Loading

الثلاثاء، 26 أكتوبر، 2010

هوامش حرة : مرة أخري‏..‏ إلا السودان‏!‏

هوامش حرة

مرة أخري‏..‏ إلا السودان‏!‏

بقلم: فاروق جويدة

فاروق جويدة

منذ قامت ثورة وحتي الآن والعلاقات بين مصر والسودان تمر بمنحنيات كثيرة وتتعرض للكثير من العواصف والأزمات‏..‏ ما أكثر المواقف الصعبة التي شهدتها العلاقات بيننا وبين السودان‏..‏ في أحيان كثيرة ارتبطت العلاقات من حيث القوة أو الضعف بوجود بعض الأشخاص في السلطة

هناك من دفع بها إلي الأمام كما حدث في عهود الرئيس الراحل جعفر نميري وهناك من حاول أن يضعها في سياقها السليم كما حلم الرئيس سوار الذهب وهناك أيضا من رجع بها إلي الوراء منطلقـا من حسابات دينية أو مذهبية أو عرقية‏..‏ وفي مصر تكررت نفس الظواهر كان بيننا من أعطي السودان أهمية خاصة تتناسب مع أهميته ودوره بالنسبة لمصر وهناك من حاول أن يسقطها من الحسابات رغم أنها أكبر من كل ذلك لأن العلاقة مع السودان قد رسمها الخالق سبحانه وتعالي بشرا ونهرا وموقعا وما رسمه خالق الكون يستعصي أحيانـا علي فهم مخلوقاته‏..‏

أتابع دائما نشرة الأحوال الجوية في العلاقات المصرية السودانية وأجد أنها ينبغي أن تسبق كل الأولويات وأن هناك أطرافـا كثيرة تسعي دائما إلي إفساد هذه العلاقات‏,‏ وفي أحيان كثيرة ينتابني أحساس غامض أن في مصر والسودان معا أيادي كثيرة خفية تسعي إلي ذلك وأنها نجحت في بعض الأحيان أن تلوث مياه النهر الخالد‏..‏

لا أعتقد أنني سوف أضيف جديدا حين أتحدث عن أولوية السودان في قائمة العلاقات الخارجية بيننا وبين العالم لأنني أعتقد أن السودان شأن داخلي مصري ولا ينبغي أن يكون شأنا خارجيا‏..‏ كان ينبغي أن نتعامل مع السودان علي أساس أنه جزء من جنوب مصر بمشاكله وقضاياه ومستقبله وأمنه واستقراره‏..‏ ولكن للأسف الشديد هناك أولويات أخري خضعت لها الأجندة المصرية وأربكت كل حساباتها‏..‏

إن أخطر ما أساء للعلاقات المصرية السودانية أنها قامت علي رغبات أشخاص ولم تقم علي سياسات وأهداف ومصالح ولهذا خضعت لحسابات شخصية أكثر مما خضعت لحسابات سياسية أو بشرية أو اقتصادية في أغلب الأحيان فإن هذه العلاقات تراجعت أمام أسباب واهية في معظم الحالات‏..‏

لو أننا استعرضنا الأزمات الأساسية التي مرت بها العلاقات المصرية السودانية فسوف نكتشف أنها وقعت أمام حسابات وأخطاء شخصية من أصحاب القرار سواء لمساندة انقلاب عسكري أو فرض وصاية طرف دون آخر رغم أن مصر بحكم الثقل والوزن والدور كان ينبغي أن تكون دائما مع الشعب السوداني في كل حساباتها لأنه الباقي والأشخاص كل الأشخاص إلي زوال‏..‏

وفي أزمة الجزائر الكروية في أم درمان أوشكت العلاقات المصرية السودانية أن تسقط في منزلق خطير لولا تدخل الرئيس حسني مبارك في لحظة حاسمة ليمنع كارثة فجرتها عنتريات بعض المسئولين وتصريحات افتقدت الفهم والوعي والمسئولية‏..‏ وعندي من اليقين ما يجعلني أؤكد أن الرئيس مبارك شخصيا يضع السودان في موقعه الصحيح في قائمة العلاقات المصرية ويمنحه أولوية خاصة‏..‏

وللأسف الشديد ثارت في الأيام الأخيرة عاصفة شديدة بسبب تصريحات صدرت في الخرطوم حول حلايب وشلاتين‏..‏

منذ وقت طويل والمسئولون في القاهرة والخرطوم يحاولون إغلاق هذا الملف كلما انفجر‏,‏ ولكن الغريب أن يتصدر هذا الملف تصريحات المسئولين في الخرطوم دون مراعاة لظروف صعبة تشهدها العلاقات بين البلدين وخلفها أسباب وحسابات كثيرة‏..‏

