Loading

الجمعة، 28 ديسمبر، 2012

امرؤ القيس : خليلّي مرّ بي على أم جندب


خليلّي مرّ بي على أم جندب


خليلّي مرّا بي على أم جندب
 نُقَضِّ لُبَانَاتِ الفُؤادِ المُعذَّبِ
فَإنّكُمَا إنْ تَنْظُرَانيَ سَاعَة ً
 من الدهرِ تَنفعْني لَدى أُمِّ جُندَبِ
ألم ترياني كلما جئتُ طارقاً
 يُفَدّونَهُ بالأمّهَاتِ وبَالأبِ
عَقيلَة ُ أتْرَابٍ لهِا، لا دَمِيمَة
 وَلا ذَاتُ خَلقٍ إن تأمّلتَ جَأنّبِ
ألا ليتَ شعري كيف حادث وصلها
 وكيْفَ تُرَاعي وُصْلَة َ المُتَغَيِّبِ
أقَامَتْ على مَا بَيْنَنَا مِنْ مَوَدّة ٍ
 أميمة أم صارت لقول المخببِ
فإن تنأ عنها لا تُلاقِها
 فإنكَ مما أحدثت بالمجربِ
وقالت متى يبخل عليك ويعتلل
 يسوكَ إن يكشف غرامكَ تدرب
تبصر خليلي هل ترى من ظعائن
 سوالك نقباً بن حزمي شعبعب
علونَ بأنطاكية ٍ فوق عقمة
 كجرمة نخل أو كجنة يثرب
ولله علينا من رأى من تفرق
 أشت وأنأى من فراق المحصّب
فريقان منهم جازع بطنَ نخلة
 وآخر منهم قاطعٌ نجد كبكب
فَعَيْنَاكَ غَرْباً جَدْوَلٍ في مُفَاضَة ٍ
 كمَرّ الخَليجِ في صَفيحٍ مُصَوَّبِ
وإنكَ لم يفخر عليكَ كفاخر
 ضَعيفٍ وَلمْ يَغْلِبْكَ مثْلُ مُغَلَّبِ
وإنك لم تقطع لبانة عاشقِ
 بمِثْلِ غُدُوّ أوْ رَوَاحٍ مُؤَوَّبِ
بأدماء حرجوج كأن قتودها  
على أبلق الكشحين ليس بمغرب
يُغرد بالأسحار في كل سدفة  
تَغَرُّدَ مَيّاحِ النّدَامى المُطَرِّبِ
أَقَبَّ رَباعٍ مِن حَميرِ عَمايَةٍ  
يَمُجُّ لِعاعَ البَقلِ في كُلِّ مَشرَبِ
بمحنية قد آزر الضال نبتها
 مَجَرَّ جُيُوشٍ غَانِمِينَ وَخُيّبِ
وقَد أغتَدى وَالطّيرُ في وُكُنّاتِهَا
 وَماءُ الندى يجرِي على كلّ مِذْنَبِ
بمنجردِ قيدِ الأوابد لاحهُ  
طِرَادُ الهَوَادِي كُلَّ شَاوٍ مُغرِّبِ
عَلى الأينِ جَيّاشٍ كَأنّ سَرَاتَهُ
 على الضَّمرِ وَالتّعداءِ سَرْحة ُ مَرْقَبِ
يُبارِي الخَنوفَ المُسْتَقلَّ زِماعُهُ
 ترى شخصه كأنه عود مشحب
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
 وَصَهْوَة ُ عَيرٍ قائمٍ فَوْقَ مَرْقَبِ
وَيَخْطُو على صُمٍّ صِلابٍ كَأنّهَا
 حجارة غيل وارساتٌ بطحلب
له كفلٌ كالدّعص لبدهُ الثدى
 إلى حارِكٍ مِثْلِ الغَبيطِ المُذَأّبِ
وَعَينٌ كمِرْآة ِ الصَّنَاعِ تُدِيرُها
 لمَحْجِرهَا مِنَ النّصيفِ المُنَقَّبِ
لَهُ أُذُنَانِ تَعْرِفُ العِتْقَ فيهِمَا
 كسامعتي مذعورة وسطَ ربرب
ومستفلكُ الذفرى كأن عنانهُ
 ومَثْناتَهُ في في رأسِ جِذْعٍ مُشذَّبِ
وَاسْحَمُ رَيّانُ العَسيبِ كَأنّهُ
 عَثاكيلُ قِنْوٍ من سُميحة ِ مُرْطِبِ
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفه
 تَقولُ هزِيزُ الرّيحِ مَرّتْ بأثْأبِ
يُدِيرُ قَطَاة ً كَالمَحَالَة ِ أشْرَفَتْ
 إلى سند مثلُ الغبيطِ المذأبِ
وَيَخْضِدُ في الآرِيّ، حتى كأنّهُ
 بهِ عُرّة ٌ من طائفٍ، غَيرَ مُعْقِبِ
فَيَوماً عَلى سِربٍ نَقِيِّ جُلودُهُ
 وَيَوماً عَلى بَيدانَةٍ أُمِّ تَولَبِ
فينا نعاجٌ يرتعينَ خميلة ً
 كمَشْيِ العَذارَى في المُلاءِ المُهَدَّبِ
فكان تنادينا وعقد عذارهِ  
وَقَالَ صِحَابي قد شَأَوْنَكَ فاطْلُبِ
فلأياً بلأي ما حملنا غلامنا
 على ظَهْرِ مَحْبوكِ السّرَاة ُ مُحنَّبِ
وولى كشؤبوب الغشي بوابل
 ويخرجن من جعد ثراهُ منصبٍ
فَلِلساقِ أُلهوبٌ وَلِلسَوطِ دُرَّةٌ  
وَلِلزَجرِ مِنهُ وَقعُ أَهوَجَ مُتعَبِ
فَأدْرَكَ لمْ يَجْهَدْ وَلمْ يَثنِ شَأوَهُ
 تر كخذروف الوليد المثقبِ
ترى الفار في مستنقع القاع لا حباً
 على جدد الصحراء من شد ملهبِ
خفاهنَّ من أنفاقهن كأنما
 خفاهن ودق من عشي مجلب
فَعادى عِداءً بَينَ ثَوْرٍ وَنَعجَة ٍ
 وَبينَ شَبوبٍ كَالقَضِيمَة ِ قَرْهَبِ
وظل لثيران الصريم غماغمُ
 يداعسها بالسمهريِّ المعلب
فَكابٍ على حُرّ الجبينِ وَمُتّقِ
 بمَدْرِيَة ٍ كَأنّهَا ذَلْقُ مِشْعَبِ
وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوا  
فَعَالُوا عَلَيْنَا فضْلَ ثوْبٍ مُطنَّبِ
وَأَوتادَهُ ماذَيَّةٌ وَعِمادُهُ
 رُدَينِيَّةٌ بِها أَسِنَّةُ قُعضُبِ
وَأَطْنَابُهُ أشطَانُ خوصٍ نَجائِبٍ
 وصهوته من أتحميِّ مشرعب
فَلَمّا دَخَلْنَاهُ أصَغْنَا ظُهُورَنَا
 إلى كلّ حاري جديد مشطب
كأنّ عُيونَ الوَحشِ حَوْلَ خِبائِنَا
 وأرجلنا الجزع الذي لم يثقب
نمش بأعراف الجياد أكفنا
 إذا نحن قمنا عن شواءٍ مضهب
ورحنا كأنا من جواثي عشية
 نعالي النعاجَ بين عدل ومحقب
وراح كتيس الرّبل ينفض رأسهُ
 أذَاة ً بهِ مِنْ صَائِكٍ مُتَحَلِّبِ
كأنك دماءَ الهاديات بنحره
 عُصَارَة حِنّاءٍ بشَيْبٍ مُخَضَّبِ
وأنت إذا استدبرته سد فرجهُ
 بضاف فويقَ الأرض ليس بأصهب


