Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

الإبـــداع‏..‏ بين الحرية‏..‏ والإسفاف

هوامش حرةالإبـــــــــــــــداع‏..‏ بين الحرية‏..‏ والإسفاف







يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة





من وقت لآخر تقوم الدنيا ويرتفع الصراخ وتنطلق الاتهامات هنا وهناك والسبب في ذلك كله كلمة نسئ استخدامها في كل شئ اسمها الابداع‏..‏ وبقدر ما لهذه الكلمة من قيمة في قواميس الشعوب الاخري بقدر ما أصبحت مستباحة عندنا‏..‏ فكل الاشياء عندنا ابداع ابتداء بالاعلانات التافهة وانتهاء بالروايات المسروقة في الافلام مرورا علي الاغاني العارية في الفيديو كليب‏.‏


ولان كل شئ عندنا يدخل في دائرة الابداع فما أسهل توزيع الالقاب بين المبدع‏..‏ والروائي‏..‏ والفنان‏..‏ والشاعر‏..‏ ولم تقف حدود الجريمة عند توزيع الالقاب في غير مواضعها ولكن الجريمة الاكبر ان يطالب هؤلاء بحصانات وضمانات وحماية لان حرية الابداع تمتهن ولاتتناسب معها قيود الرقابة‏..‏ ويري هؤلاء أن الفنان اكبر من كل المقدسات والمبدع فوق كل الضوابط‏.‏ من هنا فإن المجتمعات لابد ان تفتح ابواب الابداع حتي لو كان عبثا ودجلا وجهالة‏..‏






وكثيرا ما ترتفع اصوات الرافضين‏..‏ وتمتد ايادي الادعياء كلما انتقد قلم واع فيلما أو كتابا أو عملا فنيا ممسوخا لا قيمة فيه ولا ابداع‏.‏


وهنا يجب ان نفرق بين مبدع حقيقي يدرك مسئولية الابداع ويعرف اسراره وبين آلاف الادعياء الذين امتلأت بهم الساحة لان المبدع الحقيقي يدرك عن وعي قيمة شئ عظيم اسمه الحرية‏..‏ وشئ أعظم اسمه المسئولية‏.‏






يجب أن تكون هناك مساحة ضخمة بين شطط مبدع كبير مثل يوسف شاهين او عاطف الطيب‏..‏ حتي لو اختلفنا معهما وبين سمسار آخر يستأجر جسد فتاة فترة من الوقت لعله يجمع من عري الجسد بعض المال وبعض الشهرة حتي لو كان ذلك كله علي حساب قيم الفن الحقيقي‏.‏


يجب أن نفرق بين معارك قامت علي الفكر والرؤي في عمل ابداعي كبير مثل أولاد حارتنا لنجيب محفوظ وكتابات سطحية لاتتجاوز حدود الصحف الصفراء التي تروج الجنس وتمتهن المقدسات ولاتقدر قيمة أي شيء‏.‏






يجب أن نفرق بين شاعر صنع تاريخا وشكل وجدانا وقدم رصيدا من الابداع الحقيقي ومئات الادعياء الذين لاتستقيم معهم جملة عربية سليمة‏.‏


يجب أن نفرق بين صلاح طاهر وسبعين عاما من الفن العبقري وشخبطات تلاميذ المدارس الذين ملأوا الدنيا صراخا تحت شعار الحداثة ومابعد الحداثة‏.‏






لسنا ضد التجريب في الفنون ولكننا ضد محاولات الهدم العاجز‏..‏ ودعاوي الابداع الرخيص‏.‏


من هنا فان استخدام كلمة الابداع عندنا استخدام خاطئ لان للابداع ضوابط وقواعد وقيم فنية وانسانية وقبل هذا فان الابداع رسالة ولاينبغي ان تصبح الكلمة حقا مشاعا لكل من هب ودب من الباحثين عن المال والشهرة‏.‏






لكل فن قواعد وضوابط يقوم عليها واذا سمحنا للمتسللين والادعياء ان يقتحموا مجالات الابداع بلا مواهب فسوف نكتشف يوما ان الذي بين أيدينا فراغ‏.‏


