Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

الشباب العربي بين حصار الموت‏..‏ وحصار العري


هوامش حرة



الشباب العربي


بين حصار الموت‏..‏ وحصار العري


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة







من الخطأ أن نتصور ان عمليات القتل والتدمير التي تمارسها القوات الامريكية في العراق والجيش الاسرائيلي في فلسطين هي المعركة الوحيدة التي تواجه الانسان العربي في هذا العصر القبيح‏..‏ ان هناك حربا اعلامية تقوم علي خطط ودراسات وتستخدم فيها كل الوسائل ابتداء بالفضائيات التي تغطي سماء الكون وانتهاء بالطابور الخامس الذي يعمل الآن بوقاحة وليس ببجاحة ولاينكر دوره ولا يخفي هذا الدور‏.‏


وربما تكون معركة الإعلام هي الاخطر لأنها تغير مواقف وتعيد تشكيل البشر‏..‏ وتمهد لظهور اجيال جديدة لانعرف مدي إيمانها بقضايا هذه الامة انتماء وولاء ومسئولية‏,‏ وفي كل ليلة تدور المعارك علي ساحات الفضائيات ونحن لانعرف أيا منها معنا وأيا منها ضدنا‏..‏ ومن فيها الوطني ومن فيها المأجور‏..‏ لأن الحقيقة غائبة تماما امام صخب الآلة الإعلامية المجنونة‏.‏






والغريب في الأمر أن هناك فرقا منتشرة علي كل الفضائيات تقريبا سواء كانت عربية أو أجنبية‏..‏ إن الوجوه في احيان كثيرة تتكرر‏..‏ والقضايا تتكرر‏..‏ والصراخ في كل الحالات‏..‏ وهناك عصابات من المنتفعين والمروجين وتجار الفرص يستخدمون كل اساليب الغش والتحايل‏..‏ وكل واحد يظهر في فترة من الفترات ثم يختفي‏..‏ انهم مثل قطع الشطرنج‏..‏ لكل قطعة دور وسرعان ما تختفي ليظهر دور آخر وحصان آخر‏.‏


ولكن الغريب في الأمر أن المواطن العربي تحاصره الآن من كل الجهات جيوش العري‏..‏ وجيوش الموت‏.‏






في عدد كبير من الفضائيات يتجاوز الآن عشرين قناة يشاهد المواطن العربي مساحات شاسعة من العري مجسدا في اغاني الفيديو كليب طوال أربع وعشرين ساعة‏..‏ يضاف لهذا الكم الرهيب عشرات القنوات الاخري التي تقدم كل أنواع السينما العارية‏..‏ وفي مستنقع الفيديو كليب غرق الملايين من شباب هذه الامة حيث تسطحت الافكار واختلت القيم وتراجع دور الفنون الحقيقية أمام جنون العري وصخب الاسفاف‏.‏


ولاشك أن هذا الكم الرهيب من الفن الهابط والعري بكل الوانه ترك الشباب في حالة غريبة مابين العجز عن الزواج‏..‏ والبطالة‏..‏ والمخدرات‏..‏ وغياب القضايا الحقيقية‏..‏ نحن الآن امام اجيال تخضع لحصار مخيف من الفضائيات التي تتسلم الشاب طوال أربع وعشرين ساعة ولاتتركه الا في حالة غيبوبة تامة امام كل الوان العري بحيث لايجد امامه وسيلة غير ان يدمن المخدرات أو يتحول الي مجرم في قضية اغتصاب‏.‏






وانا لا اعتقد ان هذا الحصار نشأ من فراغ ولكنه يعكس في حقيقة الأمر فكرا ودورا مدروسا‏..‏ ان هذا العدد من القنوات الفضائية العارية لايوجد في اي مكان آخر في العالم‏..‏ لايوجد في الصين ذات الملياري انسان‏..‏ ولايوجد في الهند ذات المليار شخص‏..‏ ولايوجد في امريكا نفسها‏..‏ انني اشك في ان يكون في امريكا‏20‏ قناة غنائية عارية‏..‏ وهذا يعني ان الأمر يخصنا نحن‏..‏ وان المؤامرة علينا وليست علي اطراف أخري‏..‏ ومن هنا يجب ان نتوقف قليلا عند مؤشرات ذلك‏.‏


