Loading

الأربعاء، 31 مارس، 2010

هوامش حرة : بين الحكومة ود‏.‏الملط

هوامش حره

بين الحكومة ود‏.‏الملط

بقلم: فاروق جويدة


 
بدأ موسم الخلافات بين الحكومة ود‏.‏ جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات وبرغم حرارة الابتسامات ومظاهر الترحيب التي سادت العلاقات أثناء القاء د‏.‏الملط لبيانه أمام مجلس الشعب فإن هذه الحرارة سرعان ما ذابت وتلاشت أمام حقائق كثيرة جاء بها البيان وحاول الوزراء المختصون التشكيك فيها‏,

‏ أو إبداء وجهات نظر مخالفة وإن كان د‏.‏يوسف بطرس غالي وزير المالية قد فضل أن يشغل نفسه ــ كما نشرت الصحف ـ بلعب الأتاري علي تليفونه المحمول أثناء المناقشات‏.‏ وقد تكرر ذلك المشهد في أكثر من لقاء رسمي‏..‏

في تقديري أن د‏.‏الملط لم يأت بجديد في تقريره هذا العام فهي الملاحظات نفسها التي يبديها الرجل ولكن يبدو أن الحكومة لا تسمع ولا تري ولا تتكلم وأنها اختارت سياسة الطناش في علاقتها بالصحافة والطناش أيضا حتي مع الأجهزة الرقابية المسئولة‏..‏

أن د‏.‏ الملط يقدم تقارير علي امتداد العام تبلغ‏180‏ تقريرا عن السلبيات والايجابيات في أداء الحكومة‏,‏ تقع في أكثر من‏25‏ ألف صفحة‏..‏ هذا الجهد الكبير الذي يقوم به الرجل ومعه كتيبة من الخبراء لا يلقي آذانـا صاغية والدليل أن الملاحظات التي يبديها تتكرر وأن القضايا واحدة وأن السلبيات تزداد عاما بعد عام‏..‏

في تقرير هذا العام توقفت عند عدد من الملاحظات‏:‏

‏*‏ هذا الخلاف بين السادة الوزراء ود‏.‏الملط حول ظاهرة الفقر في مصر لا يحتاج إلي أرقام وتأكيدات وعلي كل وزير أن يأخذ سيارته المكيفة ويذهب إلي أي قرية في إحدي محافظات مصر‏..‏ لن نطلب منه أن يذهب إلي‏794‏ قرية هي الأكثر فقرا في مصر وجميعها تقع في ثلاث محافظات هي المنيا وسوهاج وأسيوط‏..‏ ولكن عليه أن يذهب إلي عشوائيات إمبابة ودار السلام والدويقة ومنشية ناصر وقلعة الكبش ومقابر البساتين ومقابر الغفير واسطبل عنتر بل أن عليه أن يذهب إلي‏12‏ مليون مواطن يعيشون في العشوائيات حسب ما جاء في التقرير‏..‏ وإذا لم يعجبه هذا أو ذاك فليذهب إلي قري الريف في المحافظات حيث لا توجد مياه نقية أو صرف صحي لأن في مصر المحروسة‏34‏ مليون مواطن ـ كما يؤكد التقرير ـ محرومين من الصرف الصحي بنسبة‏48%‏ من سكان مصر بينهم‏8‏ ملايين مواطن يعانون من مرض فيروس‏c‏ الذي أكل أكباد المصريين‏..‏

يستطيع أي وزير أن يدخل أي بيت في مصر ليجد ثلاثة أو أربعة أبناء يحملون الشهادات ولا يعملون وربما وجد أبا مريضا بعد أن أصابه فيروس المعاش المبكر وحصل علي‏30‏ ألف جنيه من المصنع الذي كان يعمل فيه وأغلق أبوابه ليتحول إلي منتجع سكاني لأبناء الطبقة الجديدة‏..‏

‏*‏ توقفت كثيرا عند رقم الديون المصرية هذا العام وقد زادت في عام واحد بمبلغ‏100‏ مليار جنيه وهذا يعني أننا أمام حكومة لا تعمل ومجتمع لا ينتج واكتفي الجميع بلعبة الديون والقروض‏..‏ إن الحكومة الذكية اقترضت في عام واحد‏100‏ مليار جنيه ولهذا بلغ حجم الدين العام علي مصر‏941‏ مليار جنيه مقابل‏847‏ مليار جنيه كانت ديون العام الماضي‏..‏

