Loading

الجمعة، 22 يناير 2010

مصــر بين المسئولية والغياب

هوامش حرة



مصــر بين المسئولية والغياب


يكتبها‏:‏ فـــاروق جـــويـــدة






مازال المصريون يتحدثون حتي الآن عن مأساة الصفر الذي حصلنا عليه في مونديال‏2010‏ وكشف الكثير من جوانب القبح والخلل في حياتنا‏..‏ والغريب اننا كنا نشاهد كل شئ‏..‏ ونعرف كل شئ ونضع رؤوسنا في الرمال اما جبنا أو تواطئا أو سلبية‏..‏ وفي كل الحالات فنحن شركاء في كل ماوصلنا اليه ولانستطيع ابدا أن ندعي ان ما نراه الآن من سوء احوالنا وتراجع دورنا كان سرا من الاسرار‏..‏ لقد حدث يوما بعد يوم امام اعيننا ونحن جالسون وكأننا مغيبون عن واقع قبيح يحاصرنا من كل اتجاه‏.‏


ان ظواهر التراجع لا يتحملها طرف دون الآخر ولكنها مسئولية جماعية يتحمل مسئوليتها من شارك ومن اهمل ومن وقف في الساحة متفرجا‏..‏ فهذا الصفر الكبير الذي ملأ سماءنا سخطا واحساسا بالفشل رفعته أيد كثيرة وشاركت في كتابته اكثر من جهة ثم رفعته عاليا مواكب الصامتين والنائمين في العسل‏.‏



وفي الاسبوع الماضي لفت نظري في مباريات كأس الامم الأوروبية في البرتغال ان جميع الكبار خرجوا من الساحة في وقت مبكر ولم يكملوا المشوار‏..‏ وان الدول الصغيرة هي التي وصلت الي النهائيات‏..‏ خرجت الدول العريقة صاحبة التاريخ الطويل في كرة القدم‏..‏ خرجت انجلترا صاحبة اللعبة‏..‏ والمانيا‏..‏ وايطاليا‏..‏ وفرنسا حاملة اللقب‏..‏ واسبانيا‏..‏ وروسيا‏..‏ وظهرت في الافق كيانات صغيرة مثل التشيك والبرتغال‏..‏ والسويد‏..‏ والدانمرك‏..‏ واليونان التي وقفت فوق رأس الجميع‏.‏


وما يحدث في كرة القدم يحدث في مواقع الدول والشعوب علي خريطة العالم‏,‏ ولهذا لم يكن غريبا ان يجتاح الطاغوت الامريكي دول الحضارات والثقافات التقليدية في العالم ولم يستطع أحد أن يوقف هذا الطوفان‏,‏ سقطت في حالة فزع ورعب ثقافات لها دورها وتاريخها أمام كيان اخطبوطي بارع في التحايل وارتداء الاقنعة واستخدام القوة‏..‏ ان ذلك يعني ان الكيانات التي كانت يوما صاحبة دور ومسئولية مهددة من كيانات اخري عشوائية ارتدت اثوابا مترهلة وقامت بأدوار لاتناسبها‏..‏ ولكن النتيجة النهائية كما يقول المثل المصري ان القوالب نامت والانصاص قامت‏.‏ حدث هذا علي المستوي السياسي والاقتصادي‏..‏ والكروي ولن يلوم أحد الصغير اذا اصبح كبيرا أو ارتدي ثوب الكبار ولكن اللوم لاصحاب الادوار الكبري الذين تنكروا لها وتركوا الساحة للآخرين‏.‏



لقد كنا علي وعي تام بأن أدوارنا تتراجع وان هناك أطرافا كثيرة تسعي لتأكيد هذا التراجع‏..‏ ولم يكن ذلك قاصرا علي جانب واحد‏..‏ ولكنه في حقيقة الامر شمل كل الجوانب‏.‏


كان دور مصر الثقافي والفكري والحضاري يخبو يوما بعد يوم ونحن غارقون في تفاهات كثيرة بعضها كان بأيدينا والبعض الآخر شجعنا عليه الآخرون وللاسف الشديد اننا قبلنا ما لم نكن نقبل‏..‏ واستسلمنا لما كنا نرفض‏.‏



