Loading

الثلاثاء، 12 أبريل، 2011

هوامش حره : تراث فرعوني قديم

هوامش حره 
تراث فرعوني قديم
بقلم: فاروق جويدة 
 
 
 هناك حالة من حالات الانفصام في أداء الحكومة‏..‏ في أحيان كثيرة يغيب التنسيق والتكامل والإحساس بالمسئولية المشتركة‏..
في كثير من الأحيان نشعر بأن المسئولين تحولوا إلي جزر متفرقة كل مسئول يعمل بعيدا عن الأخر برغم أن الأصل في أداء الحكومات هو ما يسمي بالمسئولية الوزارية التضامنية التي تفرض علي كل مسئول أن يعمل في ظل فريق عمل متكامل.. هذا الإحساس بالمسئولية المشتركة غاب كثيرا في الفترة الماضية في عدد من القضايا المهمة, لقد انقسمت الحكومة إلي عدة فرق, كل فريق يرسم خطواته وطموحاته بعيدا عن الآخر وكأننا أمام فريق كروي انقسم علي نفسه وبدأ يسجل الأهداف في مرماه.. والأخطر من ذلك هو غياب رئيس الحكومة نفسه وكأن كل وزير قد تحول إلي سلطة مستقلة من حيث الأداء والقرار والمتابعة.. ومن هنا كانت هناك قرارات ومواقف متعارضة تؤكد أن الحكومة تفتقد روح الفريق.. ولاشك أن ذلك يترك آثارا سلبية في ظل غياب كامل لشيء أساسي في الأداء الحكومي وهو التنسيق والمسئولية الوزارية المشتركة.. ولابد أن أعترف أنني انتظرت كثيرا أن تكون مواقف د.أحمد نظيف رئيس الحكومة أكثر فاعلية خاصة في كثير من القضايا التي كانت تحتاج إلي رأيه ومساندته بالرفض أو القبول, هناك معارك شديدة الضراوة خاضتها حكومته وأزمات صعبة واجهتها,وهناك خلافات حادة بين الوزراء ولم نسمع له صوتـا ولم نعرف له موقفا في ذلك كله..
* لقد غاب رئيس مجلس الوزراء تماما في قضية الضريبة العقارية وترك وزير ماليته د.يوسف بطرس غالي يفرض الضريبة علي هواه دون مراعاة لأي آراء معارضة وكان فيها ما يستحق أن يسمع له سواء علي مستوي المتخصصين أو مستوي الشارع..
كان ينبغي أن يكون لرئيس الحكومة موقف في هذه القضية خاصة أن هناك اتجاه قوي ظهر داخل الحكومة نفسها لإعادة النظر في هذه الضريبة وكان من الخطأ الجسيم أن يترك القرار لوزير المالية وحده ليكون صاحب الكلمة الأخيرة برغم الملاحظات التي جاءت من أكثر من جهة وعلي أكثر من مستوي تعارض هذه الضريبة وتطالب بتعديلها وتتهم الحكومة بأنها ترعي مصالح الأغنياء ورجال الأعمال..
* غاب رئيس مجلس الوزراء في كارثة توزيع أراضي الدولة ولم نسمع له رأيا إلا بعد صدور حكم المحكمة الإدارية العليا ضد مشروع مدينتي ببطلان التعاقد مع هيئة التنمية العمرانية وما ترتب علي هذا الحكم من نتائج,تجاوزت كل الحسابات كان ينبغي من البداية أن يدفع رئيس الحكومة بالقضية كلها إلي لجنة قانونية متخصصة قبل صدور الحكم ووقوع الكارثة علي رأس المسئولين في الحكومة والشركة والمتعاقدين.. والغريب في الأمر أن يكون تعقيب رئيس مجلس الوزراء علي حكم الإدارية العليا أنه مجرد خطأ إداري.. وليت رئيس مجلس الوزراء لم يعلق إطلاقا علي هذا الحكم علي جانب آخر كان تعقيب المهندس أحمد المغربي وزير الإسكان علي الحكم أنه حكم أعمي.. مثل هذا الكلام لا يليق من مسئولين كبار..
كان ينبغي أن يقرأ المسئولون حكم القضاء قراءة صحيحة لأن الحكم يحفظ حقوق المتعاقدين ويدين مشروعية العقد وسريته المريبة بين الحكومة والشركة..