 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

امرؤ القيس : ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي


ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي


ألا عِمْ صَبَاحاً أيّهَا الطّلَلُ البَالي  
وَهل يَعِمنْ مَن كان في العُصُرِ الخالي
وَهَل يَعِمَنْ إلا سَعِيدٌ مُخَلَّدٌ  
قليل الهموم ما يَبيتُ بأوجالِ
وَهَل يَعِمَنْ مَن كان أحدثُ عَهدِه  
ثَلاثِينَ شهراً في ثَلاثَة ِ أحوَالِ
دِيارٌ لسَلمَى عَافِيَاتٌ بذِي خَالِ  
ألَحّ عَلَيها كُلُّ أسْحَمَ هَطّالِ
وتحسبُ سلمى لا تزالُ ترى طَلا
من الوَحشِ أوْ بَيضاً بمَيثاءِ مِحْلالِ
وتحسِبُ سلمى لا نزالُ كعهدنا
بوَادي الخُزَامى أوْ على رَسّ أوْعالِ
لَيَاليَ سَلَمى إذْ تُرِيكَ مُنْصَّباً
وجيداً كجيد الرئم ليس بمعطال
ألا زعمت بسبابة ُ اليوم أنني
كبرت وأن لا يحسنُ اللهو أمثالي
كَذَبتِ لَقَد أَصبى عَلى المَرءِ عِرسُهُ
وَأَمنَعُ عِرسي أَن يُزَنَّ بِها الخالي
وَيَا رُبّ يَوْمٍ قَد لهَوْتُ وَلَيْلَة ٍ
بِآنِسَة ٍ كَأنّهَا خَطُّ تِمْثَالِ
يُضيءُ الفِراشُ وَجهَها لِضَجيعِها
كَمِصباحِ زَيتٍ في قَناديلِ ذَبّالِ
كأنَّ على لباتها جمرَ مُصطل
أصاب غضى جزلاً وكفِّ بأجذال
وَهَبّتْ لهُ رِيحٌ بمُخْتَلَفِ الصُّوَا
صباً وشمال في منازلِ قفّال
ومِثْلِكِ بَيضاءِ العوارِضِ طَفْلة ٍ
لعوبٍ تُنَسِّيني، إذا قُمتُ، سِربالي
إذا ما الضجيعُ ابتزها من ثيابها
تَمِيلُ عَلَيهِ هُونَة ً غَيرَ مِجْبالِ
كحِقْفِ النَّقَا يَمشِي الوَليدَانِ فوْقَه
بما احتسبا من لين مس وتسهال
لَطِيفَة ُ طَيّ الكَشْح غيرُ مُفَاضَة ٍ
إذَا انْفَتَلَتْ مُرْتجّة ً غَيرَ مِثقالِ
تنورتها من أذرعاتٍ وأهلها
بيَثْرِبَ أدْنى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِ
نَظَرتُ إِلَيها وَالنُجومُ كَأَنَّها
مَصابيحُ رُهبانٍ تَشُبُّ لِقَفّالِ
سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أَهلُها
سُموَّ حَبابِ الماءِ حالاً عَلى حالِ
فَقالَت سَباكَ اللَهُ إِنَّكَ فاضِحي
أَلَستَ تَرى السُمّارَ وَالناسَ أَحوالي
فَقُلتُ يَمينَ اللَهِ أَبرَحُ قاعِداً
وَلَو قَطَعوا رَأسي لَدَيكِ وَأَوصالي
حَلَفتُ لَها بِاللَهِ حِلفَةَ فاجِرٍ
لَناموا فَما إِن مِن حَديثٍ وَلا صالِ
فَلَمّا تَنازَعنا الحَديثَ وَأَسمَحَت
هَصَرتُ بِغُصنٍ ذي شَماريخَ مَيّالِ
وَصِرنا إِلى الحُسنى وَرَقَّ كَلامُنا
وَرُضتُ فَذَلَّت صَعبَةٌ أَيَّ إِذلالِ
فَأَصبَحتُ مَعشوقاً وَأَصبَحَ بَعلُها
عَلَيهِ القَتامُ سَيِّئَ الظَنِّ وَالبالِ
يَغُطُّ غَطيطَ البَكرِ شُدَّ خِناقُهُ
لِيَقتُلَني وَالمَرءُ لَيسَ بِقَتّالِ
أَيَقتُلُني وَالمَشرَفِيُّ مُضاجِعي
وَمَسنونَةٌ زُرقٌ كَأَنيابِ أَغوالِ
وَلَيسَ بِذي رُمحٍ فَيَطعَنُني بِهِ
وَلَيسَ بِذي سَيفٍ وَلَيسَ بِنَبّالِ
أَيَقتُلَني وَقَد شَغَفتُ فُؤادَها
كَما شَغَفَ المَهنوءَةَ الرَجُلُ الطالي
وَقَد عَلِمَت سَلمى وَإِن كانَ بَعلُها
بِأَنَّ الفَتى يَهذي وَلَيسَ بِفَعّالِ
وَماذا عَلَيهِ إِن ذَكَرتُ أَوانِساً
كَغِزلانِ رَملٍ في مَحاريبِ أَقيالِ
وَبَيتِ عَذارى يَومَ دَجنٍ وَلَجتُهُ
طُفنَ بِجَبّاءِ المَرافِقِ مِكسالِ
سِباطُ البَنانِ وَالعَرانينِ وَالقَنا  
لِطافَ الخُصورِ في تَمامٍ وَإِكمالِ
نَواعِمُ يُتبِعنَ الهَوى سُبُلَ الرَدى
يَقُلنَ لِأَهلِ الحِلمِ ضُلَّ بِتِضلالِ
صَرَفتُ الهَوى عَنهُنَّ مِن خَشيَةِ الرَدى
وَلَستُ بِمُقليِّ الخِلالِ وَلا قالِ
كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَواداً لِلَذَّةٍ
وَلَم أَتَبَطَّن كاعِباً ذاتَ خِلخالِ
وَلَم أَسبَإِ الزِقَّ الرَويَّ وَلَم أَقُل
لِخَيلِيَ كُرّي كَرَّةً بَعدَ إِجفالِ
وَلَم أَشهَدِ الخَيلَ المُغيرَةَ بِالضُحى
عَلى هَيكَلٍ عَبلِ الجُزارَةِ جَوّالِ
سَليمَ الشَظى عَبلَ الشَوى شَنَجَ النَسا
لَهُ حَجَباتٌ مُشرِفاتٌ عَلى الفالِ
وَصُمٌّ صِلابٌ ما يَقينَ مِنَ الوَجى
كَأَنَّ مَكانَ الرِدفِ مِنهُ عَلى رَألِ
وَقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وُكُناتِها
لِغَيثٍ مِنَ الوَسمِيِّ رائِدُهُ خالِ
تَحاماهُ أَطرافُ الرِماحِ تَحامِياً
وَجادَ عَلَيهِ كُلُّ أَسحَمَ هَطّالِ
بِعَجلَزَةٍ قَد أَترَزَ الجَريُ لَحمَها
كَميتٍ كَأَنَّها هِراوَةُ مِنوالِ
ذَعَرتُ بِها سِرباً نَقِيّاً جُلودُهُ
وَأَكرُعُهُ وَشيُ البُرودِ مِنَ الخالِ
كَأَنَّ الصُوارَ إِذ تَجَهَّدَ عَدوُهُ
عَلى جَمَزى خَيلٍ تَجولُ بِأَجلالِ
فَجالَ الصُوارُ وَاِتَّقَينَ بِقَرهَبٍ
طَويلِ الفِرا وَالرَوقِ أَخنَسَ ذَيّالِ
فَعادى عِداءً بَينَ ثَورٍ وَنَعجَةٍ
وَكانَ عِداءُ الوَحشِ مِنّي عَلى بالِ
كَأَنّي بِفَتخاءِ الجَناحَينِ لَقوَةٍ
صَيودٍ مِنَ العِقبانِ طَأطَأتُ شِملالي
تَخَطَّفُ خَزّانَ الشُرَيَّةِ بِالضُحى
وَقَد حَجَرَت مِنها ثَعالِبُ أَورالِ
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً
لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
فَلَو أَنَّ ما أَسعى لِأَدنى مَعيشَةٍ
كَفاني وَلَم أَطلُب قَليلٌ مِنَ المالِ
وَلَكِنَّما أَسعى لِمَجدٍ مُؤَثَّلٍ
وَقَد يُدرِكُ المَجدَ المُؤَثَّلَ أَمثالي
وَطا المَرءُ ما دامَت حُشاشَةُ نَفسِهِ
بِمُدرِكِ أَطرافِ الخُطوبِ وَلا آلي


 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

امرؤ القيس : معلقة قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل


قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل ( معلقة )



