة‏..‏ ولا أتصور مثلا أن تقيم جامعة القاهرة مؤتمرا علميا في تخصص ما‏..‏ وفي الوقت نفسه تقيم جامعة عين شمس مؤتمرا في الموضوع نفسه وربما في التوقيت نفسه أيضا‏..‏ أو أن تقيم دار الأوبرا مهرجانا عربيا للغناء في الوقت الذي يقيم فيه اتحاد الإذاعة والتليفزيون مهرجانا مشابها‏..‏






‏*‏ ألا يكون من حق أي مسئول أن يقرر بينه وبين نفسه إقامة مؤتمر أو مهرجان دون أن يسأله أحد ربما لأنه اكتشف أن الأضواء حوله قد خفتت قليلا ويريد مناسبة جميلة يظهر فيها‏.‏






لقد تحولت المهرجانات والمؤتمرات في مصر الآن إلي ظواهر شكلية علي الرغم من أنها في الحقيقة تستنزف الكثير من أموال الدولة‏..‏ في وقت نتحدث فيه كل يوم عن ضرورة ترشيد الإنفاق‏!!!..‏