إن هناك قضية أهم واخطر يتعرض لها الأمن القومي المصري والسوداني بنفس الدرجة من الخطورة وهي الأزمة مع دول حوض النيل وما يحدث الآن في دول المنبع من تهديد لمستقبل مياه النيل بكل ما يعنيه ذلك من مظاهر الخطر والتهديد لم يكن من الحكمة في شيء أن تتصدر قضية حلايب وشلاتين صدارة العلاقات المصرية السودانية في هذا الوقت وهناك هذا الخطر القادم الذي يهدد الجميع‏..‏

إن هناك قضية لا تقل في خطورتها عن مياه النيل وهي مستقبل جنوب السودان وهل يمكن أن يصبح الجنوب بالفعل دولة مستقلة في العام القادم وما هو مستقبل صورة السودان بعد التقسيم‏..‏

إن الغريب في الأمر حقـا أن في مصر والسودان تيارا قويا يري أن الانفصال أصبح حقيقة وأن القضية في الوقت وليست في القرار وأن دولة جنوب السودان شئنا أم أبينا واقع لا مفر منه‏..‏

هناك تيار آخر يري أن الدفاع عن وحدة السودان قضية يجب أن تتكاتف فيها جهود مصر والسودان معا‏..‏ وهذا التيار يعتقد وهو علي حق أن انفصال الجنوب تنفيذ لأجندة خارجية فرضتها الإدارة الأمريكية وأنها تتعارض تماما مع مصالح السودان وأن هذا النموذج الخاطيء يمكن أن يجد صدي في أكثر من مكان آخر في المنطقة إذا تطلبت الأمور ذلك‏..‏

ربما شعر الإخوة في السودان خاصة المعارضة السودانية أن مصر لم تدافع كما ينبغي عن وحدة السودان وأنها بدت أحيانـا وكأنها توافق علي الانفصال والتقسيم وقد تكون مصر بالفعل أمام مشاغل كثيرة مع الشمال قد أهملت ملف الجنوب السوداني وحين حاولت استدراك الأمر يبدو أن الوقت كان قد فات وان قضية الانفصال حسمت نفسها‏..‏

ولعل ذلك الإحساس جعل مصر ترسل أخيرا معونات عاجلة بلغت‏300‏ مليون دولار لجنوب السودان في سابقة لم تحدث من قبل سواء مع الشمال أو الجنوب‏..‏

ورغم الاعتراف بتقصير مصر في قضية الجنوب إلا أننا لا نستطيع أن نتجاهل مسئولية الحكومات السودانية المتعاقبة في إهمال التنمية في الجنوب بكل مجالاتها ثم كان ظهور البترول آفة هذا العصر واحدا من أهم الأسباب التي يرتكز عليها أهل الجنوب في طلب الانفصال والاستئثار بالثروة التي هبطت علي سكان الجنوب‏..‏

لا أعتقد أن بقاء السودان موحدا أمر مستحيل مستحيلا رغم اقتراب موعد الاستفتاء ورغم المظاهرات التي تجوب مدن الجنوب تطالب بالانفصال الآن وعدم انتظار نتائج الاستفتاء‏..‏

قد يبدو الأمر صعبا ولكن لو نظرنا إلي الأيادي التي تحرك الأحداث ووصلنا إليها قد يكون من الممكن علي الأقل الوصول إلي صيغة أفضل من تقسيم السودان وإقامة دولة مستقلة في الجنوب إلي وجود صيغة للاتحاد يقبلها الطرفان‏..‏ أن هذا الأمر يتطلب تغييرا جذريا في موقف الإدارة الأمريكية التي تحرك الأحداث في السودان سلبا وإيجابا وهذا يتطلب جهدا مصريا مع الإدارة الأمريكية‏..‏

أن الإدارة الأمريكية للأسف الشديد هي التي وضعت منذ سنوات خطة تقسيم السودان وانفصال الجنوب وقدمت مساعدات رهيبة لتحقيق هذا الهدف‏..‏ لقد قدمت أمريكا ستة مليارات دولار مساعدات للجنوب وقدمت كميات هائلة من السلاح وهناك تأييد كامل في أوساط القرار الأمريكي لإقامة دولة مستقلة في الجنوب‏..‏ أن العالم كله يدرك أن أمريكا تقود الآن قطار التقسيم في السودان‏..‏