قفا نبك من ذِكرى حبيب ومنزل  
بسِقطِ اللِّوى بينَ الدَّخول فحَوْملِ
فتوضح فالمقراة لم يَعفُ رسمهاَ  
لما نسجتْها من جَنُوب وشمالِ
ترى بَعَرَ الأرْآمِ في عَرَصاتِها  
وقيعانها كأنه حبَّ فلفل
كأني غَداة َ البَيْنِ يَوْمَ تَحَمَلّوا  
لدى سَمُراتِ الحَيّ ناقِفُ حنظلِ
وُقوفاً بها صَحْبي عَليَّ مَطِيَّهُمْ  
يقُولون لا تهلكْ أسى ً وتجمّل
وإنَّ شفائي عبرة ٌ مهراقة ٌ  
فهلْ عند رَسمٍ دارِسٍ من مُعوَّلِ
كدأبكَ من أمِّ الحويَرثِ قبلها  
وجارتها أمَّ الربابِ بمأسل
فَفاضَت دُموعُ العَينِ مِنّي صَبابَةً  
عَلى النَحرِ حَتّى بَلَّ دَمعِيَ مِحمَلي
ألا ربَّ يومٍ لك مِنْهُنَّ صالح  
ولا سيّما يومٍ بدارَة ِ جُلْجُلِ
ويوم عقرتُ للعذارى مطيتي  
فيا عَجَباً من كورِها المُتَحَمَّلِ
فظلَّ العذارى يرتمينَ بلحمها  
وشحمٍ كهداب الدمقس المفتل
ويوم دخلتُ الخدرِ خدر عنيزة  
فقالت لك الويلات إنكَ مُرجلي
تقولُ وقد مالَ الغَبيطُ بنا معاً  
عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزلِ
فقُلتُ لها سيري وأرْخي زِمامَهُ  
ولا تُبعديني من جناك المعللِ
فمِثلِكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضعٍ  
فألهيتُها عن ذي تمائمَ محول
إذا ما بكى من خلفها انْصَرَفَتْ لهُ  
بشِقٍّ وَتحتي شِقُّها لم يُحَوَّلِ
ويوماً على ظهر الكثيبِ تعذَّرت  
عَليّ وَآلَتْ حَلْفَة ً لم تَحَلَّلِ
أفاطِمُ مهلاً بعض هذا التدلل  
وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي
وَإنْ تكُ قد ساءتكِ مني خَليقَة ٌ  
فسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
أغَرّكِ مني أنّ حُبّكِ قاتِلي
 وأنكِ مهما تأمري القلب يفعل
ومَا ذَرَفَتْ عَيْناكِ إلا لتَضْرِبي
 بسَهمَيكِ في أعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
و بيضة ِ خدر لا يرامُ خباؤها
 تَمَتّعتُ من لَهْوٍ بها غيرَ مُعجَلِ
تجاوزْتُ أحْراساً إلَيها ومَعْشَراً
 عليّ حِراساً لو يُسروّن مقتلي
إذا ما الثريا في السماء تعرضت
 تعرضَ أثناء الوشاح المفصَّلِ
فجِئْتُ وقد نَضَّتْ لنَوْمٍ ثيابَها
 لدى السِّترِ إلاَّ لِبْسَة َ المُتَفَضِّلِ
فقالت يمين الله ما لكَ حيلة ٌ
 وما إن أرى عنك الغواية َ تنجلي
خَرَجْتُ بها أمشي تَجُرّ وَراءَنا
 على أثَرَيْنا ذَيْلَ مِرْطٍ مُرَحَّلِ
فلما أجزْنا ساحة الحيِّ وانتحى
 بنا بطنُ خَبْتٍ ذي حِقافٍ عَقَنْقَلِ
هصرتُ بِفودي رأسها فتمايلت
 عليَّ هضيمَ الكَشحِ رِيّا المُخَلخَلِ
إِذا اِلتَفَتَت نَحوي تَضَوَّعَ ريحُها
 نَسيمَ الصَبا جاءَت بِرَيّا القَرَنفُلِ
مُهَفْهَفَة ٌ بَيْضاءُ غيرُ مُفاضَة ٍ
 ترائبها مصقولة ٌ كالسجنجل
كِبِكْرِ المُقاناة ِ البَياضِ بصُفْرَة ٍ
 غذاها نميرُ الماء غير المحللِِ
تصد وتبدي عن أسيلٍ وتتَّقي
 بناظرَة ٍ من وَحش وَجْرَة َ مُطفِلِ
وجيد كجيد الرئم ليس بفاحِش
 إذا هيَ نَصّتْهُ وَلا بمُعَطَّلِ
وَفَرعٍ يَزينُ المَتنَ أَسوَدَ فاحِمٍ
 أَثيثٍ كَقِنوِ النَخلَةِ المُتَعَثكِلِ
غَدائِرُها مُستَشزِراتٌ إِلى العُلا
 تَضِلُّ العِقاصَ في مُثَنّىً وَمُرسَلِ
وكشح لطيف كالجديل مخصر
 وساق كأنبوبِ السقي المُذلل
وَتَعْطو برخَصٍ غيرِ شَثْنٍ كأنّهُ
 أساريعُ ظبي أو مساويكُ إسحلِ
تُضيء الظلامَ بالعشاء كأنها
 منارة ُ ممسى راهب متبتل
وَتُضْحي فَتِيتُ المِسكِ فوق فراشها
 نؤومُ الضُّحى لم تَنْتَطِقْ عن تَفضُّلِ
إلى مثلها يرنو الحليمُ صبابة  
إذا ما اسبكَرّتْ بينَ درْعٍ ومِجْوَلِ
تَسَلَّت عِماياتُ الرِجالِ عَنِ الصِبا
 وَلَيسَ فُؤادي عَن هَواكِ بِمُنسَلِ
ألا رُبّ خَصْمٍ فيكِ ألْوَى رَدَدتُه
 نصيح على تعذَاله غير مؤتل
وليل كموج البحر أرخى سدولهُ
 عليَّ بأنواع الهموم ليبتلي
فَقُلْتُ لَهُ لما تَمَطّى بصلبه
 وأردَف أعجازاً وناءَ بكلْكلِ
ألا أيّها اللّيلُ الطّويلُ ألا انْجَلي
 بصُبْحٍ وما الإصْباحَ مِنك بأمثَلِ
فيا لكَ من ليلْ كأنَّ نجومهُ  
بكل مغار الفتل شدت بيذبلِ
كأن الثريا علِّقت في مصامها
 بأمْراسِ كتّانٍ إلى صُمّ جَندَلِ
وَقَد أَغتَدي وَالطَيرُ في وُكُناتِها
 بِمُنجَرِدٍ قَيدِ الأَوابِدِ هَيكَلِ
مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقبِلٍ مُدبِرٍ مَعاً  
كَجُلمودِ صَخرٍ حَطَّهُ السَيلُ مِن عَلِ
كُمَيتٍ يَزِلُّ اللِبدُ عَن حالِ مَتنِهِ
 كَما زَلَّتِ الصَفواءُ بِالمُتَنَزَّلِ
مسحٍّ إذا ما السابحاتُ على الونى
 أثرنَ غباراً بالكديد المركل
على العقبِ جيَّاش كأن اهتزامهُ
 إذا جاش فيه حميُه غَليُ مِرْجلِ
يطيرُ الغلامُ الخفُّ على صهواته
 وَيُلْوي بأثْوابِ العَنيفِ المُثقَّلِ
دَريرٍ كَخُذْروفِ الوَليدِ أمَرّهُ
 تقلبُ كفيهِ بخيطٍ مُوصلِ
لهُ أيطلا ظبيٍ وساقا نعامة
 وإرخاء سرحانٍ وتقريبُ تنفلِ
كأن على الكتفين منه إذا انتحى
 مَداكَ عَروسٍ أوْ صَلاية َ حنظلِ
وباتَ عَلَيْهِ سَرْجُهُ وَلجامُهُ
 وباتَ بعيني قائماً غير مرسل
فعنَّ لنا سربٌ كأنَّ نعاجَه
 عَذارَى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ
فأدبرنَ كالجزع المفصل بينه
 بجيدِ مُعَمٍّ في العَشيرَة ِ مُخْوَلِ
فألحَقَنا بالهادِياتِ وَدُونَهُ
 جواحِرها في صرة ٍ لم تزيَّل
فَعادى عِداءً بَينَ ثَوْرٍ وَنَعْجَة ٍ
 دِراكاً ولم يَنْضَحْ بماءٍ فيُغسَلِ
وظلّ طُهاة ُ اللّحمِ من بينِ مُنْضِجٍ
 صَفيفَ شِواءٍ أوْ قَديرٍ مُعَجَّلِ
ورُحنا راحَ الطرفُ ينفض رأسه
 متى ما تَرَقَّ العينُ فيه تَسَفَّلِ
كأنَّ دماءَ الهادياتِ بنحره
 عُصارة ُ حِنّاءٍ بشَيْبٍ مُرْجّلِ
وأنتَ إذا استدبرتُه سدَّ فرجه
 بضاف فويق الأرض ليس بأعزل
أحار ترى برقاً أريك وميضه
 كلمع اليدينِ في حبي مُكلل
يُضيءُ سَناهُ أوْ مَصَابيحُ راهِبٍ
 أهان السليط في الذَّبال المفتَّل
قعدت له وصحيبتي بين حامر
 وبين اكام بعدم متأمل
وأضحى يسحُّ الماء عن كل فيقة
 يكبُّ على الأذقان دوحَ الكنهبل
وتيماءَ لم يترُك بها جِذع نخلة
 وَلا أُطُماً إلا مَشيداً بجَنْدَلِ
كأن ذرى رأس المجيمر غدوة ً
 من السَّيلِ وَالأغْثاء فَلكة ُ مِغزَلِ
كأنَّ أباناً في أفانينِ ودقهِ
 كَبيرُ أُناسٍ في بِجادٍ مُزَمَّلِ
وَألْقى بصَحْراءِ الغَبيطِ بَعاعَهُ
 نزول اليماني ذي العياب المخوَّل
كَأَنَّ سِباعاً فيهِ غَرقى غُدَيَّةً
 بِأَرجائِهِ القُصوى أَنابيشُ عَنصُلِ
على قَطَنٍ بالشَّيْمِ أيْمَنُ صَوْبهِ
 وَأيْسَرُهُ عَلى السّتارِ فَيَذْبُلِ
وَأَلقى بِبَيسانَ مَعَ اللَيلِ بَركَهُ
 فَأَنزَلَ مِنهُ العَصمَ مِن كُلِّ مَنزِلِ



 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

ويبقي الشعر : يقـولـون سافر



..ويبقي الشعر
يقـولـون: سافر.. وجرب وحـاول
ففوق الرءوس.. تـدور المعــــاول
وفي الأفـق غـيم.. صراخ.. عويل
وفي الأرض بركان سخط طويــل
وفوق الزهور يموت الجمــــــال..
وتـحت السفوح.. تئن الجـبــــــال
ويخـبو مع القهرعزم الرجــــــال
وما زلت تحمل سيفـا عتيقـــــــا..
تصارع بالحـــلم.. جيش الضلال
يـقـولون: سافر.. فمهما عشقـت
نهاية عشقك حـــــــــزن ثقيــــل
ستغـدو عليها زمــــانـا مشاعــــا
فـحلمك بالصبح وهم جميــــــــل
فكل السواقي التي أطـــربتــــــك
تـلاشـــــــــي غنـــــــاهـــــــــــا
وكل الأمــــــاني التي أرقتــــــك..
نسيـــــــــــــت ضيــــــاهـــــــــا
ووجه الحيـــــــاة القديم البـــريء
تكسر منـك.. مضي.. لن يجـيء
يقـــــــــــولـــــــون: سافـــــــر..
فـمهما تـمادي بك العمــــــر فيها
وحلـــقت بالنـاس بين الأمـــــــل
ستـصبح يوما نـشيدا قـديمـــــــا
ويطـويك بالصمت كهف الأجـل
زمانـك ولـي وأصبحت ضيفـــا
ولـن ينجب الزيف.. إلا الدجـــل..
يقولون سافر.. ولا يعلمــــــون
بأني أموت... وهم يضحكــون
فمازلت أسمع عنـك الحكايــــــا
وما أسوأ الموت بين الظنــــون
ويخفيك عني ليل طويــــــــــــل
أخبئ وجهك بين العيـــــــــــون
وتـعطين قلبك للعابثيـــــــــــــن
ويشقـي بصدك من يخلصـــون
ويقصيك عني زمـــــان لقيـــط
ويهنأ بالوصل... من يخدعون
و أنثر عمـــــري ذرات ضوء
وأسكـب دمي.. وهم يسكرون
و أحمــل عينيك في كل أرض
وأغرس حلـمي.. وهم يسرقون
تساوت لديك دماء الشـهـــــــيد
وعطر الغواني وكأس المجون
ثلاثون عاما وسبع عجـــــــاف
يبيعون فيك.. ولا يخجلـــــون
فلا تتـركي الفجر للسارقيـــــن
فعار علي النيل ما يفعلــــــون
لأنك مهمــــــــــا تناءيت عنـي
وهـــان علي القلب ما لا يهون
و أصبحت فيك المغنـي القديم
أطوف بلحني.. ولا يسمعون
أموت عليك شهيدا بعشقــــــي
وإن كان عشقي بعض الجنـون
فكل البلاد التي أسكرتنــــــي
أراها بقلـبي.. تــــــراتيل نيل
وكل الجمال الذي زار عيــني
وأرق عمري.. ظلال النـخيل
وكل الأماني الـتي راودتــــني
و أدمت مع اليأس قلبي العليل
رأيتك فيها شبابا حزينــــــــــا
تسابيح شوق.. لعمر جمــــيل
يقــــــــولـون ســــــــــــــــافر..
أموت عليك.. وقبل الرحيـل
سأكتب سطرا وحيدا بدمــــي
أحـــــبــــــــــــــــــك أنـــــت..
زمانـا من الحلم.. والمستحيـل