وفي الايام الأخيرة دارت معركة حامية علي صفحات الجرائد حول الحريات والمقدسات وكيف تطارد الرقابة بكل انواعها مواكب الابداع‏..‏ ووقفت أقلام كثيرة تطالب برفع الوصاية عن الابداع لان في ذلك اعتداء علي حرية المبدعين وكان ينبغي قبل ان نطالب بالحماية والحرية والفتك بأجهزة الرقابة ان نسأل انفسنا اين هؤلاء المبدعون؟‏!.‏






هل كل من قدم اغنية فيديو كليب لفتاة عارية في أوضاع مخجلة اصبح مبدعا‏.‏


وهل كل من تجرأ علي دين أو عقيدة أورمزا من رموزنا المقدسة اصبح في نظر نقادنا الكبار مبدعا‏.‏






وهل كل مجنون قدم كتابا تجرأ فيه علي الله أو الانبياء والرسل بحثا عن الشهرة التي عجز عن تحقيقها بابداع حقيقي‏..‏ أصبح مبدعا‏.‏


ان بعض المغامرين الذين فشلوا في الوصول الي قلوب الناس وافكارهم من خلال ابداع جيد لجأوا الي اساليب دعائية لتحقيق شهرة أو رواج‏..‏ وما اسهل ان يمسك الانسان قلما ويتهجم علي عدد من الرموز المقدسة في حياتنا ابتداء بالخالق سبحانه وتعالي وانتهاء بالرسل والانبياء حتي تتفتح امامه ابواب الشهرة والنجومية‏.‏ ان الاعتداء علي المقدسات وتجريحها اصبح في الفترة الأخيرة أوسع الابواب نحو الرواج والشهرة‏..‏ وهناك عشرات النماذج التي كتب اصحابها عشرات الكتب ولم يعرفهم احد ولما ضاقت بهم السبل حملوا الحجارة واطلقوها علي مقدسات الناس‏,‏ فكان الصياح والرفض والمعارك فهذه معركة مع الأزهر وهذه معركة اخري مع الكنيسة‏,‏ وهناك اشخاص أجادوا هذه اللعبة التي تورطت فيها للأسف الشديد اجهزة لها احترامها وقدرها بين الناس‏.‏






هناك فرق كبير بين ابداع حقيقي قد يصطدم مع مشاعر الناس ومقدساتهم ومغامرات طفولية تسعي للاستفزاز والتجريح والمتاجرة‏.‏


هناك فرق بين مبدع كبير يثير جدلا من خلال عمل ابداعي جريء ومحاولات ساذجة لاثارة الرأي العام والاساءة لثوابت البشر‏.‏






يستطيع المبدع الحقيقي ان يقول كل شئ في اطار فني وابداعي متماسك يتجسد فيه الاشعاع الحقيقي للابداع‏..‏ بينما يقف الاخرون يحملون تلالا من الحجارة يلقون بها في كل اتجاه‏.‏


والغريب ان بعض النقاد عندنا وهم في الحقيقة جزء من ضمير المجتمع يصرخون مع هذا العبث ويطالبون له بالحرية والحماية‏,‏ ولا ادري اي حرية يريدون‏..‏ وعن اي قيمة يدافعون‏.‏






هناك عشرات الكتب التي لاتحمل اي قيمة فنية او ابداعية في الرواية والشعر والمسرح والنثر الركيك‏.‏


هناك افلام كثيرة من العار ان نحسبها علي تاريخ السينما العريقة‏.‏






هناك الاف الاغاني المصورة بالفيديو كليب‏,‏ وهي ليست اكثر من مشاهد عارية‏..‏ ومن الظلم ان تدخل هذه الاعمال المشبوهة كجزء من تاريخ الغناء العربي الأصيل‏.‏


هناك كتاب مغامرون باحثون عن الشهرة وكل مالديهم قدر كبير من البجاحة يستغلونه من اجل الوصول‏..‏ فهل نحسب هؤلاء علي تاريخ العقل العربي بكل تاريخه من العطاء والفكر والمصداقية‏.‏