كانت الحكومة تعلم أن تجاوزاتها في عمليات تخصيص الأراضي قد فاقت كل الحدود ابتداء بعشرات المنتجعات التي حصلت علي الأراضي بمساحات شاسعة وأسعار رمزية وانتهاء بآلاف الأفدنة التي حصل عليها أفراد وجمعوا منها آلاف الملايين.. كانت الحكومة تعلم أن ملف الأراضي قد بدأ يطفح علي السطح وتخرج منه روائح كريهة وأن الأمر يحتاج إلي وقفة صارمة.. وللأسف الشديد أن الحكومة لم تتوقف عند هذا الملف إلا بعد توجيهات واضحة وصريحة من الرئيس مبارك بوضع حد لهذه التجاوزات ووضع سياسة واضحة لعمليات التخصيص من خلال جهاز واحد يتحمل مسئولية ذلك.. غابت الحكومة عن ملف الأراضي أما عن سوء نية أو جهل بما يحمله من نتائج خطيرة.. ثم أفاقت أخيرا علي كارثة وليتها تتدارك الموقف وتعيد النظر فيما ارتكبته من تجاوزات ابتداء بجامعة النيل وانتهاء بشرق التفريعة والطريق الصحراوي والتجمع الخامس..
* كان ينبغي أن يكون لرئيس الحكومة موقف حاسم مع أحد وزرائه وهو السيد فاروق حسني عندما أعلن أمام الرأي العام رأيا غريبا في جريمة سرقة لوحة الفنان العالمي فان جوخ زهرة الخشخاش من متحف محمود خليل.. بأي حق يقول وزير الثقافة' وأية يعني سرقة لوحة'.. إنها مجرد لوحة.. هذا كلام كان ينبغي أن يحاسب عليه الوزير من رئيس الحكومة.. إنه فنان ولا يدرك قيمة اللوحة.. وهو وزير ثقافة ولا يدرك قيمة التراث ومسئوليته عن حمايته وتأمينه.. والمفروض أنه كوزير للثقافة يدرك قيمة التاريخ.. وبعد ذلك كله يدرك ثمن هذه اللوحة من الناحية المادية والذي يتجاوز300 مليون جنيه.. لم أسمع كلمة واحدة من رئيس الحكومة حول هذه القضية وكان ينبغي أن يقول شيئـا أي شيء..
إنه منطق الجزر وإدارة شئون الدولة بروح الإقطاعيات..
* كان ينبغي أن يقول رئيس مجلس الوزراء شيئـا في قضية نواب العلاج علي نفقة الدولة وإذا كان النائب العام المستشار عبدالمجيد محمود قد بدأ التحقيق مع14 من النواب بعد رفع الحصانة عنهم إلا أن مجلس الوزراء متورط في هذه القضية من خلال موافقات وقرارات أصدرها كبير مستشاري رئيس مجلس الوزراء لأبنائه وأحفاده بل أنه قام بتغيير قرارات علاجية أصدرها رئيس مجلس الوزراء نفسه.. وهنا أيضا ينبغي أن نطالب رئيس مجلس الوزراء بان يتخذ موقفـا سواء كان بتبرئة هذا المستشار أو إدانته..
إذا كان المستشار بريئا فإن الأمانة تتطلب أن يعرف الناس ذلك وإذا كان مدانـا فيجب أن يحاسبه رئيس الحكومة خاصة أنه يعمل معه وهو محسوب عليه..
أن قضية نواب العلاج علي نفقة الدولة لا تخص هؤلاء النواب وحدهم ولكن هناك قرارات علاج صدرت من مجلس الوزراء في حالات لعلاج الأسنان وحمامات الأوزون والعدسات اللاصقة وبعضها يخص السادة الوزراء وهي مسئولية رئيس الحكومة لأنه لا يعقل أن يذهب أعضاء مجلس الشعب المتهمون إلي النيابة بينما يبقي المسئولون المتورطون في منتجعاتهم..
والأخطر من ذلك هو ما جاء في ملف العلاج علي نفقه الدولة حول3.5 مليون جنيه نفقات لعلاج د.يوسف بطرس غالي وزير المالية في أمريكا.. إن وزير المالية رجل ثري ويعيش في قصر منيف في الزمالك وهو ليس في حاجة لأن تعالجه الدولة من أموال الفقراء.. وإذا كان قد رضي ذلك فلا يعقل أن تتحمل الدولة مليون جنيه ثمنـا لتذاكر السفر..
وأمام رئيس مجلس الوزراء منذ شهور تقرير كامل عن هذه التجاوزات أعدته أعلي جهة رقابية في الدولة وهي الجهاز المركزي للمحاسبات ويقع في170 صفحة ولم يلتفت إليه أحد..