 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

هوامش حرة : في معركة الدستور كلنا خاسرون


هوامش حرة
في معركة الدستور كلنا خاسرون 
بقلم: فاروق جويدة
28/12/2012

انتهت معركة الاستفتاء علي الدستور وتركت خلفها جراحا عميقة في جسد المجتمع المصري بكل طوائفه وفئاته‏..‏ لا يوجد منتصر أو مهزوم في معركة الدستور‏,
وقد يبدو ان هناك تيارا حقق ما اراد واقتنص لحظة تاريخية حلم بها يوما ولكن المؤكد ان في النصر مرارة تعادل تماما مرارة الهزيمة..

الثلاثاء، 25 ديسمبر، 2012

هوامش حرة : حقائق غائبة


هوامش حرة
حقائق غائبة 
بقلم: فاروق جويدة
05/06/2012

كل المقدمات التي جاءت في قضية محاكمة الرئيس السابق وولديه ورموز حكمه اتسمت بالقصور وغياب الحقائق وعدم الجدية ولهذا لم يكن غريبا ان تكون النتائج بهذه الصورة التي أدت إلي خروج الشارع المصري مرة أخري.

هوامش حرة : أين أوراق القضية ؟


هوامش حرة
أين أوراق القضية ؟ 
بقلم: فاروق جويدة
04/06/2012



لا أدعي الفهم في القانون والأحكام ولكنني توقفت كثيرا عند هذه الكلمات التي جاءت علي لسان المستشار أحمد رفعت وهو يقرأ حكم محكمة الجنايات في قضية القرن التي قضت بالسجن المؤبد للرئيس السابق ووزير داخليته حبيب العادلي وبرأت بعد ذلك جميع المتهمين‏.. ‏قال المستشار أحمد رفعت‏..‏

هوامش حرة : الثورة و جني الثمار


هوامش حرة
الثورة و جني الثمار 
بقلم: فاروق جويدة
03/06/2012

في أحيان كثيرة أحاول ان استعيد صورة الشعب المصري ايام ثورة يناير‏.‏اتوقف كثيرا عند تلك الوجوه التي رأيناها مرة واحدة ثم غابت وأسأل نفسي اين الثوار الحقيقيون الذين كنا نراهم علي الشاشات تحت حوافر الخيول والجمال والسيارات المصفحة وجنازير الأمن المركزي؟‏.

هوامش حرة : لسنا فقراء‏..‏ ولكن


هوامش حرة
لسنا فقراء‏..‏ ولكن 
بقلم: فاروق جويدة
02/06/2012


من الخطأ أن يدعي البعض أن مصر دولة فقيرة وأن السبب فيما نعاني من أزمات اقتصادية هو زيادة السكان‏..‏ وأن الحكومات المتعاقبة في العهد الفاسد البائد قد أنجزت وأن الشعب المصري شعب جاحد لأنه لم يقدر ما قدمه هذا العهد من المكاسب‏..‏
أما أن مصر دولة فقيرة فهذا كذب صريح والدليل أن ثرواتها نهبت عبر سنوات طويلة ومازالت تقف علي قدميها ولكن الأزمة الحقيقية أن ثروات مصر وصلت إلي مجموعة من الأشخاص والعائلات دون وجه حق وأن مجتمع الربع في المائة قد استولي علي كل موارد الدولة.. وهناك موارد واضحة تسللت إلي حسابات هذه الفئة.. كان في مقدمتها تجارة الاراضي أن تحصل علي تأشيرة وزير بمساحة من الأراضي وتربح فيها مائة مليون جنيه وأكثر.. هناك صفقات بيع القطاع العام وخلفها طابور طويل من السماسرة والمستفيدين يبدأ بعلية القوم من أصحاب القرار والوزراء وكبار المسئولين وينتهي بالمحامين والمستشارين والإعلاميين وحملة الأقلام والمباخر.. وهناك قروض البنوك التي لم تسدد وهذه الصفقات وحدها تجاوزت 100 مليار جنيه تمت تسويتها بشروط لا يعرفها أحد وهناك أيضا تجارة الممنوعات التي انتشرت في مصر وأفسدت أجيالا كاملة ابتداء بالمخدرات وانتهاء بالأدوية الممنوعة والمحرمة دوليا بجانب المنشطات بكل أنواعها.. وهناك ملايين الأفدنة التي تحولت إلي مبان وعقارات في كل أرجاء مصر وقد حققت أرباحا مذهلة.. وهناك مشروعات التعليم الخاص في المدارس والجامعات وقد حقق أرباحا رهيبة للعاملين فيه.. وهناك مصدر مالي رهيب ضاعت فيه مدخرات الغلابة وكسبت فيه الحيتان الكبيرة أموالا ضخمة وهي البورصة وسوق الأوراق المالية أكبر أكذوبة وعملية نصب في تاريخ مصر الحديث.. هذه المشروعات كلها تقريبا لم تنتج سلعة ولم توفر غذاء ولم تصل إلي فقراء هذا الشعب انها الثمار التي اختطفتها عصابات النظام السابق وكان عددهم لا يتجاوز بضعة الاف من البشر بينما هناك 85 مليون مصري مازالوا يعانون الفقر والحرمان ومازال بيننا من يدعي أن مصر دولة فقيرة.


 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

ويبقي الشعر : لماذا استكنت


ويبقي الشعر
لماذا استكنت....
وأرضعتـنا الخوف عمرا طويلا
وعلمتـنا الصمت.. والمستحيل..
وأصبحت تهرب خلف السنين
تجيء وتغدو.. كطيف هزيل
لما استكنت؟
وقد كنت فينا شموخ الليالي
وكنت عطاء الزمان البخيل
تكسرت منـا وكم من زمان
علي راحتيك تكسر يوما.
.ليبقي شموخك فوق الزمان
فكيف ارتضيت كهوف الهوان..
لقد كنت تأتي
وتحمل شيئـا حبيبا علينا
يغير طعم الزمان الرديء..
فينساب في الأفق فجر مضيء..
وتبدو السماء بثوب جديد
تـعانق أرضا طواها الجفاف
فيكـبر كالضوء ثدي الحياة
ويصرخ فيها نشيد البكارة
يصدح في الصمت صوت الوليد
لقد كنت تأتي
ونشرب منك كؤوس الشموخ
فنعلـو.. ونعلـو..
ونرفع كالشمس هاماتنا
وتسري مع النور أحلامنا
فهل قيدوك.. كما قيدونا..؟!
وهل أسكتوك.. كما أسكتونا؟
دمائي منك..
ومنذ استكنت رأيت دمائي
بين العروق تـميع.. تـميع
وتصبح شيئـا غريبا عليا
فليست دماء.. ولا هي ماء.. ولا هي طين
لقد علـمونا ونحن الصغار
بأن دماءك لا تستكين
وراح الزمان.. وجاء الزمان
وسيفك فوق رقاب السنين
فكيف استكنت..
وكيف لمثلك أن يستكين ع
لي وجنتيك بقايا هموم..
وفي مقلتيك انهيار وخوف
لماذا تخاف؟
لقد كنت يوما تـخيف الملوك
فخافوا شموخك
خافوا جنونـك
كان الأمان بأن يعبدوك
وراح الملوك وجاء الملوك
وما زلت أنت مليك الملوك
ولن يخلعوك..
فهل قيدوك لينهار فينا
زمان الشموخ ؟
وعلمنا القيد صمت الهوان
فصرنا عبيدا.. كما اسـتعبدوك
تعال لنحي الربيع القديم..
وطهر بمائك وجهي القبيح
وكسر قيودك.. كسر قيودي
شر البلية عمر كسيح
وهيا لنغرس عمرا جديدا
لينبت في القـبح وجه جميل
فمنذ استكنت.. ومنذ استكنـا
وعنوان بيتي شموخ ذليل
تعال نعيد الشموخ القديم
فلا أنا مصر.. ولا أنت نيل .