بعد تاريخ طويل من الفن العظيم مجسدا في كل رموزنا طوال قرن كامل من الزمان قبلنا علي انفسنا ودورنا ان نشارك في مواكب الاسفاف والسطحية وان نجاري الآخرين ونرجع للوراء عشرات السنين لنساير مراحل من الزمن لاتتناسب معنا فكرا وسلوكا وقيمة‏..‏ وعادت قوافل المغتربين منا تحمل ظواهر غريبة علينا في طريقة التفكير‏..‏ والملابس‏..‏ والحوار‏..‏ والسلوك‏,‏ وكان ينبغي أن ندرك ان الذين دفعنا بهم للأمام يسوقوننا ونحن لاندري الي الوراء‏..‏ وكانت النتيجة فنون لاهية‏..‏ وغناء عابث‏..‏ وفكر متخلف‏..‏ وسطحية لاتتناسب مع كل ما وصلنا اليه من جوانب الاستنارة والتحضر‏.‏


عدنا للوراء نفتش في ملفات قديمة ونناقش قضايا قديمة ونتحدث لغة قديمة كنا قد تجاوزناها وكنا في ذلك مثل طالب حصل علي اعلي الشهادات من اكبر الجامعات وعاد فجأة يستخدم اللوح والقلم البسط في احد الكتاتيب‏..‏ كان هذا حالنا ونحن نفقد دورنا الثقافي ونقبل ان نقدم الفن الهابط‏..‏ والمسرح الساذج‏..‏ والفكر المشوه‏..‏ والثقافة الرخيصة‏.‏ لم يكن هذا دورنا في يوم من الايام ولم تكن تلك رسالتنا ابتداء بكل معاركنا من أجل تحرير العقل واحترام الفكر وخصوصية الانتماء‏..‏ كان دورنا دائما ان ننير الطريق للآخرين لا أن نشاركهم المسيرة المظلمة‏.‏



في جانب آخر كان بساط السياسة يسحب يوما بعد يوم من تحت اقدامنا‏.‏


وبدأنا نقبل ما كنا نرفض‏..‏ ونوافق علي ما كنا نستنكر‏..‏ وامام هذا تدخلت اطراف كثيرة تحاول العبث في كل شئ حولنا‏..‏ ولم يكن غريبا ان تتسع دائرة الحصار وان نجد انفسنا يوما بعد يوم ونحن نخسر ارضا جديدة‏..‏ ويتراجع دورنافي كل المجالات علي مستوي الشعوب والحكومات‏..‏ حتي وصل الامر الي درجة التحييد الكامل لنا في قضايا تدخل في صميم وجودنا وامننا القومي‏.‏


لم يسمع أحد صوتنا والقوات الاسرائيلية تجتاح لبنان وتدخل العاصمة بيروت‏..‏ ولم يسمع أحد صوتنا والطائرات الاسرائيلية تضرب المفاعل النووي العراقي‏..‏ ولم نتحرك والطائرات الامريكية تضرب ليبيا‏..‏ وصواريخ البنتاجون تنسف مصنعا للأدوية في الخرطوم‏..‏ ولم نتحرك والمؤامرات في جنوب السودان من كل لون وجنس‏..‏ ولم نسأل وليبيا تغير ثيابها كل يوم مابين افريقيا والعم سام والاصدقاء الانجليز ماذا حدث لاخوة الجوار‏..‏ ثم سقطت بغداد قلعة الرشيد‏..‏ حدث هذا كله حولنا وكل جزء من هذا السيناريو الرهيب يهدف الي تحجيم دورنا وتسطيح مواقفنا والاستغناء عنا في كل شئ‏.‏


كانت هناك اطراف كثيرة تسعي لهذا الغياب الخاطئ وهذا التراجع المقصود‏..‏ وامام ضغوط اقتصادية عنيفة مرسومة ومحددة الملامح وجدنا انفسنا يوما بعد يوم نغرق في مشكلاتنا حتي اصبحت واقعا كئيبا يصعب الخلاص منه‏..‏ لقد ضاقت كل الاشياء حولنا امام ظروف صعبة ومطالب ملحة وسياسات تفتقد الشفافية‏.‏






