Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

الدور المصري وأطماع الآخرين

هوامش حرة



الدور المصري وأطماع الآخرين


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة









لاشك أن دور مصر العربي والاقليمي يتعارض مع أدوار أخري تسعي لفرض سيطرتها علي العالم العربي‏..‏ والدور المصري كان دائما صمام أمان وعامل استقرار في المنطقة‏..‏ وفي كل مراحل التاريخ كانت مصر صاحبة دور يتجاوز في كل شيء حدودها الجغرافية وقدراتها وامكانياتها البشرية والاقتصادية‏.‏ ان هذا الدور صنعه تاريخ طويل في الفكر والثقافة والتواصل الانساني والحضاري بين شعوب المنطقة‏..‏ لم تصنع مصر دورها بسيطرة استعمارية‏..‏ أو قوات غازية‏..‏ أو هيمنة مفروضة‏..‏ ولكنها كانت دائما قوة لاشفائها في ساعات المحن وأداة تحرير أمام كل ألوان الغزو والاستعمار‏..‏ حدث هذا في العصور القديمة‏..‏ والمتوسطة‏..‏ وفي عصرنا الحديث‏..‏ عندما سقطت بغداد امام هولاكو كانت مصر هي الصخرة التي تحطمت أمامها قوات التتار‏..‏ ومن مصر انطلق صلاح الدين يواجه الغزو الصليبي ويحرر القدس ويطرد الغزاة‏..‏ التاريخ شاهد علي أن الدور المصري كان وسيبقي من أخطر الأدوار في هذه المنطقة من العالم‏.‏


والواضح أننا أمام محاولة واضحة وصريحة ومشبوهة لتحجيم هذا الدور يدخل في ذلك عوامل كثيرة تبدأ بالواقع الاقتصادي بكل ما فيه من أعباء وتنتهي عند استعمار سافر وواضح في أهدافه ومخططاته‏,‏ ان مصر لم تكن يوما دولة صغيرة ولكنها دولة محورية بكل المقاييس‏,‏ ولذلك لاينبغي ان تدخل سباق دعوات الإصلاح أو الوصاية والهيمنة‏,‏ لانها القوة الوحيدة القادرة علي مواجهة هذه المؤامرات‏.‏






وإذا كنا أول من وقع اتفاقا للسلام مع اسرائيل فليس معني ذلك ان نفرط في دورنا ومسئوليتنا لتصبح اسرائيل وريثا للدور المصري في العواصم العربية‏,‏ وهذا ما تسعي اليه الان‏...‏ ان البعثات التجارية الاسرائيلية التي تزور العواصم العربية‏,‏ سواء كانت في السر أو العلن تمثل تهديدا حقيقيا للعالم العربي سلما وحربا‏,‏ وكل خطوة تخطوها اسرائيل في عالمنا العربي تسحب من رصيد مصر ودورها التاريخي والثقافي والحضاري‏..‏


في جانب اخر فإن الوصاية الأمريكية التي لايستطيع احد انكارها الان جعلت الادارة الأمريكية تتدخل في شئون العالم العربي في كل صغيرة وكبيرة‏..‏ ان امريكا الان تتحدث في شئون العالم العربي شعوبا وحكومات كما لو انها تتحدث عن الأحوال في تكساس أو كاليفورنيا أو شيكاغو وهذا أمر مخالف لطبيعة الاشياء والاعراف الدولية‏..‏ انها تتدخل في كل التفاصيل في حياة الشعوب العربية والحكام العرب ابتداء بطابور خامس طويل يسبح باسم العم سام كل صباح وانتهاء بضغوط تمارسها علي القرار العربي في كل المحاولات‏,‏ والغريب انها لاتفعل ذلك إلا مع الشعوب العربية‏,‏ وعلينا أن نرصد مواقفها مع كوريا الشمالية وإيران والصين لندرك حجم مأساتنا معها إلي أي مدي تتدخل في شئوننا تحت دعاوي الإصلاح السياسي أو مزاعم محاربة الارهاب‏.‏