 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

هوامش حرة : الحــائط المســــدود


هوامش حرة .. 
الحــائط المســــدود 
بقلم: فاروق جويدة
1/6/2012


حتي وقت قريب كنا نري في آخر النفق المظلم ضوءا خافتا يمنحنا بعض الأمل وبعض التفاؤل‏,‏ رغم اننا نمضي في طريق مجهول وربما وصل بنا إلي نتائج ترضينا‏..‏
حتي وقت قريب كنا نري في آخر النفق المظلم ضوءا خافتا يمنحنا بعض الأمل وبعض التفاؤل, رغم اننا نمضي في طريق مجهول وربما وصل بنا إلي نتائج ترضينا.. والآن اكتشفنا ان في آخر النفق حائطا مسدودا وان ما رأيناه لم يكن أكثر من سراب خادع,واننا في نهاية المطاف نجني ثمار أخطاء فادحة كان من الممكن ان نتجنبها أو علي الأقل نخفف من آثارها الكارثيه.. يقف المصريون الآن امام مستقبل غامض نكاد نخسر فيه واحدة من أروع الفرص التي أتيحت لنا ولم نتعامل معها بقدر من الحكمة, وان ما رأيناه ضوءا أصبح الآن سرابا.. ما يحدث علي الساحة الأن ليس جديدا وما وصلنا إليه من النتائج السيئة سبقته مقدمات كثيرة كان العقلاء في هذا البلد يحذرون منها وينبهون إليها,ويؤكدون ان ما يحدث يحمل مخاطر كثيرة
< من كان يصدق ان تصل بنا الانقسامات والصراعات والمعارك إلي ان نجد انفسنا امام فريقين لا ثالث بينهما هما الإخوان المسلمون والحزن الوطني.. دارت بنا الأحداث والأيام والمعارك لنعود مرة أخري إلي نقطة الصراع الأبدي الذي ضيع علي هذا الشعب فرصا كثيرة للتقدم في كل المجالات.. عادت صورة الصراع الدامي بين الإخوان المسلمين والسلطة الحاكمة سواء كانت مجلسا عسكريا أو اتحادا إشتراكيا أو قوميا أو وطنيا,أو كل هذه المؤسسات التي احتكرت سلطة القرار منذ قامت ثورة يوليو وبدأ عداؤها التقليدي مع الإخوان المسلمون والتيارات الدينية.. من كان يتصور بعد ثورة يناير وانتفاضة شباب مصر ان تكون الجولة الأخيرة لاختيار رئيس للجمهورية بين الإخوان والحزب الوطني. كنا نحذر منذ عام ونصف العام ان الانقسامات بين القوي السياسية والوطنية سوف تؤدي إلي تصفيات واختراقات وان اولي ضحاياها هم شباب الثورة ومستقبل هذا الشعب.. والآن نقف جميعا امام ركام هذه المعارك والجميع يندب حظه.
< كنا جميعا نعلم ان هناك اطرافا خارجية تسللت إلي الشارع المصري بعد الثورة وانها تمهد لأحداث كبري,وان المال السياسي يتدفق بقوة ويفسد الذمم ويشتري الضمائر ابتداء بشراء اصوات الناخبين بالمال وانتهاء بالطعام والسكر والزيت وان البعض ينتهز فرصة الوضع المأساوي لطبقات اجتماعية منهكة تعاني ظروفا اقتصادية صعبة طوال عهد الحكم البائد وان هذه الظروف ازدادت سوءا امام انهيار الأمن وغياب السياحة وتراجع الموقف الاقتصادي, ولم يكن خافيا علي أحد ان طبقة المنتفعين من العهد البائد سوف تدفع اموالا طائلة لإسقاط الثورة وتشويه صورتها في ضمير الناس وان هناك مخططا في غاية الذكاء لإرباك المصريين والدخول بهم في دوامة قاسية تدفع بهم دفعا إلي حالة من الإحباط والاكتئاب والحيرة..
< كنا نشاهد بأعيننا الإعلام المتواطئ بكل أجهزته وأساليبه الصحفية والفضائية والإلكترونية وهو يمارس كل ألوان الخداع والدمار والمتاجرة.. وكنا نري الفضائيات وهي تشيد كل يوم بمئات الملايين وتشتري الأقلام والعقول والأفكار والذمم, وكنا نعلم ان ذلك كله يحمل برامج واضحة لتخريب ما بقي من عقل ووعي هذا الشعب.. ونجح الإعلام المأجور في تشويه الثورة وترويع الشعب وشراء الضمائر والتمهيد لحالة انفلات علي كل المستويات شارك الإعلام المأجور في زيادة الانقسامات ونشر الفتن بين القوي السياسية وفتح النيران من كل جانب وبدأت عملية تصفيات لكل فكر واع وضمير حي.. لعب الإعلام المصري دورا مشبوها في إجهاض الثورة وتشويه رموزها وللأسف الشديد ان ذلك كله تم تحت عين السلطة وكانت تري مئات الملايين التي هبطت علي الإعلام المصري ولم يتحرك أحد ووصلت بنا حدة الإنقسامات إلي أبناء الأسرة الواحدة وما حدث في الانتخابات الرئاسية أكبر تأكيد علي ذلك.
< كنا نري التصفيات الفكرية والمعارك الأيديولوجية وكأننا عدنا مرة أخري إلي زمن الحرب الباردة, فكان الهجوم الضاري من أبواق العهد البائد علي التيارات الدينية, واتسعت دائرة الخصومة للطعن في كل شئ وإشعال الفتن في كل اتجاه وكانت هناك أقلام جاهزة بحكم تاريخها الطويل في حمل المباخر للنظام السابق وكل نظام لاحق,وهنا إشتعلت الحرب بين الإسلاميين والسلفيين والعلمانيين والليبراليين ونسي هؤلاء جميعا ان هناك وطنا يتمزق تحت أبواقهم وان هذا ليس وقت المعارك والتصفيات,ووصل الأمر إلي ما نحن فيه الآن إما أنتم أو نحن رغم اننا جميعا سنلقي نفس المصير تحت سياط الاستبداد..
الغريب في الأمر ان كل هذه الاتجاهات سواء من حملت راية الدين أو حملة راية الليبرالية لم تتعلم من دروس الماضي حين استخدمتها سلطات البطش والاستبداد في تصفية بعضها البعض.. كلنا يذكر معارك التيارات الدينية مع تيارات اليسار والماركسيين والعلمانيين وكيف استغلت السلطات الحاكمة هذه الخلافات الفكرية في تصفية الجميع.. كانت هذه التيارات مجرد ادوات للسلطة تستخدمها حين تريد,وللأسف الشديد ان الأخطاء تكررت مع ثورة يناير بنفس الأساليب ونفس الدرجة من الغباء السياسي والتخلف الفكري.
كنا نتصور اننا تعلمنا بعد ان وصلنا من العمر أرذله ولكن للأسف دارت نفس المعارك وبنفس الأساليب, والأخطر من ذلك اننا لم نكتف بأجيال قديمة مارست هذا العبث ولكننا تركنا للأجيال الجديدة نفس الأمراض ونفس النقائص التي اضاعت اجيالنا المغيبة.
< في الوقت الذي إتجهت فيه كل الجهود والأعمال إلي تصفية القوي السياسية والوطنية التي شاركت في ثورة يناير بقيت مؤسسات النظام السابق بكل متاريسها المادية والمعنوية تمارس دورها في السيطرة وتوجيه الأحداث.. كانت المعارك والتصنيفات تجري بين الإسلاميين والعلمانيين والسلفيين والليبراليين بينما هناك فريق أخر ابتعد تماما عن هذه المعارك حتي لا يصيبه رذاذها.. نسيت الفصائل المتصارعة من قوي الثورة الأموال المهربة.. والشركات المباعة.. والجرائم السياسية طوال ثلاثين عاما ومواكب الفساد المالي والسياسي والفكري والسلوكي.. نسيت قوي الثورة عشرات بل مئات الأشخاص الهاربين بأموال الشعب.. ونسيت ما حدث في سجلات المعتقلين السياسيين من كل هذه التيارات واتجهت إلي تصفية بعضها البعض.. وشارك الإعلام المصري بدور رهيب في إشعال الفتن بين القوي الوطنية التي شاركت في الثورة,وكان ينبغي ان تكمل هذه القوي مشوارها لتأكيد نجاح الثورة في اقتلاع جذور ومؤسسات العهد البائد,ولكنها للأسف الشديد تفرغت لضرب وتصفية بعضها البعض.. وكانت النتيجة ان تحولت صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات والنت والفيس بوك إلي أبواق لتشويه كل من شارك في الثورة من جميع القوي والأجيال حتي تقطعت كل جسور التواصل بين هذه الثورة والمواطن المصري.. تحول الثوار في الإعلام المصري إلي عملاء ومرتزقة.. وتحولت القوي السياسية أيا كان تاريخها إلي معاقل للتخلف.. وتحول المناضلون الذين وقفوا ضد العهد البائد إلي مجموعة من أصحاب المصالح.. واستطاع السيرك الإعلامي ان يضيع علي المصريين واحدة من اهم واعظم الفرص الضائعة في تاريخهم الحديث وبدلا من ان تتجمع قوي الثورة وتتوحد لإزالة ما بقي من العهد البائد بعد سقوط رأس النظام تحولت جميعها بكل تياراتها الفكرية إلي معاول لهدم بعضها البعض,وحين افاقت وجدت نفسها امام حائط مسدود
< وكان من أسوأ النتائج التي شهدتها ساحة القوي السياسية انها فقدت الثقة في بعضها البعض واصبح من الصعب ان تري تيارا واحدا يجتمع حول مبدأ أو فكرة,انقسم الإسلاميون علي بعضهم ما بين إخوان وسلفيين وجماعات إسلاميه,وانقسم الثوار ما بين فصائل مع أو ضد,وانقسم الليبراليون والعلمانيون واخيرا انقسمت مصر كلها إلي اتجاهين ما بين الثورة وأعداء الثورة, وما بين الوطني والإخوان, وما بين التيار الديني والتيار المدني وتحاول ان تسأل هؤلاء جميعا عن جوانب الخلاف وتكتشف انهم جميعا شاركوا في ثورة يناير وباعوها في سوق المزايدات والمصالح
في الإنتخابات الرئاسية لم يتفق الجميع علي شيء اختلف الثوار مع الثوار,واختلف الإسلاميون مع الإسلاميين, واختلف الليبراليون مع الليبراليين ولم يربح أحد.
إن السؤال الحائر الآن في الشارع المصري ماذا نفعل امام هذا الحائط المسدود.. وماذا عن الثورة.. والمستقبل.. واحلام التغيير..
أولا: مازلت عند موقفي ان علينا كشعب ان نخوض التجربة حتي آخر مداها حتي لو تحولت إلي مواجهة بين الإخوان والحزب الوطني, لأن الإخوان الآن ليسوا إخوان الأمس, ولأن الحزب المنحل لا يمكن ان يرجع للوراء إلا إذا عاد الزمن وهذا امر مستحيل علينا الآن ان نمارس الديمقراطية بشروطها وثوابتها وهي أشياء لا خلاف عليها اساسها احترام إرادة الشعب.
ثانيا: من حق كل مواطن ان يختار المرشح الذي يريد حسبما يمليه عليه ضميره الوطني, وقد تأكد لنا بعد ثورة يناير ان هذا الشعب قادر علي إسقاط اي نظام يتعارض مع مصالحه ومطالبه وطموحاته.. وإذا كان الشعب قد أسقط دولة الاستبداد فهو قادر علي أن يفعل ذلك الف مرة.. ان مصر الخنوع قد ودعت عهد البطش والتحايل والاستبداد ولن تعود إليه مرة أخري,وعلينا ان نثق في انفسنا واننا قادرون علي ان نرفض ونحتج,وان أي رئيس قادم لهذا الوطن لابد ان يدرك من البداية انه جاء ليحكم شعبا آخر في زمان آخر وبشروط تختلف تماما عن كل ما عشناه في زمن القمع والإستبداد
ثالثا: لايهم الآن من هو الرئيس القادم ولكن الأهم ان نجد دستورا يؤكد دور هذا الشعب من خلال قوانين تحمي العدالة وحرية الفرد وحقه في حياة كريمة إن الدستور اقوي من أي حاكم والقانون ميزان العدالة وكل الحكام الطغاه اقاموا دولتهم علي أنقاض الدساتير واشلاء القوانين وغياب العدالة وفوضي القمع والاستبداد.
رابعا: في ظل انتخابات نزيهة وإرادة شعبيه حقيقية ورقابة دولية ومحلية علي لجان الإنتخابات سوف نقبل أي رئيس تحمله إرادة الشعب حتي لو جاء علي غير رغبة منا,وعلي الرافضين ان يأخذوا مواقعهم في تشكيل معارضة جادة وحكومة ظل ونخبة تدرك مسئوليتها في حماية مصالح الشعب, علينا ان نشارك في تشييد نظام حكم جديد يؤمن بالحوار ويترفع عن صراعات المصالح ويعيد لمصر نخبتها العظيمة التي ظلت دائما حصنا للحريات وقلعة من قلاع الوطنية.
لنجعل من هذه الانتخابات درسا نتعلم منه حتي ولو كان الدرس خاطئا ومؤلما وكئيبا لان الشعوب تتعلم من تجاربها حتي ولوكانت مؤلمة. ان ملايين الاصوات التي ضاعت امام أخطاء مرشحي الثورة يجب ان تكون الاساس لبناء جبهة وطنية ثورية جديدة تقود هذا الوطن نحو المستقبل.
في ظل انتخابات شرعية وبرلمان منتخب ورئيس جاء بقرار من شعبه وقوانين صحيحة ودستور ملزم لن يسمح المصريون بميلاد فرعون جديد, وعلينا ان نمضي في الطريق حتي لو كان مفزعا ومخيفا وجاء علي غير ماتمنينا أو توقعنا.. سوف ننتخب رئيسا جديدا ولدينا الثقة في اننا قادرون علي عزله بنفس الإرادة الشعبية التي وصلت به إلي كراسي السلطة.