* لم يكن غياب د. أحمد نظيف في هذه القضايا فقط ولكن الحكومة غائبة تماما في قضايا الأسعار وما يحدث في الشارع المصري, وكأن مصر بلا رقابة وبلا مسئولين.. حين يصل سعر كيلو اللحم إلي أكثر من مائة جنيه ينبغي أن يتحرك رئيس الحكومة.. وحين تملأ الأسواق السلع الصينية ينبغي أن نسأل رئيس الحكومة.. وحين تحدث كارثة القمح ونجد أنفسنا أمام ظرف تاريخي يمكن أن يهدد حياة المصريين يجب أن نسمع رئيس الحكومة.. ارتفعت أسعار كل شيء.. وظهرت بوادر أزمة خطيرة في محصول القمح إنتاجا واستيرادا,وحدثت أزمة الكتب المدرسية وهذا الصراع الدامي بين وزير التربية والتعليم وأصحاب المكتبات والمؤلفين وأصحاب السبيل,هذه القضايا كلها تؤدي إلي شحن الشارع المصري ما بين ارتفاع الأسعار وزيادة تكاليف المعيشة ومشاكل الأبناء في المدارس وأزمات الكهرباء والمرور ومياه الشرب.. لاينبغي أن يختفي رئيس مجلس الوزراء أمام كل هذه الظواهر الخطيرة لأنها تهدد استقرار الشارع ويمكن أن تصل إلي درجة من الغليان لا نعرف مداها أو نتائجها..
في زمان مضي كانت الحكومات في مصر خلية نحل تعمل ليل نهار وتجد المسئولين فيها يحاصرون المشاكل والأزمات قبل أن تظهر.. وكان كل وزير أو مسئول يحمل هموم الشارع ومتاعب الناس ويحاول البحث عن حلول لها.. وكانت روح الفريق هي أساس العمل الوزاري فليس هناك وزير خارج سياق الحكومة أو يخرج عن مسئولياتها المشتركة.. ولكن الملاحظ الآن أن منطق الجزر يحكم عمل المسئولين في الحكومة كل وزير أخذ وزارته بعيدا ورحل وأعلن استقلاله عن الحكومة وكأنه يدير شئون عزبة أو إقطاعية خاصة..
أمام هذه الصورة القاتمة يزداد حجم الأزمات والمشاكل ويشعر المواطن بأنه أمام مسئولية غائبة وخطايا بدون حساب وحاضر مؤلم ومستقبل غامض وهذه كلها مؤشرات خطيرة..
لا أعتقد أن من مسئوليات رئيس الدولة أن يجد نفسه مطالبا أمام مشاكل المواطنين بأن يناقش قضايا الكهرباء أو الأراضي أو الكتب المدرسية وأن تلقي الحكومة كل يوم عشرات الأزمات والمشاكل في الشارع المصري دون حلول, إن مسئولية الحكومات أن تواجه المشاكل لا أن تخلقها ونحن أمام حكومة تجيد تصدير وصناعة الأزمات..
أتمني أن أجد رئيس مجلس الوزراء وهو يحاسب وزيرا أو مسئولا قال شيئـا ينبغي أن يحاسب عليه وأن أراه يوما وسط الناس يسمع لهم بلا حراسات أو مهرجانات أو مواكب..
إن أخطر ما في مصر الآن حالة اللامبالاة في ردود أفعال كبار المسئولين تجاه قضايا حساسة وبعضها خطير للغاية وهذا الموقف السلبي يمكن أن يصل بنا إلي نتائج غير محسوبة العواقب..
حينما أشاهد المسئولين في الخارج وهم بين الناس ووسط الجماهير أسأل نفسي لماذا يفضل المسئولون عندنا الحياة في أبراج عاجية برغم أنهم كانوا مثلنا بسطاء وخرجوا من طين هذه الأرض كما خرجنا منها يوما.. يبدو أنه تراث فرعوني قديم..
.. ويبقي الشعر
الصمت يحدق في وجهي
لا شيء أمامي..
غاب النـاس.. ومات الضوء..
وفي قلبـي جرح.. ونزيف
وأعود ألملم أشلائي فوق الطــرقات
وأحملـها.. أطلال خريف
والضوء كسير في العينين
خيول الغـربة تسحقـني..
والصمت مخيف..
هدأت في الأفق بقايا الضوء
وقد سكنـت أقـدام النـاس
وأنـا في حزني خلـف الباب
يحاصرني خوف.. ونـعاس
من أين أنـام ؟
وصوت الحزن علي رأسي
أجراس تسحق في أجراس
وأنا والغـربة والأحزان وعيناك
وبقايا الكـاس..
واللـيل وأوراقي الحيري..
والصمت العاصف.. والحراس
وأقول لنـفـسي.. لو جاءت..
يرتـعش الضوء..
وفي صمت.. تخـبو الأنـفاس..
مازلت أحدق في وجهي والقلب حزين..
أجمع أشلائي خـلـف الباب
يبعثـرها جرح.. وحنين..
والحلم الصامت في قلبـي
يبكي أحيانـا كالأطـفال..
ويسأل عنك.. متـي تأتين..
متـي.. تـأتين..
' من قصيدة متي تأتين سنة1994'