Loading

الجمعة، 22 يناير، 2010

البابا شنـودة وقضايـا الوطـن

هوامش حرة



البابـــا شنـــــــــــودة وقضايـــــا الوطــــــن


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة



















منذ سنوات بعيدة وأنا أحمل تقديرا خاصا لقداسة البابا شنودة‏..‏ ومع الأيام والأحداث والمواقف أخذ هذا التقدير صورا وأشكالا عديدة وبقي البابا في كل الحالات رمزا رفيعا من رموز مصر في وطنيته وصدق انتمائه وولائه لهذا الوطن‏..‏


وفي الأوقات الصعبة تظهر معادن الرجال‏.‏ وكم من الأوقات العصيبة التي ظهرت فيها حكمة البابا شنودة ووعيه الوطني الصادق ولعل هذا الرصيد الكبير من حب الناس لم يأت من فراغ ولكنه كان نتاج مشوار طويل من المصداقية والتفاني في حب مصر‏..‏ الشعب والأرض والحضارة‏.‏






وما زلت أذكر أول لقاء مع قداسة البابا في مقره بالعباسية‏..‏ يومها طال بيننا الحوار والحديث ولم نترك بابا إلا وطرقناه ابتداء بالشعر وهو من عشاق الكلمة الجميلة وكتابها وانتهاء بالأديان وهو يحمل تقديرا خاصا لكل ما جادت به السماء علي البشر من النور والهداية‏..‏ ولن أنسي إبحاره العميق وقراءاته الواسعة عن إسلامنا الحنيف بكل رموزه الإنسانية الرفيعة‏.‏


وقد ترك هذا اللقاء‏-‏ الذي امتد بيننا ثلاث ساعات كاملة‏-‏ أثرا طيبا وعميقا في نفسي لقداسة البابا ليس فقط بصفته الدينية التي نعتز بها ولكن لأنه مثقف كبير وعاشق من عشاق مصر وكثيرا ما التقينا بعد ذلك في مناسبات مختلفة‏.‏ وبقيت صورة الرجل عندي تزداد مع الأيام بريقا ووهجا واحتراما‏..‏






وفي الأسبوع الماضي قرأت أكثر من حديث للبابا في أثناء زيارته لأمريكا وانجلترا وما بين الحديث الأول في أخبار اليوم للزميلة ثناء يوسف والحديث الثاني في الأهرام للزميل علاء رياض توقفت عند مجموعة من القضايا التي طرحها قداسة البابا وتحتاج منا إلي قراءة واعية لأنها تعكس فكر الرجل ومواقفه التي ينبغي أن تنعكس في حياتنا وسلوكياتنا من رمز ديني كبير يدرك معني الوطن ومسئولية المواطن‏..‏


رفض البابا شنودة أن يلتقي بلجنة الحريات التي أرسلتها الإدارة الأمريكية لتقصي أحوال الأقليات الدينية في مصر‏..‏ والأقليات هنا تعني بالطبع المسيحيين في مصر‏.‏ وكان رد البابا أن هذه اللجنة لجنة مغرضة في أهدافها ومواقفها وأنه يرفض أي حقوق تأتي من الخارج وأن السعي للحصول علي هذه الحقوق من خارج الوطن خيانة لهذا الوطن‏..‏






وفي تقديري أن موقف البابا شنودة يعتبر فتوي في الوطنية ملزمة للمسلمين والمسيحيين معا‏,‏ بل إنها ملزمة لكل الشعوب العربية‏.‏


ولعل في موقف البابا درسا للحواريين الذين يلقون أنفسهم الآن علي أعتاب السفارات الأجنبية راجين الرحمة والمغفرة طالبين الحماية‏..‏ فاتحين الجيوب للعطايا والنذور‏..‏ وهذا درس يقدمه رمز من رموزنا الدينية في الترفع والانتماء الصادق والإدراك العميق للمسئولية الوطنية في مثل هذه الظروف الصعبة‏..‏