‏*‏ أولا‏:‏ اننا امام مشروع ضخم لاستنزاف قدرات الاجيال الجديدة ابتداء بالوقت وانتهاء بالطموح خاصة اننا امام مجتمعات لم تستطع حتي الآن ان توفر ابسط احلام البشر في العمل أو السكن أو الزواج‏..‏ وهذا يعني اننا نمضي الي مستقبل مجهول بلا ملامح لان هؤلاء الشباب الضائعين في متاهات العري هم الذين سيتحملون مسئوليات هذه الامة بعد اعوام قليلة‏..‏ وعلينا ان نتصور المستقبل في ظل هذه السطحية وهذه التفاهات التي شكلت شباب هذه الامة‏.‏






‏*‏ ثانيا‏:‏ إننا امام مشروع كبير لتغيير المفاهيم والتقاليد‏,‏ والقيم قد لايؤتي نتائجه الآن ولكن خلال سنوات قليلة ستكون لدينا اجيال بلا ثوابت وبلا عقيدة وبلا انتماء‏.‏






‏*‏ ثالثا‏:‏ ان هذا المشروع يحتاج الي اموال طائلة ولا أحد يعرف حتي الآن مصادر تمويل قنوات تنفق كل يوم ملايين الدولارات وهل هذه اموال عربية أم اجنبية أم مجهولة الهوية ؟‏,‏ خاصة ان هذه القنوات التي تنفق البلايين تحقق خسائر مخيفة فمن ياتري يدفع هذه الخسائر‏..‏ ومن هو المصدر المجهول الذي يضع امواله في هذا الاستثمار المشبوه؟‏!.‏






في الجانب الآخر من الصورة تقف الفضائيات في موقع يختلف تماما عن حصار العري‏,‏ في هذا الجانب يأتي حصار الموت‏.‏


إن هذه القنوات تخصصت في نقل صور الموت والدمار في فلسطين والعراق وهذه المسلسلات والبرامج التي لاتنتهي مع حصار الموت‏..‏ وقد لفت نظري شيء غريب أرجو أن نبحث له عن اسباب‏..‏ لماذا لا تذيع الفضائيات علي شاشاتها غير جثث الشهداء العرب في فلسطين والعراق؟‏..‏ لماذا لم نشاهد قتيلا واحدا من قتلي الجيش الاسرائيلي‏..‏ لماذا لا تذيع القوات الامريكية صور قتلاها علي شاشات التليفزيون وهم بالمئات منذ بدأت الحرب؟‏.‏






يخيل الي أحيانا ان الامر هنا مقصود‏..‏ ان القتلي دائما من العرب والمسلمين‏.‏ والجثث المهانة دائما لهم‏..‏ والدماء التي تتدفق كل يوم للعرب‏..‏ وهذا الإلحاح علي المشاهد بصور الموت والقتل والدماء في صفوف العرب تأكيد للعجز العربي والهوان العربي‏..‏ ان اعتياد الناس علي مشاهدة مناظر القتل كل يوم هو الوجه الآخر لحصار العري علي الفضائيات‏.‏


وعلي المشاهد هنا ان يختار ان يقضي وقته مع اللحم الابيض العاري‏..‏ أو مع الدماء التي اكلها الأسفلت‏..‏ أمام الإلحاح هنا‏..‏وهناك وامام صور الموت والقتل والدمار سوف يشعر المشاهد بحالة من الاحباط والعجز خاصة ان رحلة الموت طالت‏..‏ وهنا لن يجد امامه غير ان يقلب القناة ويقضي ليلته مع حصار العري لأنه في كل الحالات أفضل من حصار الموت‏.‏