 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ

الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

وحي القلم - اليمامتان


وحي القلم - اليمامتان




جاء في تاريخ الواقدي "أن "المقوقس" عظيم القبط في مصر، زوج بنته "أرمانوسة" من "قسطنطين بن هرقل" وجهزها بأموالها حشمًا لتسير إليه، حتى يبني عليها في مدينة قيسارية1؛ فخرجت إلى بلبيس وأقامت بها... وجاء عمرو بن العاص إلى بلبيس فحاصرها حصارًا شديدًا، وقاتل من بها، وقتل منهم زهاء ألف فارس، وانهزم من بقي إلى المقوقس، وأخذت أرمانوسة وجميع ما لها، وأخذ كل ما كان للقبط في بلبيس. فأحب عمرو ملاطفة المقوقس، فسير إليه ابنته مكرمة في جميع ما لها، "مع قيس بن أبي العاص السهمي"؛ فسُرَّ بقدومها...".
هذا ما أثبته الواقدي في روايته، ولم يكن معنيًّا إلا بأخبار المغازي والفتوح، فكان يقتصر عليها في الرواية؛ أما ما أغفله فهو ما نقصه نحن:
كانت لأرمانوسة وصيفة مولدة تسمى "مارية"، ذات جمال يوناني أتمته مصر ومسحته بسحرها، فزاد جمالها على أن يكون مصريا، ونقص الجمال اليوناني أن يكونه؛ فهو أجمل منهما، ولمصر طبيعة خاصة في الحسن؛ فهي قد تخمل شيئًا في جمال نسائها أو تشعث منه، وقد لا توفيه جهد محاسنها الرائعة؛ ولكن متى نشأ فيها جمال ينزع إلى أصل أجنبي أفرغت فيه سحرها إفراغًا، وأبت إلا أن تكون الغالبة عليه، وجعلته آيتها في المقابلة بينه في طابعه المصري، وبين أصله في طبيعة أرضه كائنة ما كانت؛ تغار على سحرها أن يكون إلا الأعلى.
وكانت مارية هذه مسيحية قوية الدين والعقل، اتخذها المقوقس كنيسة حية لابنته، وهو كان واليًا وبطريركًا على مصر من قبل هرقل؛ وكان من عجائب صنع الله أن الفتح الإسلامي جاء في عهده، فجعل الله قلب هذا الرجل مفتاح القفل القبطي، فلم تكن أبوابهم تدافع إلا بمقدار ما تدفع، تقاتل شيئًا من القتال غير كبير، أما الأبواب الرومية فبقيت مستغلقة حصينة لا تذعن إلا للتحطيم، ووراءها نحو مائة ألف رومي يقاتلون المعجزة الإسلامية التي جاءتهم من بلاد العرب أول ما جاءت في أربعة آلاف رجل، ثم لم يزيدوا آخر ما زادوا على اثني عشر ألفًا. كان الروم مائة ألف مقاتل بأسلحتهم -ولم تكن المدافع معروفة- ولكن روح الإسلام جعلت الجيش العربي كأنه اثنا عشر ألف مِدْفَع بقنابلها، لا يقاتلون بقوة الإنسان، بل بقوة الروح الدينية التي جعلها الإسلام مادة منفجرة تشبه الديناميت قبل أن يُعرَف الديناميت!
ولما نزل عمرو بجيشه على بلبيس، جزعت مارية جزعًا شديدًا؛ إذ كان الروم قد أرجفوا أن هؤلاء العرب قوم جياع ينفضهم الجدب على البلاد نفض الرمال على الأعين في الريح العاصف؛ وأنهم جراد إنساني لا يغزو إلا لبطنه؛ وأنهم غلاظ الأكباد كالإبل التي يمتطونها؛ وأن النساء عندهم كالدواب يُرتبطْنَ على خَسْف؛ وأنهم لا عهد لهم ولا وفاء، ثَقُلت مطامعهم وخَفَّت أمانتهم؛ وأن قائدهم عمرو بن العاص كان جزَّارًا في الجاهلية، فما تدعه روح الجزار ولا طبيعته؛ وقد جاء بأربعة آلاف سالخ من أخلاط الناس وشذاذهم، لا أربعة آلاف مقاتل من جيش له نظام الجيش!
وتوهمت مارية أوهامها، وكانت شاعرة قد درست هي وأرمانوسة أدب يونان وفلسفتهم، وكان لها خيال مشبوب متوقد يشعرها كل عاطفة أكبر مما هي، ويضاعف الأشياء في نفسها، وينزع إلى طبيعته المؤنثة، فيبالغ في تهويل الحزن خاصة، ويجعل من بعض الألفاظ وقودًا على الدم.
ومن ذلك استُطير قلب مارية وأفزعتها الوساوس، فجعلت تندب نفسها, وصنعت في ذلك شعرًا هذه ترجمته:
جاءك أربعة آلاف جزار أيتها الشاة المسكينة!
ستذوق كل شعرة منك ألم الذبح قبل أن تُذبَحي!
جاءك أربعة آلاف خاطف أيتها العذراء المسكينة!
ستموتين أربعة آلاف مِيتة قبل الموت!
قوني يا إلهي؛ لأغمد في صدري سكينًا يرد عني الجزارين!
يا إلهي، قَوِّ هذه العذراء؛ لتتزوج الموت قبل أن يتزوجها العربي...!
وذهبت تتلو شعرها على أرمانوسة في صوت حزين يتوجع؛ فضحكت هذه وقالت: أنت واهمة يا مارية؛ أنسيت أن أبي قد أهدى إلى نبيهم بنت "أَنْصِنا"1، فكانت عنده في مملكة بعضها السماء, وبعضها القلب؟ لقد أخبرني أبي أنه بعث بها لتكشف له عن حقيقة هذا الدين وحقيقة هذا النبي؛ وأنها أنفذت إليه دسيسًا يُعلمه أن هؤلاء المسلمين هم العقل الجديد الذي سيضع في العالم تمييزه بين الحق والباطل، وأن نبيهم أطهر من السحابة في سمائها، وأنهم جميعًا ينبعثون من حدود دينهم وفضائله، لا من حدود أنفسهم وشهواتها؛ وإذا سلوا السيف سلوه بقانون، وإذا أغمدوه أغمدوه بقانون. وقالت عن النساء: لأن تخاف المرأة على عفتها من أبيها أقرب من أن تخاف عليها من أصحاب هذا النبي؛ فإنهم جميعًا في واجبات القلب وواجبات العقل، ويكاد الضمير الإسلامي في الرجل منهم, يكون حاملًا سلاحًا يضرب صاحبه إذا هم بمخالفته.
وقال أبي: إنهم لا يغيرون على الأمم، ولا يحاربونها حرب المُلك؛ وإنما تلك طبيعة الحركة للشريعة الجديدة، تتقدم في الدنيا حاملة السلاح والأخلاق، قوية في ظاهرها وباطنها، فمن وراء أسلحتهم أخلاقهم؛ وبذلك تكون أسلحتهم نفسها ذات أخلاق!
وقال أبي لها: إن هذا الدين سيندفع بأخلاقه في العالم اندفاع العصارة الحية في الشجرة الجرداء؛ طبيعة تعمل في طبيعة؛ فليس يمضي غير بعيد حتى تخضرّ الدنيا وترمي ظلالها؛ وهو بذلك فوق السياسات التي تشبه في عملها الظاهر الملفق ما يعد كطلاء الشجرة الميتة الجرداء بلون أخضر... شتان بين عمل وعمل، وإن كان لون يشبه لونًا...
فاستروحت مارية واطمأنت باطمئنان أرمانوسة، وقالت: فلا ضير علينا إذا فتحوا البلد، ولا يكون ما نستضر به؟
قالت أرمانوسة: لا ضير يا مارية، ولا يكون إلا ما نحب لأنفسنا؛ فالمسلمون ليسوا كهؤلاء العلوج من الروم، يفهمون متاع الدنيا بفكرة الحرص عليه، والحاجة إلى حلاله وحرامه، فهم القساة الغلاظ المستكلِبون كالبهائم؛ ولكنهم يفهمون متاع الدنيا بفكرة الاستغناء عنه والتمييز بين حلاله وحرامه، فهم الإنسانيون الرحماء المتعففون.