وفي هذه المأساة وجدنا سياسات خاطئة لاتسعي لتحرير ارادتنا واستعادة دورنا ولكنها كبلتنا بقيود جديدة‏..‏ خبراء من اسرائيل للزراعة وكأن اسرائيل هي المنقذ‏..‏ خطط لزراعة القمح في رومانيا‏..‏ التوسع في انتاج الكانتلوب‏..‏ شراكة مع دول اوروبا وقطيعة اقتصادية مع دول الجوار‏..‏ سعي بثبات للحوار مع الآخر في واشنطن ولندن وباريس وانفصام مع واقع تاريخي يصعب الانسلاخ منه‏..‏ اتفاقيات للتعاون الاقتصادي مع اسواق ليس لنا فيها مكان‏..‏ واهمال لاسواق هي الأحق بنا ونحن الاقدر فيها‏..‏ قروض تكبلنا علي كل المستويات سياسيا واقتصاديا وحاضرا ومستقبلا‏..‏ وامام هذا خسرنا اسواقا اعتادت علي انتاجنا وخسرنا سلعا كانت في مقدمة صادراتنا‏..‏ وهربنا الي المجهول الذي كان يسعي في الحقيقة الي تشويه دورنا واقتلاع جذوره علي كل المستويات وللاسف الشديد ان هناك أقلاما كثيرة شجعت هذه العزلة امام التشكيك في هويتنا ودورنا ومسئوليتنا التاريخية كانت هناك اطراف كثيرة تريد وتسعي لتأكيد تراجع الدور المصري‏:‏


‏*‏ كانت اسرائيل أول المستفيدين من ذلك ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تغلق مكاتبها التجارية في دول افريقيا كان الاخطبوط الصهيوني يحتل كل أرض تركتها مصر في هذه الساحة‏..‏ بل ان اسرائيل اقامت مكاتب تجارية في دول عربية لا توجد لمصر فيها مكاتب مماثلة‏..‏ واصبح حجم التبادل التجاري بين اسرائيل وبعض الدول العربية اكبر من حجم التبادل التجاري بين مصر وهذه الدول‏..‏ لقد ورثت اسرائيل مناطق كثيرة في افريقيا انفردت مصر بها سنوات طويلة واقتحمت العواصم العربية تحت ستار كامب ديفيد واتفاقيات السلام وأوسلو ومدريد بل ان من بيننا من حاول طمس معالم التاريخ وتشويه الادوار والمواقع امام خريطة جديدة هدفها الأول تهميش الدور المصري وتحجيمه‏.‏






‏*‏ رغم كل العلاقات التقليدية بين امريكا وبعض الدول العربية الا أن مصر كانت تحتل المكانة الأولي في قائمة العلاقات العربية‏..‏ وفي وقت ما كانت مصر تقف حائلا دون تسلل الاخطبوط الامريكي الي كل دول المنطقة‏..‏ والغريب الان ان معظم شئون العالم العربي يدار من واشنطن‏..‏ ولاشك ان الادارة الامريكية كانت تدرك من البداية أن مصر هي العقبة الوحيدة في طريق الهيمنة علي العالم العربي وان تراجع الدور المصري اضافة حقيقية للمكاسب الامريكية ومن هنا لم تكن امريكا في يوم من الايام صادقة في مواقفها تجاه مصر‏..‏ انها لاتريد مصر دولة غنية ولاتريدها دولة فقيرة‏..‏ انها لن تسعي الي رفاهية الشعب المصري‏..‏ ولكنها لا تريد ثورة الجياع‏..‏ انها لاتريد لمصر ان تموت‏..‏ ولكنها لاتريدها قوية لان مصر هي البلد الوحيد الذي يستطيع ان يجهض كل مخططات الهيمنة الصهيونية الامريكية علي المنطقة العربية‏..‏ واصبح العالم العربي كله الآن يولي وجهه شطر البيت الابيض لايسأل النصح ولكن يطلب القرار‏.‏






‏*‏ هناك دول عربية شقيقة كان الدور المصري دائما مصدر ازعاج وقلق لها ووجدت في تراجع الدور المصري فرصة للوراثة‏..‏ ونسي هؤلاء ان دور مصر صنعه التاريخ واقامته المواقف ولم يكن وليد صدفة أو مغامرة ولكنه انجاز تراكمي طويل‏..‏ وهنا كانت تلك المواقف الغريبة التي حاولت التشكيك في الدور المصري خاصة بعد ان وقعت مصر اتفاقية كامب ديفيد مع اسرئيل ووجدت بعض الدول العربية في ذلك فرصة لتشويه دور مصر‏..‏ وامام سلبيتنا في أحيان كثيرة تجاه مواقف مهمة وخطيرة كان من السهل ان تلقي علي الدور المصري ظلال كثيرة‏..‏ وهنا ينبغي ان نعترف بصراحة مع انفسنا ان اسرائيل كسبت الكثير علي حساب مصر وان الادارة الامريكية كانت ومازالت تسعي الي تحجيم مصر علي كل المستويات لانها القوة الوحيدة القادرة علي ان تقود هذه المنطقة للخروج بها من هذا المأزق الخطير‏.‏






كيف الخروج من هذا النفق المظلم‏..‏؟


هذا حديث قادم‏..‏