ومن هنا فإن تشويه الدور المصري وتحجيم قدرات مصر اقتصاديا وسياسيا وثقافيا يخدم في الدرجة الأولي مصالح امريكا واسرائيل في المنطقة‏..‏ وقد استخدمت الإدارة الأمريكية كل الوسائل التي تحقق لها ذلك‏:‏






‏*‏ إن المعونات الاقتصادية ورقة ضغط علي القرار المصري ورغم ان هذه المعونات لاتمثل أهمية كبري للاقتصاد المصري الا انها مازالت حتي الان تمثل احتياجا ينبغي الاستغناء عنه في الوقت المناسب‏..‏


إن نوايا أمريكا تجاه مصر لم تكن دائما نيات طيبة


كم من الوعود التي روجتها الادارة الأمريكية بعد توقيع اتفاق كامب ديفيد بين مصر واسرائيل في نهاية السبعينيات‏..‏ كان هناك ما يشبه مشروع مارشال لإعادة بناء ما خربته الحروب‏..‏ وكانت هناك اتفاقيات لقروض لم تنفذ مع البنك الدولي وصندوق النقد وكانت هناك مشروعات لتقديم التكنولوجيا المتقدمة لمصر في الزراعة والصناعة لم تدخل مراحل التنفيذ‏..‏ وهذا يعني أن أمريكا كانت دائما تربط بين مساعداتها ومطالبها السياسية والأمنية من مصر‏..‏ وعندما وصلت أمريكا الي أهدافها كاملة في المنطقة شعرت انها لم تعد في حاجة للدور المصري وكان الاستغناء وهذا بمنطق السياسة أمر مقبول ولكنه بمنطق الأخلاق وأساليب التعامل أمر مرفوض‏,‏ وعلينا أن نتعامل بمنطق السياسة فقد غاب تماما منطق الأخلاق في العلاقات بين مصر وأمريكا‏,‏ هذا بجانب أن امريكا في أحيان كثيرة تطلب من مصر مالاتقدر عليه‏.‏






‏*‏ إن الإدارة الأمريكية تدرجت في مطامعها في العالم العربي بدأت بمرحلة استعادة الجسور خاصة بعد فترة طالت من القطيعة في الفترة الناصرية‏..‏ وكانت هناك بلاد عربية ترفض التعامل مع أمريكا تماما تأثرا بالموقف المصري‏..‏ ثم كانت مرحلة إعادة العلاقات وفتح السفارات وإرسال الوفود‏..‏ وبعد ذلك تطورت الأحداث بسرعة غريبة حتي وصلت إلي اقامة القواعد العسكرية في أكثر من عاصمة عربية‏..‏ ولم يكن غريبا ان تتدخل القوات الامريكية وتحارب من أجل تحرير الكويت بعد كارثة صدام حسين‏..‏ ثم كانت اخطر المراحل في سجل العلاقات العربية الأمريكية في احتلال العراق بالكامل‏..‏ في هذه الحالة لم تعد أمريكا في حاجة الي بعض دول المنطقة بعد ان ابتلعت المنطقة كلها‏..‏ وبعد أن كان هناك حوار بين شعوب ودول اصبحت الإدارة الأمريكية تملي مطالبها وتصدر قراراتها متناسية تماما أن هذه المنطقة من العالم فيها دول ذات سيادة وحكام مهما كانت درجة رفض شعوبهم إلا أن هذه الشعوب ترفض هذا التدخل السافر في شئونها ومن هنا أيضا سيطرت أمريكا علي أخطر وأهم منابع البترول في العالم‏,‏ ووضعت ما يكفي من الضمانات لحماية اسرائيل حتي ولو كان ذلك كله علي حساب العرب‏.‏