قالت مارية: وأبيك يا أرمانوسة، إن هذا لعجيب! فقد مات سقراط وأفلاطون وأرسطو وغيرهم من الفلاسفة والحكماء، وما استطاعوا أن يؤدبوا بحكمتهم وفلسفتهم إلا الكتب التي كتبوها...! فلم يخرجوا للدنيا جماعة تامة الإنسانية، فضلًا عن أمة كما وصفتِ أنتِ من أمر المسلمين؛ فكيف استطاع نبيهم أن يخرج هذه الأمة وهم يقولون: إنه كان أميا؟ أفتسخر الحقيقة من كبار الفلاسفة والحكماء وأهل السياسة والتدبير؛ فتدعهم يعملون عبثًا أو كالعبث، ثم تستسلم للرجل الأمي الذي لم يكتب ولم يقرأ ولم يدرس ولم يتعلم؟
قالت أرمانوسة: إن العلماء بهيئة السماء وأجرامها وحساب أفلاكها، ليسوا هم الذين يشقون الفجر ويُطلعون الشمس؛ وأنا أرى أنه لا بد من أمة طبيعية بفطرتها يكون عملها في الحياة إيجاد الأفكار العلمية الصحيحة التي يسير بها العالم، وقد درست المسيح وعمله وزمنه، فكان طيلة عمره يحاول أن يوجد هذه الأمة، غير أنه أوجدها مصغرة في نفسه وحوارييه، وكان عمله كالبدء في تحقيق الشيء العسير؛ حسبه أن يثبت معنى الإمكان فيه.
وظهور الحقيقة من هذا الرجل الأمي هو تنبيه الحقيقة إلى نفسها؛ وبرهانها القاطع أنها بذلك في مظهرها الإلهي. والعجيب يا مارية، أن هذا النبي قد خذله قومه وناكروه وأجمعوا على خلافه، فكان في ذلك كالمسيح، غير أن المسيح انتهى عند ذلك؛ أما هذا فقد ثبت ثبات الواقع حين يقع؛ لا يرتد ولا يتغير؛ وهاجر من بلده، فكان ذلك أول خُطا الحقيقة التي أعلنت أنها ستمشي في الدنيا، وقد أخذت من يومئذ تمشي1. ولو كانت حقيقة المسيح قد جاءت للدنيا كلها لها جرت به كذلك، فهذا فرق آخر بينهما. والفرق الثالث أن المسيح لم يأت إلا بعبادة واحدة هي عبادة القلب، أما هذا الدين فعلمت من أبي أنه ثلاث عبادات يشد بعضها بعضًا: إحداها للأعضاء, والثانية للقلب، والثالثة للنفس؛ فعبادة الأعضاء طهارتها واعتيادها الضبط؛ وعبادة القلب طهارته وحبه الخير؛ وعبادة النفس طهارتها وبذلها في سبيل الإنسانية. وعند أبي أنهم بهذه الأخيرة سيملكون الدنيا؛ فلن تُقهَر أمة عقيدتها أن الموت أوسع الجانبين وأسعدهما.
قالت مارية: إن هذا والله لسر إلهي يدل على نفسه؛ فمن طبيعة الإنسان ألا تنبعث نفسه غير مبالية الحياة والموت إلا في أحوال قليلة، تكون طبيعة الإنسان فيها عمياء؛ كالغضب الأعمى، والحب الأعمى، والتكبر الأعمى؛ فإذا كانت هذه الأمة الإسلامية كما قلتِ منبعثة هذا الانبعاث، ليس فيها إلا الشعور بذاتيتها العالية, فما بعد ذلك دليل على أن هذا الدين هو شعور الإنسان بسموّ ذاتيته، وهذه هي نهاية النهايات في الفلسفة والحكمة.
قالت أرمانوسة: وما بعد ذلك دليل على أنكِ تتهيئين أن تكوني مسلمة يا مارية!
فاستضحكتا معًا وقالت مارية: إنما ألقيتِ كلامًا جاريتُكِ فيه بحسبه، فأنا وأنت كافرتان لا مسلمتان.
قال الراوي: وانهزم الروم عن بلبيس، وارتدوا إلى المقوقس في "منف"، وكان وحي أرمانوسة في مارية مدة الحصار -وهي نحو الشهر- كأنه فكر سكن فكرًا وتمدد فيه؛ فقد مر ذلك الكلام بما في عقلها من حقائق النظر في الأدب والفلسفة، فصنع ما يصنع المؤلف بكتاب ينقحه، وأنشأ لها أخيلة تجادلها وتدفعها إلى التسليم بالصحيح لأنه صحيح، والمؤكد لأنه مؤكد.
ومن طبيعة الكلام إذا أثر في النفس، أن ينتظم في مثل الحقائق الصغيرة التي تلقى للحفظ؛ فكان كلام أرمانوسة في عقل مارية هكذا: "المسيح بدء وللبدء تكملة، ما من ذلك بد. لا تكون خدمة الإنسانية إلا بذات عالية لا تبالي غير سموها. الأمة التي تبذل كل شيء وتستمسك بالحياة جبنًا وحرصًا لا تأخذ شيئًا، والتي تبذل أرواحها فقط تأخذ كل شيء".
وجعلت هذه الحقائق الإسلامية وأمثالها تُعرّب هذا العقل اليوناني؛ فلما أراد عمرو بن العاص توجيه أرمانوسة إلى أبيها، وانتهى ذلك إلى مارية قالت لها: لا يجمل بمن كانت مثلك في شرفها وعقلها أن تكون كالأخِيذة، تتوجه حيث يُسار بها؛ والرأي أن تبدئي هذا القائد قبل أن يبدأكِ؛ فأرسلي إليه فأعلميه أنك راجعة إلى أبيك، واسأليه أن يُصحبك بعض رجاله؛ فتكوني الآمرة حتى في الأسر، وتصنعي صنع بنات الملوك!
قالت أرمانوسة: فلا أجد لذلك خيرًا منك في لسانك ودهائك؛ فاذهبي إليه من قِبَلي، وسيصحبك الراهب "شطا"، وخذي معك كوكبة من فرساننا.
قالت مارية وهي تقص على سيدتها: لقد أديتُ إليه رسالتكِ فقال: كيف ظنها بنا؟ قلت: ظنها بفعل رجل كريم يأمره اثنان: كرمه، ودينه. فقال: أبلغيها أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: "استوصوا بالقبط خيرًا؛ فإن لهم فيكم صهرًا وذمة" وأعلميها أننا لسنا على غارة نُغِيرها، بل على نفوس نُغَيِّرها.
قالت: فصفيه لي يا مارية.
قالت: كان آتيًا في جماعة من فرسانه على خيولهم العِراب، كأنها شياطين تحمل شياطين من جنس آخر؛ فلما صار بحيث أتبينه أومأ إليه الترجمان -وهو "وردان" مولاه- فنظرتُ، فإذا هو على فرس كُمَيْت أَحَمَّ1 لم يخلص للأسود ولا للأحمر، طويل العنق مشرف له ذؤابة أعلى ناصيته كطُرَّة المرأة، ذيَّال يتبختر بفارسه ويُحمحم كأنه يريد أن يتكلم، مُطَهَّم...
فقطعت أرمانوسة عليها وقالت: ما سألتك صفة جوده...
قالت مارية: أما سلاحه...
قالت: ولا سلاحه، صفيه كيف رأيته "هو"؟
قالت: رأيته قصير القامة علامة قوة وصلابة، وافر الهامة علامة عقل وإرادة، أدعج العينين...
فضحكت أرمانوسة وقالت: علامة ماذا؟
... أبلج يُشرق وجهه كأن فيه لألاء الذهب على الضوء، أيِّدًا، اجتمعت فيه القوة حتى لتكاد عيناه تأمران بنظرهما أمرًا... داهية كتب دهاؤه على جبهته العريضة يجعل فيها معنى يأخذ من يراه, وكلما حاولت أن أتفرس في وجهه رأيت وجهه لا يفسره إلا تكرر النظر إليه...
وتضرَّجت وجنتاها، فكان ذلك حديثًا بينها وبين عيني أرمانوسة.... وقالت هذه: كذلك كل لذة لا يفسرها للنفس إلا تكرارها...
فغضّت مارية من طرفها وقالت: هو والله ما وصفت، وإني ما ملأت عيني منه، وقد كدت أنكر أنه إنسان لما اعتراني من هيبته.
قالت أرمانوسة: من هيبته أم عينيه الدعجاوين؟
ورجعتْ بنت المقوقس إلى أبيها في صحبة "قيس"، فلما كانوا في الطريق وجبت الظهر، فنزل قيس يصلي بمن معه والفتاتان تنظران؛ فلما صاحوا: "الله أكبر..." ارتعش قلب مارية، وسألت الراهب "شطا": ماذا يقولون؟ قال: إن هذه كلمة يدخلون بها صلاتهم، كأنما يخاطبون بها الزمن أنهم الساعة في وقت ليس منه ولا من دنياهم، وكأنهم يعلنون أنهم بين يدي من هو أكبر من الوجود؛ فإذا أعلنوا انصرافهم عن الوقت ونزاع الوقت وشهوات الوقت، فذلك هو دخولهم في الصلاة؛ كأنهم يمحون الدنيا من النفس ساعة أو بعض ساعة؛ ومحوها من أنفسهم هو ارتفاعهم بأنفسهم عليها؛ انظري، ألا تريْنَ هذه الكلمة قد سحرتهم سحرًا فهم لا يلتفتون في صلاتهم إلى شيء؛ وقد شملتهم السكينة، ورجعوا غير من كانوا، وخشعوا خشوع أعظم الفلاسفة في تأملهم1؟
