Loading

الجمعة، 23 يوليو، 2010

هوامش حرة : الحكومة بين مشروعات التنمية وبيع الأراضي

هوامش حرة
الحكومة بين مشروعات التنمية وبيع الأراضي

بقلم: فاروق جويدة
فاروق جويدة

 
لم يكن الهدف من إثارة قضية عمل رجال الأعمال في الحكومة إثارة زوبعة علي وزير أو التشكيك في شفافية صفقة من الصفقات أو إدانة مسئول هنا أو هناك ولكن الهدف هو تقييم تجربة استنزفت من عمر هذا الشعب خمس سنوات كاملة لا ننكر أنها شهدت الكثير من الإنجازات ولكنها في نفس الوقت شهدت الكثير من التجاوزات‏..‏
كان الهدف تقييم التجربة وطرح هذا السؤال هل تستمر تجربة رجال الأعمال في الحكومة أم أنه جاء الوقت لكي نطوي هذه الصفحة وقبل أن نطويها علينا أن نضعها في دائرة التقييم الصحيح قبل أن ترحل‏..‏
للأسف الشديد أن القضية ضلت طريقها وتحولت إلي مواجهة بين الكتاب والصحفيين هذا يدين الحكومة وهذا يدافع عنها بل إنها تحولت إلي دفاع شخصي عن البعض وهجوم ضار علي البعض الآخر‏..‏ والحقيقة أن الحكومة عندنا أصبحت لديها قدرة عجيبة علي تهميش القضايا وتسطيحها وتحويلها إلي خناقات ومعارك صحفية أو تصفية حسابات بين المسئولين فيها حتي ولو كان ذلك علي حساب الحقيقة والأمانة والمسئولية‏..‏
وتحولت قضية الوزراء رجال الأعمال إلي قطعة أرض هنا أو شبه جزيرة هناك وخرجنا من القضية الأساسية إلي تفريعات حملتنا إلي صراخ هنا وإدانات هناك‏..‏
ليست القضية أرض التحرير أو جزيرة توت أمون أو أرض جامعة النيل القضية هي ماذا فعل رجال الأعمال في الوزارة طوال خمس سنوات‏..‏
تتصدر قضية الأراضي واجهة الأنشطة التي قام بها الوزراء من رجال الأعمال في السنوات الماضية‏..‏ وفي كل وزارة الآن جهة لبيع أراضي الدولة دون تنسيق بين هذه الجهات بل أنها في أحيان كثيرة تتضارب في قراراتها واختصاصاتها وهناك آلاف القضايا في المحاكم بسبب ذلك‏..‏
تحت شعار كلمة التنمية توجد في معظم وزارات مصر جهة تحمل هذا الاسم‏..‏
في وزارة الزراعة هيئة التنمية الزراعية وتختص ببيع وتوزيع وتخصيص الأراضي الصحراوية‏..‏
في وزارة السياحة توجد هيئة التنمية السياحية وتشرف علي بيع الأراضي في المناطق السياحية في أرجاء المحروسة ابتداء بشرم الشيخ والغردقة وانتهاء بالساحل الشمالي حتي السلوم‏..‏
في وزارة الإسكان توجد هيئة التنمية العمرانية وتشرف علي بيع وتوزيع أراضي الدولة في المدن الجديدة ومنها‏6‏ أكتوبر و‏15‏ مايو والعاشر من رمضان والتجمع الخامس وغيرها من المدن كما أنها تتحمل مسئولية إسكان الشباب والأنشطة العمرانية المختلفة‏..‏
بجانب هذا فإن من حق وزير المالية بيع بعض أصول الدولة‏..‏ وهذا الحق يتمتع به أيضا وزير الاستثمار بالنسبة لمشروعات القطاع العام‏..‏ وفي بعض الأحيان تتداخل أنشطة الوزارات في بعضها البعض‏,‏ إن المحالج مثلا تتبع وزارة الزراعة وهي التي قامت ببيع أراضيها ولكن من خلال التنسيق مع وزارتي المالية والاستثمار‏..‏
وبجانب هذا فإن من حق المحافظين بيع الأراضي في محافظاتهم أو تخصيصها أو تأجيرها تحت نظام حق الانتفاع‏..‏
الغريب في الأمر أن كل هذه الهيئات تعمل في نشاط واحد بحيث أنها تتشابه في قراراتها وأيضا أخطاءها والأغرب من ذلك أنه لا توجد علاقة بين هذه الهيئات كما أنها لا تخضع إلي أي شكل من أكال الرقابة‏..‏
‏*‏ أن كل نشاط هذه الهيئات يتركز في بيع الأراضي دون أي تنسيق بينها وكأن أجهزة الدولة كلها قد تخصصت في عمليات البيع‏..‏ أن كلمة التنمية تعني النمو بكل ما تحمل من معني في الإنتاج والتصدير والعمالة وتوفير السلع للأسواق وزيادة دخل المواطن‏..‏ ولكن هذه الكلمة أصبحت تعني في مصر شيئـا واحدا هو تجارة الأراضي‏..‏
‏*‏ هناك مشروعات إنتاجية كبري تحولت إلي مساحات من الأراضي التي تم بيعها للمستثمرين وتحولت إلي عقارات‏..‏ حدث هذا في مصانع كثيرة للغزل والمنسوجات والزيوت والمراجل البخارية والمحالج وكلنا يذكر عشرات المحالج التي كانت تنتشر في ربوع مصر وتقوم عليها أعرق الصناعات المصرية وهي الغزل والنسيج وأقدم محاصيل مصر الزراعية وهو القطن‏..‏ وهذا يعني أن بيع المحالج كأراضي بناء أفسد محصولا زراعيا تقليديا وافسد إنتاجا صناعيا كان من أشهر المنتجات المصرية وهي صناعة الغزل والنسيج‏..‏