‏*‏ ما زال البابا شنودة يرفض حتي الآن زيارة القدس تضامنا مع الشعب الفلسطيني وقد تعرض لضغوط كثيرة من أجل السماح لإخواننا المسيحيين بزيارة القدس ولكنه رفض وما زال يصر علي رفضه‏..‏ حدث هذا في وقت تتسلل فيه من خلف الأبواب عشرات الوفود التي تزور القدس من كل العواصم العربية وبلا استثناء‏..‏


إن موقف البابا شنودة تجاه القدس يحمل إشارات كثيرة تجاه قضايا السلام والأمن والاستقرار في المنطقة فليس هناك سلام دون أن يحصل الشعب الفلسطيني علي حقه كاملا في الأرض والسيادة‏..‏ وعلي الذين يتسللون في الظلام ويوقعون الصفقات ويفتحون المكاتب ويروجون للسلع الإسرائيلية في الأسواق العربية أن يراجعوا مواقفهم‏.‏






في حديث البابا عن الإرهاب أكد أن الأديان‏-‏ كل الأديان‏-‏ دعوة إلي الحب والتسامح ولا يمكن أن يكون الإرهاب دعوة لأي دين من الأديان‏..‏ وأن الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي تعيشها المجتمعات هي التي أفرزت هذا الواقع الغريب علي البشر وهذا يعني أن علي العالم أن يواجه مشكلات الفقر والتخلف والانهيار الاجتماعي والثقافي‏..‏ لأن ذلك هو الطريق لمواجهة العنف والإرهاب‏..‏


وفي حديث البابا رد واضح علي دعوات غربية مغرضة تحاول أن تلصق تهمة الإرهاب بالإسلام لأن الأديان كلها دعوة إلي الحق والفضيلة والسلام‏..‏






حول قضايا الإصلاح السياسي في الدول العربية‏,‏ أكد البابا أن الإصلاح لابد أن ينبع من داخل المجتمعات وينبغي ألا يكون مفروضا عليها من قوي أجنبية‏..‏ وأن كل مجتمع أدري بظروفه ومشكلاته ومكوناته‏.‏ وأن الشعوب وحدها هي القادرة علي أن تطالب بحقوقها في الحرية دون وصاية خارجية من أحد‏..‏ وأن الحريات تختلف من مجتمع إلي آخر‏..‏ وهذا يعني أن مصطلح الحريات يمكن أن يساء استخدامه‏..‏ فلكل مجتمع تقاليده وعقائده وظروفه‏..‏


ولعل في كلام البابا ردا حاسما علي من يطالبون بحرية الشذوذ وزواج الرجل من آخر وهذه الظواهر الاجتماعية المريضة التي يطالبنا البعض بنشرها والدفاع عنها تحت دعاوي الحريات وحقوق الإنسان علي الرغم من أنها تمثل وصمة في تاريخ الإنسانية في كل زمان ومكان ومن العار أن يربط البعض بين قضية عظيمة اسمها الحرية وسلوكيات مريضة تسيء إلي البشر‏..‏






من المواقف الطيبة للبابا شنودة حرصه الشديد علي نشر مدارس اللغة العربية في أوروبا وأمريكا للجاليات العربية هناك من المسلمين والمسيحيين‏..‏ والبابا شنودة عاشق للغة العربية ويكتب الشعر أحيانا‏..‏ وفي دفاع واع وصادق تحدث عن أهمية الحرص والدفاع عن لغتنا العربية وعدم المساس بقواعدها في النحو والصرف لأن الاعتداء علي هذه المقومات سوف يترك منها أطلال لغة وسوف تصبح لغوا‏..‏ وليست لغة ـ علي حد تعبيره‏..‏ وفي هذا الموقف من اللغة العربية إيمان شديد بأنها جزء عزيز من تراثنا الثقافي والحضاري والإنساني وأن الاعتداء عليها اعتداء علي وجود هذه الأمة وأن دفاع أكبر رأس في الكنيسة المصرية عن اللغة العربية بهذا الحب وهذا الحماس يحمل أكثر من معني وأكثر من هدف أمام هجمة شرسة تحاول تشويه تراثنا الثقافي والتشكيك في مقوماتنا الحضارية كأمة صاحبة دور وتاريخ‏..‏