قالت مارية: ما أجمل هذه الفطرة الفلسفية! لقد تعبت الكتب لتجعل أهل الدنيا يستقرون ساعة في سكينة الله عليهم فما أفلحت، وجاءت الكنيسة فهوَّلت على المصلين بالزخارف والصور والتماثيل والألوان؛ لتوحي إلى نفوسهم ضربًا من الشعور بسكينة الجمال وتقديس المعنى الديني، وهي بذلك تحتال في نقلهم من جوهم إلى جوها، فكانت كساقي الخمر؛ إن لم يعطك الخمر عجز عن إعطائك النشوة, ومن ذا الذي يستطيع أن يحمل معه كنيسة على جواد أو حمار؟
قالت أرمانوسة: نعم, إن الكنيسة كالحديقة؛ وهي حديقة في مكانها، وقلما توحي شيئًا إلا في موضعها؛ فالكنيسة هي الجدران الأربعة، أما هؤلاء فمعبدهم بين جهات الأرض الأربع.
قال الراهب شطا: ولكن هؤلاء المسلمين متى فُتحت عليهم الدنيا وافتتنوا بها وانغمسوا فيها؛ فستكون هذه الصلاة بعينها ليس فيها صلاة يومئذ.
قالت مارية: وهل تفتح عليهم الدنيا, وهل لهم قواد كثيرون كعمرو؟
قال: كيف لا تفتح الدنيا على قوم لا يحاربون الأمم, بل يحاربون ما فيها من الظلم والكفر والرذيلة، وهم خارجون من الصحراء بطبيعة قوية كطبيعة الموج في المد المرتفع؛ ليس في داخلها إلا أنفس مندفعة إلى الخارج عنها؛ ثم يقاتلون بهذه الطبيعة أممًا ليس في الداخل منها إلا النفوس المستعدة أن تهرب إلى الداخل!
قالت مارية: والله لكأننا ثلاثتنا على دين عمرو.
وانفتل قيس من الصلاة, وأقبل يترحَّل، فلما حاذى مارية كان عندها كأنما سافر ورجع؛ وكانت ما تزال في أحلام قلبها؛ وكانت من الحلم في عالم أخذ يتلاشى إلا من عمرو وما يتصل بعمرو. وفي هذه الحياة أحوال "ثلاث" يغيب فيها الكون بحقائقه؛ فيغيب عن السكران، والمخبول، والنائم؛ وفيها حالة رابعة يتلاشى فيها الكون إلا من حقيقة واحدة تتمثل في إنسان محبوب.
وقالت مارية للراهب شطا: سَلْهُ: ما أَرَبُهم من هذه الحرب، وهل في سياستهم أن يكون القائد الذي يفتح بلدًا حاكمًا على هذا البلد؟
قال قيس: حسبك أن تعلمي أن الرجل المسلم ليس إلا رجلًا عاملًا في تحقيق كلمة الله، أما حظ نفسه فهو في غير هذه الدنيا.
وترجم الراهب كلامه هكذا: أما الفاتح فهو في الأكثر الحاكم المقيم، الحرب فهي عندنا الفكرة وأما المصلحة تريد أن تضرب في الأرض وتعمل، وليس حظ النفس شيئًا يكون من الدنيا؛ وبهذا تكون النفس أكبر من غرائزها، وتنقلب معها الدنيا برُعونتها وحماقاتها وشهواتها كالطفل بين يدي رجل، فيهما قوة ضبطه وتصريفه, ولو كان في عقيدتنا أن ثواب أعمالنا في الدنيا لانعكس الأمر.
قالت مارية: فسله: كيف يصنع "عمرو" بهذه القلة التي معه والروم لا يحصى عددهم؛ فإذا أخفق "عمرو" فمن عسى أن يستبدلوه منه؟ وهل هو أكبر قوادهم، أو فيهم أكبر منه؟
قال الراوي: ولكن فرس قيس تمطّر وأسرع في لحاق الخيل على المقدمة, كأنه يقول: لسنا في هذا. وفُتحت مصر صلحًا بين عمرو والقبط، وولى الروم مصعدين إلى الإسكندرية، وكانت مارية في ذلك تستقرئ أخبار الفاتح تطوف منها على أطلال من شخص بعيد؛ وكان عمرو من نفسها كالمملكة الحصينة من فاتح لا يملك إلا حبه أن يأخذها؛ وجعلت تذوي وشحب لونها وبدأت تنظر النظرة التائهة, وبان عليها أثر الروح الظمأى؛ وحاطها اليأس بجوِّه الذي يحرق الدم؛ وبدت مجروحة المعاني؛ إذ كان يتقاتل في نفسها الشعوران العدوان: شعور أنها عاشقة، وشعور أنها يائسة!
ورقت لها أرمانوسة، وكانت هي أيضًا تتعلق فتًى رومانيًّا، فسهرتا ليلة تديران الرأي في رسالة تحملها مارية من قبلها إلى عمرو كي تصل إليه، فإذا وصلت بلَّغت بعينيها رسالة نفسها.
واستقر الأمر أن تكون المسألة عن مارية القبطية وخبرها ونسلها وما يتعلق بها مما يطول الإخبار به إذا كان السؤال من امرأة عن امرأة. فلما أصبحتا وقع إليها أن عمرًا قد سار إلى الإسكندرية لقتال الروم، وشاع الخبر أنه لما أمر بفسطاطه أن يقوض أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه، فأخبروه فقال: "قد تحرمت في جوارنا، أَقِروا الفسطاط حتى تطير فراخها" فأقروه!
ولم يمض غير طويل حتى قضت مارية نحبها، وحفظت عنها أرمانوسة هذا الشعر الذي أسمته نشيد اليمامة:
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
تركها الأمير تصنع الحياة، وذهب هو يصنع الموت!
هي كأسعد امرأة؛ ترى وتلمس أحلامها.
إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض.
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
لو سئلت عن هذا البيض لقالت: هذا كنزي.
هي كأهنأ امرأة، ملكت ملكها من الحياة ولم تفتقر.
هل أكلف الوجود شيئًا إذا كلفته رجلًا واحدًا أحبه!
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
الشمس والقمر والنجوم، كلها أصغر في عينها من هذا البيض.
هي كأرق امرأة؛ عرفت الرقة مرتين: في الحب، والولادة.
هل أكلف الوجود شيئًا كثيرًا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة!
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
تقول اليمامة: إن الوجود يحب أن يُرى بلونين في عين الأنثى؛
مرة حبيبًا كبيرًا في رَجُلها، ومرة حبيبًا صغيرًا في أولادها.
كل شيء خاضع لقانونه، والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها.
أيتها اليمامة، لم تعرفي الأمير وترك لكِ فسطاطه!
هكذا الحظ: عدل مضاعف في ناحية، وظلم مضاعف في ناحية أخرى.
احمدي الله أيتها اليمامة، أن ليس عندكم لغات وأديان،
عندكم فقط: الحب والطبيعة والحياة.
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها.
يمامة سعيدة، ستكون في التاريخ كهدهد سليمان.
نُسب الهدهد إلى سليمان، وستُنسب اليمامة إلى عمرو.
واهًا لك يا عمرو! ما ضر لو عرفتَ "اليمامة الأخرى"!



 المدونة شاملة وغير مخصصة للكاتب والشاعر المصري فاروق جويدة فقط فهي تضمن كُتاب فى مجالات الشعر والقصة والرواية والمقالة وغير ذلك هي تنشر بعض الفيديوهات العامة التى يستفاد منها الزائر وتنشر بعض الصور المعبرة
مصطفي عبد الحفيظ