وفي تقديري أن التعارض كان واضحا من البداية بين الدور المصري بمسئولياته وتاريخه والصيغة الجديدة التي تحاول امريكا فرضها بالتعاون مع اسرائيل‏..‏ كان هناك ما يشبه اليقين لدي الادارة الامريكية ان نقطة البداية لأدخال العالم العربي كاملا في حظيرة الاخطبوط الامريكي هي تشويه الدور المصري وتحجيمه بكل الوسائل وفي كل المجالات‏..‏ ولابد ان نعترف بأن امريكا نجحت في ذلك امام ضغوط اقتصادية تتعرض لها مصر لم تخل يوما من جوانب المؤامرة حتي تبتعد مصر اكثر عن مسئولياتها امام ظروف قاهرة يفرضها الواقع الاقتصادي بكل ما يمثله من اعباء‏.‏






‏*‏ ان الادارة الامريكية بمساعدة اسرائيل نجحت في السنوات الأخيرة في شرذمة الواقع العربي وغرست بذورا كثيرة من الشك والارتياب بين الشعوب والحكومات العربية‏..‏ وقد شهدت هذه المحاولات مواقف كثيرة افقدت الانسان العربي ثقته في شقيقه وجاره‏,‏ حدث هذا في فلسطين والقوات الاسرائيلية تقتحم كل يوم الاراضي الفلسطينية وتدمر وتقتل فيها كما تشاء‏..‏ وحدث هذا في لبنان عندما اجتاحت القوات الاسرائيلية بيروت والاشقاء صامتون‏..‏ وحدث ذلك مع ليبيا والسودان والكويت‏..‏ ثم كانت مأساة سقوط بغداد والتهام بلد عربي بالكامل‏..‏ مآس عربية كثيرة كانت تحرك الجبال ولكنها انتهت بالصمت أو الصراخ وكلاهما لا يعيد ارضا ولا ينقذ شعبا ولا يحمي ترابا‏..‏


ومع حملات التشكيك والاعلام المشبوه اختلطت الصور وتداخلت المشاهد وتقوقعت الشعوب العربية كل شعب يبحث عن نفسه وكل حاكم يمسك برأسه‏..‏ وكان من السهل ان يلتهم الاخطبوط القطيع وقد تفرق في كل اتجاه‏..‏


وامام جبروت القوة العسكرية الغاشمة شعر الانسان العربي بأسوأ حالات العجز والهوان‏..‏ وهنا كانت الادارة الامريكية تبدو وكأنها احكمت يدها علي كل شئ فهي قادرة علي حماية من تريد واقتلاع من تريد‏..‏ وحاولت امريكا ان تشكك في ادوار الدول فلم يعد هناك وطن كبير وآخر صغير لان امريكا وحدها هي الكبيرة ومن لجأ الي حماها لقي الأ من والاستقرار‏..‏ وكانت هذه ايضا ضربة كبيرة للدور المصري ان يسود الاحساس لدي الشعوب بأن الرؤوس تساوت والادوار تشابهت فلم يعد الكبير كبيرا‏..‏ ولا الصغير صغيرا‏..‏






هنا نعود الي طرح هذا السؤال‏..‏ وماذا بعد‏..‏


في تقديري ان الدور المصري لن ينتهي رغم كل محاولات التشويه والتحجيم التي يتعرض لها سياسيا واقتصاديا وثقافيا‏..‏ لسنا في مجال الحديث عن قدرات عسكرية أو معارك دونكيشوتية أو مغامرات بلا حساب ولكن الحديث عن واقع ومصالح ودور يجب ان ندافع عنه بكل ضراوة ونحن قادرون علي أداء هذا الدور لانه يدخل في صميم مسئولياتنا وقدراتنا‏..‏