ولم ينس قداسة البابا أن يدافع عن حرية المرأة المصرية وما وصلت إليه وأنها تحصل علي حقوق لم تحصل عليها المرأة في أوروبا سواء علي المستوي العملي من حيث المناصب أو علي المستوي الإنساني من حيث الأهمية والتأثير في بناء المجتمع‏..‏






وفي كل زيارات البابا حرص علي أن يزور المراكز الإسلامية في الدول التي زارها‏..‏ وفي هذا تأكيد وحدة أبناء الشعب الواحد‏..‏ هلالا وصليبا‏..‏ حتي وإن كانوا يعيشون خارج حدود الوطن‏..‏ وما أحوجنا إلي تأكيد هذه الروح من التواصل والمودة‏..‏


من زمن بعيد وأنا أتابع بتقدير وحب مشوار المواطن المصري الشريف البابا شنودة الذي يؤكد لنا كل يوم‏-‏ من خلال مواقفه الواضحة‏-‏ أن مصر أكبر من كل شيء وأن الانتماء الحقيقي للوطن لابد أن يتجسد في مواقف الناس وسلوكياتهم‏..‏






إننا نريد الحرية‏..‏ ولكننا لا نريد لها أن تجيء علي يد دخيل أو مغتصب‏..‏ ولا نريدها من منشورات السفارات الأجنبية أو حوارييها الذين يطلبون الحماية من أوطانهم وفي أوطانهم‏..‏ وهذا تناقض مشبوه‏..‏


إننا نريد زيارة القدس ولكن ينبغي ألا يلوث ترابها الطاهر محتل يغتصب الأرض ويمارس كل ألوان البطش والقهر ولهذا رفض قداسة البابا رفضا مطلقا أن يلتقي بوفود إسرائيلية كثيرة بداية بالحاخامات وانتهاء بالمسئولين في الدولة العبرية‏..‏






إننا نريد تطوير لغتنا العربية‏..‏ لكن دون أن نفرط في أصولها وقواعدها وجمالياتها‏..‏ لأنها جزء عزيز من ثقافتنا‏;‏ مسلمين ومسيحيين‏..‏


إننا نريد أن نناقش مشكلاتنا وقضايانا الداخلية لكن ينبغي أن يتم ذلك كله داخل البيت‏..‏ ولن نسمح لأحد بأن يتسلل تحت أي دعوي إلي ربوع الوطن مهما تكن الأسباب والمطامع لأننا أدري بمشكلاتنا وقادرون علي مواجهتها‏..‏






هذه الدروس التي يقدمها البابا شنودة تلقي احترامنا وتقديرنا جميعا من إنسان وهب نفسه بكل السماحة للدين‏..‏ والوطن‏..‏ فالرجل حريص دائما علي أن يقدم لأهله القدوة الطيبة والدعم الواعي‏..‏ وأن يقدم لوطنه كل الولاء الصادق والفكر المستنير‏..‏ ولهذا كان واضحا مع نفسه في كل شيء في مواقفه‏..‏ وقضاياه‏..‏


وفي هذه الأيام الصعبة كان البابا شنودة يطرح فكره ورؤاه في زيارته لانجلترا وأمريكا حيث سخونة الأحداث والمعارك‏..‏ ولم يحاول أن يرضي طرفا علي حساب طرف آخر أو يسعي إلي استرضاء هذا أو رفض ذاك لكنه كان ضميرا مصريا يقظا يدرك مسئولياته ويعرف كيف يقود سفينته علي الرغم من العواصف‏..‏






كان البابا شنودة يعلم أننا نتعرض الآن لمؤامرة واسعة في ثقافاتنا وأدياننا ومشكلاتنا وأن الضغوط كثيرة‏..‏ والأعباء ضخمة‏..‏ لكنه بمهارة المصري العريق يدرك دوره ومسئوليته‏..‏


هذه تحية تقدير لرمز واع من رموز مصر يؤكد لنا كل يوم أن مصر ستبقي الوطن الواحد لنا جميعا فليس لنا غير وطن واحد وقد حمل البابا شنودة بكل الحب هذا الوطن في كل مراحل عمره المديد‏..‏ وهو يؤكد أن مصر تسكننا قبل أن نسكنها‏..‏ وتعيش فينا قبل أن نعيش عليها‏..‏