ان لدينا الآن فريقا يحاول استخدام المعارك والسهام التي تتجه الي صدر العقائد الدينية خاصة الاسلام‏,‏ وفي الغرب الآن مؤسسات كاملة لديها ملايين الدولارات تحاول استقطاب كل من يرمي حجرا في وجه العقيدة الاسلامية‏..‏ وتتجه الان مواكب من بعض انصاف الكتاب وانصاف الشعراء وانصاف الباحثين تقدم القرابين لهذه المؤسسات المشبوهة‏..‏ وهناك قوائم باسماء هذه المؤسسات في باريس وبون ولندن وواشنطن وامستردام واستوكهلم وتل ابيب وعشرات العواصم الاخري‏..‏ وبجانب قوائم المؤسسات توجد ايضا قوائم المترددين عليها من الحواريين والتجار الذين يحملون الابحاث والاوراق والصحف وكلها شهادات ادانه قبل ان تكون اجتهادات فكر وعقول‏.‏


لدينا الان تجارة رابحة تسمي تجارة العري تبدأ بالفيديو كليب وتنتهي عند افلام تقترب كثيرا من افلام البرنو في الغرب‏,‏ وهذه التجارة لاتتطلب رأس المال أو الخبرة أو المجهود‏..‏ انها استثمار سريع حيث لايتطلب الأمر اكثر من جسد عار‏..‏ وكاميرا‏..‏ ومخرج بلا ضمير‏.‏






لدينا الآن عشرات الفضائيات التي تلتهم كل شئ وتقبل أي شئ خاصة التفاهات والسطحية وتغييب الفكر‏..‏ وهذه الانواع من الانشطة مطلوبة جدا علي امتداد العالم العربي في ظل حالة الغيبوبة والترهل التي تعيشها المجتمعات العربية‏..‏


لدينا الآن حفلات ومهرجانات ولقاءات وافراح وملاه‏..‏ وليس المطلوب ان نقدم فيها فنونا حقيقية ولكن المطلوب أوقات مسلية وساعات مرح وفرح وصهللة‏..‏ ولايعني ماذا يدخل في عقول الناس‏..‏ لان اسواق التفاهة هي الاكثر رواجا‏..‏ وانتشارا وربحا‏.‏






وسط هذا كله يصبح الفن الحقيقي غريبا‏..‏ بل أنه مرفوض علي كل المستويات‏.‏


لو انك قدمت فيلما جادا بلا اسفاف او عبث أو اثارة فلن يكون له مكان‏.‏


لو انك قدمت اغنية جادة بلا اجسام عارية فلن يشتريها أحد‏.‏






لوأنك قدمت مسرحية تطرح فكرا أو قضية فلن يدخلها أحد‏.‏ وهذا يعني ان مانراه وما نشاهده الآن لايدخل في مجال الابداع الحقيقي حتي نطالب له بضمانات الحماية والحرية‏..‏ ان الأولي بالنقاد الذين يطالبون بالحريات ان يطالبوا في البداية بعودة الابداع الحقيقي وان نتخلص من هذا العبث العشوائي الذي يحاول ان يفرض نفسه تحت دعاوي الابداع‏..‏ ان اخطر مافي القضية ان هذا العري وهذه الطحالب التي تحمل اسم الابداع تجد مؤسسات ضخمة تمولها‏..‏ وشركات كبيرة ترعاها وقنوات فضائية تروج لها واقلاما تدافع عنها‏.‏ وهذا الطوفان من السطحية لايحترم اعرافا ولا أديانا ولا قيما‏.‏






امام الابداع الحقيقي ينبغي ان تنحني الرؤوس وتفتح الابواب وتتوافر كل مطالب الحماية والحرية‏..‏ لا قيد علي مبدع حقيقي الا ضميره‏..‏ ولكن العري المشبوه والفكر المغرض‏..‏ والدعاوي الكاذبة‏..‏ هذه ظواهر لاتكفي معها الرقابة‏..‏ ولكنها تحتاج الي اجراءات رادعة ولا فرق بينها وبين تجارة المخدرات فكلاهما قاتل‏.‏


أيها الابداع كم من الجرائم ترتكب باسمك؟‏!.‏