‏*‏ إذا كان من حق كل وزير مسئول أن يخصص أرضا أو يبيعها في مزاد أو يبيعها لمشتر واحد فكيف نضمن الشفافية في صفقات بمئات الملايين قد لا نشكك هنا في ذمة الوزير ولكن حول الوزير لجانا ومستشارين وعشرات المستفيدين والأعضاء وكل هؤلاء يمكن أن تحركهم المصالح والأهواء‏..‏ والغريب أن كل جهة من هذه الجهات تعمل وهي لا تعرف شيئـا عن الجهات الأخري‏..‏
‏*‏ أن هيئة التنمية الزراعية تبيع الأراض الصحراوية للزراعة والإنتاج الحيواني‏..‏ ولكن هذه المساحات الرهيبة تحولت إلي منتجعات سكنيه تباع بالملايين وأصبحت هناك مشاكل في الاختصاصات والمسئوليات بين هيئة التنمية الزراعية وهيئة التنمية العمرانية بسبب ذلك وعلي الطرق الصحراوية الآن عشرات ومئات القضايا بين المواطنين والمستثمرين وهذه الهيئات التي تشعبت مسئولياتها وأصبحت حائرة بين زراعة الأرض واستصلاحها أو بناء المنتجعات للقادرين‏..‏
‏*‏ في ظل هذه الهيئات توجد جهات أخري من حقها بيع وتوزيع الأراضي وهناك مساحة للقرار لدي كل وزير بل أن رئيس الوزراء نفسه يخصص مساحات من الأراضي دون الرجوع إلي هذه الهيئات في قطاعات كثيرة كالسياحة والإسكان بل إنه خصص‏127‏ فدانـا لجامعة النيل دون أن يرجع إلي جهة من الجهات بصفة استشارية أو لإبداء الرأي لقد أصدر القرار ونفذته هيئة التنمية العمرانية دون أن يرجع إليها‏..‏
‏*‏ علي جانب آخر أصبح من حق المحافظين أيضا بيع الأراضي أو تأجيرها أو تخصيصها وما يحدث علي الطريق الدولي من تجاوزات يؤكد أن السياسية العشوائية التي تحكم أرض مصر سوف تصل بنا إلي كارثة‏..‏
أن غياب التنسيق بين كل هذه الهيئات يجعل قضية بيع الأراضي في مصر من القضايا التي يصعب التحكم فيها أو معرفة أهدافها‏..‏
أن منطق الجزر الذي يسيطر علي سياسة الحكومة حيث يفعل كل وزير ما يريد دون أن يسأله احد أو يحاسبه أحد تضع ثروة مصر وهي أغلي ما تملك في سباق محموم من أجل البيع‏..‏
لا أحد يعرف كم باعت الحكومة من الأراضي في السنوات الماضية وأين الأموال التي بيعت بها هذه الأراضي وهل دخلت في ميزانية الدولة من خلال وزارة المالية‏..‏ أم احتفظت كل وزارة بما جمعت من حصيلة‏..‏ أم أن هذه الأموال دخلت بلاعة الإنفاق الحكومي في الوزارات والمحافظات وكل هذه الهيئات التي لا تعمل‏..‏
هذا الفكر الذي سيطر علي سياسة حكومة رجال الأعمال صبغ أداء الحكومة بأسلوب واحد سيطرت عليه روح البيع وليس روح الإنتاج‏..‏ وهناك فرق كبير بين أن أزرع الأرض لكي تنتج وتفتح أبوابا للرزق وبين أن تتحول أجهزة الدولة إلي أعمال السمسرة في الاراضي بيعا وشراء وتأجيرا‏..‏ إن المطلوب الآن أن يصدر قرار بتوحيد الجهة التي تتحكم في سياسة بيع الأراضي في مصر بحيث تتبع جهة سيادية بعيدا عن أساليب التلاعب والمراوغة إننا نطالب بهيئة مستقلة لمياه النيل ومثلها هيئة مستقلة للأراضي بحيث تكون أمامها خرائط كاملة تشمل سياسة الدولة المستقبلية في قضية بيع الأراضي أو توزيعها‏..‏
أما أن نترك لكل وزارة أن تبيع ما تريد ويصبح من حق كل وزير أن يوزع أرضا هنا وأرضا هناك فسوف نكتشف بعد سنوات قليلة أن أراضي مصر قد بيعت بالكامل وقد لا نعرف ساعتها أسماء المشترين‏..‏
مازلت أعتقد أن بورصة بيع الأراضي والمشروعات كانت من آسوا النتائج التي ترتبت علي دخول رجال الأعمال الحكومة ليس فقط لأنهم أساءوا استخدام السلطة ولكن لأنهم باعوا ما لا يملكون‏..‏
ليس المطلوب الآن تغيير حكومة رجال الأعمال أو محاسبتهم ولكن المطلوب قرار عاجل بوقف بيع أراضي الدولة لفترة محددة حتي يمكن وضع سياسة واضحة ولوائح ثابتة تضمن التنسيق بين مؤسسات الدولة وتمنع هذا الارتباك وهذا التداخل في قرارات الوزراء في بيع الاراضي رغم أنهم يعملون في حكومة واحدة‏..‏
أن سياسة البيع التي سيطرت علي فكر وأسلوب وزارة رجال الأعمال كان من أخطر التجاوزات في هذه التجربة فقد اتجهت سياسة الدولة إلي بيع كل شيء ابتداء بالاراضي وانتهاء بالمصانع ووحدات الإنتاج والمطلوب وقف هذا النزيف حتي يمكن إنقاذ المريض‏..‏