في تقديري ان هذه الثنائية هي التي تحكم الآن مسيرة الفضائيات ايا كان لونها وتوجهاتها وهذا يجعلنا نتساءل‏:‏ من يقف وراء العري ومن يقف وراء الموت‏,‏ وهل هناك علاقة مابين حصار العري وحصار الموت؟‏..‏ إن أخطر مافي هذا الحصار هو هذا الانفصام الذي يحدث في الشخصية العربية مابين مشاعر العجز والاحباط ومشاعر الرغبة والشطط وكلاهما يختلف في كل شئ‏..‏ ان العجز احساس قاهر يتسلل الي أعماق الانسان ويفقده القدرة علي عمل أي شيء‏..‏ ثم انه مع الإلحاح يمكن ان يصل الي درجة فقد الإرادة‏..‏ بل وفقد القدرة علي اتخاذ قرار‏..‏ وفي النهاية يصل إلي درجة العجز عن التفكير‏..‏ وهنا يمكن ان يتسلمه الشق الثاني في هذا الحصار حيث يترك نفسه نهائيا لحصار العري‏.‏


وهنا أقول انني اتوقع في العالم العربي اجيالا جديدة لن تخجل من عجزها لانه سيصبح سلوكا عاديا امام مجتمعات لم تعد تفرق بين العجز والارادة وبين القوة والاستكانة‏..‏ وهنا يمكن ان توافق علي كل شيء وتقبل أي شيء‏.‏






وانا هنا أطالب علماء النفس وأساتذة الاجتماع بدراسة اثر هذه الازدواجية في تكوين الشخصية العربية‏.‏ نحن امام برامج واضحة ومدروسة تتجسد في محورين اساسيين‏..‏ هناك الحاح بصور الموت حيث العجز والهوان وهناك الحاح بصور العري حيث الانفلات والضياع‏..‏ فماذا يبقي من الاثنين معا‏..‏ أنا لم أشاهد مرة واحدة جثة قتيل اسرائيلي علي الشاشات برغم انهم يقتلون كل يوم‏..‏ ولم اشاهد جثث طابور من الجنود الامريكيين فلماذا الإصرار علي ان العرب وحدهم هم الذين يقتلون وتنتشر اشلاؤهم في كل مكان؟‏!.‏


والسؤال الاخطر‏:‏ هنا لماذا سمح البنتاجون بنشر صور التعذيب والاغتصاب والمهانة في سجن ابو غريب‏..‏ أليس في ذلك علاقة مع هذا المشروع المدروس المتقن الذي يسعي إلي اهدار معنويات هذه الامة وتأكيد شعورها بالذل والعجز والهوان‏..‏ اليس الهدف من ذلك هو ان تفقد الاجيال الجديدة ايمانها بقدراتها امام احساس مرير بالاحباط واليأس والضياع؟ ان القضية تحتاج الي دراسة‏,‏ والظواهر امامنا واضحة تماما ونحن غارقون امام شاشات تحاصرنا بالموت والعري برغم ان المسافة بين الحصارين بعيدة تماما‏..‏






وهنا يبقي ان نتساءل عن رأس المال العربي الذي يقف وراء هذه الفضائيات وهل يدرك آثار مايفعل‏..‏ وما الذي يجعل المال العربي يتسلل في هذه المتاهات التي ستدفع الامة ثمنها حاضرا ومستقبلا وتاريخا‏..‏ كل ما أرجوه عزيزي القارئ أن تجلس ليلة واحدة وتراجع الكلمات التي قرأتها في هذا المقال وتشاهد إحدي قنوات العري ثم تنتقل الي واحدة من قنوات الموت‏..‏ واسأل نفسك بعدها‏:‏ هل نحن فعلا امام مؤامرة؟‏!.