لن تستطيع مصر والسودان معا إنقاذ الجنوب من خلال مشروعات سريعة للتنمية الاقتصادية والبشرية لأن ذلك قد يتجاوز الإمكانيات المتاحة ولكن أمريكا إذا أرادت بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي تستطيع أن تضع خطة عاجلة لإعادة أعمار الجنوب يشعر بها سكان الجنوب في وقت قصير ويكون ذلك بداية تغيير بوصلة الانفصال والتقسيم لتكون أكثر ميلا إلي سودان موحد حتي في ظل تداول كامل للسلطة بين الشمال والجنوب‏..‏ ولكن السؤال هل يقبل الشمال بمبدأ تداول السلطة مع الجنوب وهل يقبل الجنوب إعادة النظر في قضايا التقسيم والثروة والشريعة والقوانين وغير ذلك من جوانب الاختلاف التي فتحت الباب أمام رغبة جارفة لدي أهل الجنوب في الانفصال وهنا ينبغي أن

نتساءل أين الدعم العربي في قضية الجنوب ليبقي السودان موحدا‏..‏

وقبل هذا كله هل يمكن أن تغير أمريكا موقفها الداعم لإقامة دولة مستقلة في الجنوب‏..‏ وهل يمكن لمصر بدعم عربي أن تقنع الإدارة الأمريكية بخطورة تقسيم السودان‏..‏ للأسف الشديد أن أوراق الجنوب كلها الآن في واشنطن وليست في القاهرة أو الخرطوم أو أي عاصمة عربية أخري‏..‏

لا أعتقد أنه من المناسب الآن فتح ملفات حلايب وشلاتين وأثاره مثل هذه الخصومات بين مصر والسودان لأن هناك قضايا أهم وأخطر‏..‏

إن وحدة موقف مصر والسودان في قضية مياه النيل والنزاع مع دول المنبع قضية في غاية الأهمية لأن مصر بدون السودان في هذه المواجهة سوف تخسر كثيرا والسودان بدون مصر سوف يصبح مشاعا لدول المنبع‏..‏ ومن هنا فإن توحيد المواقف ضرورة لا غني عنها‏..‏

إن نتائج ما يجري في الجنوب لن تترك آثارها علي السودان وحده ولكن دخول السودان دائرة التقسيم وإقامة دولة مستقلة في الجنوب سوف يغير حسابات كثيرة في موقف مصر ودورها ومسئولياتها‏..‏ سوف يكون خطأ جسيما إذا تصور البعض في دائرة القرار المصري أن ظهور دولة مستقلة في جنوب السودان لا يهدد استقرار مصر لأن تقسيم السودان كارثة ينبغي أن تتصدي لها مصر بكل الوسائل وارجو ألا تكون الفرصة قد ضاعت‏..‏

إن فتح الملفات القديمة بين مصر والسودان في هذه المرحلة يعتبر خطيئة كبري‏,‏ وعلي المسئولين هنا وهناك أن يوحدوا جهودهم لمواجهة أخطار خارجية حقيقية تهدد مستقبل الشعبين معا‏..‏ وليس من الحكمة الآن أن نشعل الفتن حول حلايب وشلاتين بينما تقف أمامنا قضية مياه النيل واستقلال الجنوب وكارثة دارفور والمؤامرات في دول المنبع وكل هذه القضايا التي ينبغي أن تكون لها أولوية خاصة‏..‏

ما بين مصر والسودان أكبر كثيرا من تصريحات صحفية للاستهلاك المحلي أو شعارات انتخابية‏,‏ وعلينا أن ننظر إلي المستقبل ويكفي الماضي الذي ضاع‏..‏



‏..‏ ويبقي الشعر

يقـولـون‏:‏ سافر‏..‏

وجرب وحاول

ففوق الرءوس‏..‏ تـدور المعاول

وفي الأفـق غـيم‏..‏

صراخ‏..‏ عويل

وفي الأرض بركان سخط طويل

وفوق الزهور يموت الجمال‏..‏

وتـحت السفوح‏..‏

تئن الجـبال

ويخـبو مع القهر

عزم الرجال

وما زلت تحمل سيفـا عتيقـا‏..‏

تصارع بالحلم‏..‏

جيش الضلال

يـقـولون‏:‏ سافر‏..‏

فمهما عشقـت

نهاية عشقك حزن ثقيل

ستغـدو عليها زمانـا مشاعـا

فـحلمك بالصبح

وهم جميل

فكل السواقي التي أطربتـك

تـلاشي عنـاها

وكل الأماني التي أرقتـك‏..‏

نسيت ضياها

ووجه الحياة القديم البريء

تكسر منـك‏..‏

مضي‏..‏ لن يجيء

يقـولـون‏:‏ سافر‏..‏

فـمهما تـمادي بك العمر فيها

وحلـــقت بالنـاس بين الأمل

ستـصبح يوما

نـشيدا قـديما

ويطـويك بالصمت

كهف الأجل

زمانـك ولـي وأصبحت ضيفـا

ولـن ينجب الزيف‏..‏

إلا الدجل‏..‏


‏fgoweda@ahram.org.eg‏