‏..‏ ويبقي الشعر
حاولت يوما أن تـشق النـهر
خانـتــك الإراده
حاولت أن تـبني قـصور الحلـم
في زمن البلاده
النبض في الأعماق يسقـط كالشموس الغـاربه
والعمر في بحر الضياع الآن ألقـي رأسه
فـوق الأماني الشـاحبه‏..‏
شاهدت أدوار البراءة والنذالة والكـذب
قـامرت بالأيام في‏'‏ سيرك‏'‏ رخيص للـعب‏.‏
والآن جئـت تـقيم وسط الحانـة السوداء‏..‏ كـعبه
هذا زمان تـخـلـع الأثواب فيه‏..‏
وكل أقدار الشعوب علي الـموائد بعض لـعبه‏.‏
هذا زمان كالحذاء‏..‏
تـراه في قـدم المقـامر والمزيف والسفيه‏..‏
هذا زمان يدفـن الإنسان في أشلائه حيا
ويقـتل‏..‏ لـيس يعرف قـاتليه‏..‏
هذا زمان يخـنـق الأقمار‏..‏
يغـتـال الشموس
يغـوص‏..‏ في دم الضحايا‏..‏
هذا زمان يقـطـع الأشجار
يمتـهن البراءة
يستـبيح الفـجر‏..‏ يستـرضي البغـايا
هذا زمان يصلـب الطـهر الـبريء‏..‏
يقيم عيدا‏..‏ للـخـطـايا‏..‏
هذا زمان الموت‏..‏
كـيف تـقيم فوق القـبر
عرسا للصبايا ؟‏!‏
علب القمامة زينـوها
ربما تبدو أمام النـاس‏..‏ بستـانـا نـديا
بين القمامة لن تري‏..‏ ثوبا نـقيا
فالأرض حولك‏..‏ ضاجعت كل الخطايا
كيف تحلم أن تـري فيها‏..‏ نـبيا
كـل الحكايا‏..‏ كان آخرها السفـر
وأنا‏..‏ تـعبت من السفـر‏..‏
‏'‏ من قصيدة ماذا أخذت من السفر سنة‏1986'‏