‏*‏ يجب ان تحاول مصر وبسرعة ان تعيد ترتيب اوراقها لتأكيد دورها الثقافي وهذا يتطلب اصرارا علي الوجود والتأثير علي مستوي الشعوب لان هذا الدور أخطر الادوار واعمقها اثرا ومازالت لنا فيه مساحات كبيرة وقدرات اكبر‏..‏ يجب ان تعود خيوط التواصل التي قطعناها والأرض التي خسرناها والقيم التي فرطنا فيها‏..‏ ان استعادة دور مصر الثقافي ليس امرا مستحيلا ولكنه يحتاج الي ايمان عميق بهذا الدور وما اكثر الوسائل التي نستطيع بها ان نستعيد هذا الدور ونؤكده ابتداء بالثقافة الجادة وانتهاء بالفنون الرفيعة ومجموعة القيم التي صاغت الوجدان العربي‏.‏






‏*‏ يجب ان تكون طرفا مؤثرا وفعالا في كل ما يتعلق بمستقبل هذه المنطقة‏..‏ لاينبغي ابدا ان نقبل صياغات مرسومة أو أي شكل من اشكال الوصاية والهيمنة‏..‏ ان امام امريكا مشوارا طويلا ومآسي كثيرة في العراق‏..‏ ولها مطامع واهداف في مناطق اخري ولن يستطيع الاخطبوط الامريكي ان يلتهم الوليمة لأنها أكثر منه‏..‏ وسوف تكتشف امريكا في وقت قريب جدا ان خسائرها اكبر بكثير من رغبتها في البقاء في هذه المنطقة من العالم لان الشعوب لن تقبل ولأن كل شئ في العالم العربي الآن يرفض الوجود الامريكي بهذه الصورة القبيحة مهما كانت قوته‏..‏


في جانب أخر فإن اسرائيل تسعي الي احراز الغنائم في هذه الفترة القاسية من العجز العربي ولا ينبغي ان يقدم لها أحد هذه الفرصة لان مصيرها سيلحق بالمصير الامريكي إن عاجلا أو آجلا والذي يؤكد ما أقول ان امريكا تراجعت كثيرا امام رفض القيادة المصرية محاولات فرض صيغة للاصلاح السياسي فيما يسمي الشرق الأوسط‏.‏






‏*‏ لسنا في حاجة الي مواعظ البنك الدولي ووعود صندوق النقد لاصلاح أحوالنا الاقتصادية بما في ذلك الاستغناء عن المعونة الامريكية ولكن مع تخطيط اقتصادي سليم يسعي الي زيادة الانتاج والتصدير وخلق مجالات وفرص جديدة للعمل سوف نخرج من أزمتنا الاقتصادية وهنا يجب ان نعيد جسورنا القديمة مع دول أفريقيا ونستعيد الأرض التي تركناها في الاسواق العربية وان نتبادل المصالح بلغة العصر بعيدا عن الشعارات واحاديث الود القديمة لان السلع الاسرائيلية تملأ الآن الاسواق العربية وعليها ماركات واسماء ومصانع دول عربية‏.‏ انه أزمة مصر الاقتصادية تقف وراء كل اسباب غيابها وعندما تتجاوز هذه الأزمة ستكون قادرة علي استعادة كل ادوارها السابقة وهذا هو التحدي الحقيقي لنا كشعب وحكومة في الفترة القادمة‏.‏


لابد ان نعترف اننا فرطنا في دورنا ومسئولياتنا وان البعض خدعنا حتي يرث هذا الدور وان واجبنا الآن ان نستوعب الدرس ونعيد الحسابات حتي نبدأ صفحات جديدة مع انفسنا ومع الآخرين‏.‏






لسنا في حاجة لأن نخلق عداوات مع أحد ولكن ذلك لا يعني ان نفرط في دورنا ومسئولياتنا فمازلنا قادرين عليها‏..‏ المهم ان نراجع انفسنا وليس من الغريب ان نخطئ ولكن الغريب حقا الا نستفيد من الاخطاء ونقطة البداية ان نستعيد دورنا ولا نترك مستقبلنا ومستقبل المنطقة كلها في ايدي من لا يرحم‏.‏