هذه الديون تدفع عليها الخزانة المصرية‏70‏ مليار جنيه فوائد سنوية‏..‏ وبذلك يصبح كل مواطن مصري مدينا بمبلغ‏9572‏ جنيها يدفع عنها كل سنة‏917‏ جنيها في صورة فوائد‏..‏ فإذا كانت الأسرة تتكون من خمسة أشخاص فإن عليها‏48‏ ألف جنيه ديونـا وعليها أيضا أكثر من‏4500‏ جنيه فوائد سنوية‏..‏ وهذا يعني أن هناك عائلات لو باعت أبناءها وكل ما تملك فلن تستطيع الوفاء بهذا الدين أو دفع فوائده‏..‏

أن هذا أيضا يعني أن سكان العشوائيات وعددهم‏12‏ مليون مواطن لا يملكون من الدنيا شيئـا مطالبون بسداد ديون تبلغ‏120‏ مليار جنيه‏..‏ من يتحمل كل هذه الأعباء من الأجيال القادمة وأين ذهبت كل هذه البلايين‏..‏

‏*‏ توقفت كثيرا عند مجموعة من الأرقام الغريبة في التقرير‏..‏ أن الحكومة تتحدث كل يوم عن البلايين من الدولارات القادمة من الخارج في صورة استثمارات أجنبية لإقامة ألاف المصانع في مصر حتي أنني أقرأ أحيانـا عن إنشاء ألف مصنع وثلاثة ألاف مصنع‏..‏ أن إجمالي حجم الاستثمارات الأجنبية في العام الماضي بلغ‏12.8‏ مليار دولار منها‏10‏ مليارات دولار في قطاع البترول وحده‏..‏ وكان نصيب النشاط الصناعي منها‏852‏ مليون دولار‏..‏ أما النشاط الزراعي فكان‏76‏ مليون دولار‏..‏

كل ما وصل إلي مصر من استثمارات أجنبية يخص الاكتشافات البترولية أما الصناعة التي نتحدث عنها فلم تتجاوز هذا الرقم الهزيل‏..‏ فأين الصناعة المصرية التي نتحدث عنها وأين الكويز والأوزو والشراكة الأوروبية والأمريكية وأين جماعات رجال الأعمال والمجلس المصري الأمريكي والأوروبي والكندي والإسرائيلي‏..‏

أين صادرات مصر الصناعية وأين الإنتاج المصري والسلع الصينية الرخيصة تغرق الأسواق المصرية‏..‏

والأخطر من ذلك هل يعقل أن الاستثمارات الأجنبية في قطاع الزراعة لا تتجاوز‏76‏ مليون دولار في السنة ؟‏!‏ وزارات للزراعة واستصلاح الأراضي والزراعات الجديدة وشرق التفريعة وتوشكي والمزارع الالكترونية وبعد ذلك ينتهي بنا المطاف إلي هذا الرقم المخيف‏..‏ أين مزارع الموز والكانتلوب والخيار الإسرائيلي إن مستوطنه إسرائيلية واحدة تصدر للأسواق الخارجية بأضعاف هذا المبلغ‏..‏

أن مثل هذه الأرقام هي التي تؤكد أننا نعيش في مجتمع لا ينتج شيئـا علي الإطلاق‏.‏ وفي ظل استثمارات زراعية أجنبية لا تتجاوز‏76‏ مليون دولار لا يمكن لنا الحديث عن إنتاج أو تصدير أو تنمية حقيقية‏..‏ أن النشاط الصناعي الذي حقق استثمارات قيمتها‏852‏ مليون دولار في دولة تعدادها‏80‏ مليون مواطن يعني أن نصيب كل مواطن‏10‏ دولارات‏..‏ وهذا يعني أيضا أننا مجتمع يعيش خارج العصر والزمن لأن هذه الملايين الهزيلة دخلت جيب أحد من رجال الأعمال وأنفقها في حفلات زواج أو طلاق أو أعياد للميلاد‏..‏

في ظل مجتمع لا ينتج سلعا صناعية أو زراعية أمام استثمارات هزيلة كما جاء في التقرير يجلس‏55‏ مليون مواطن مصري يتحدثون في التليفون المحمول و‏16‏ مليون مواطن أمام الانترنت معادلات غريبة تؤكد أن هناك خللا ما‏..‏ كيف ضحت مصر بزراعات القطن والمحاصيل الزراعية والقمح واستبدلتها بالخيار والكانتلوب وانتهي بنا المطاف إلي‏76‏ مليون دولار استثمارات سنوية‏,‏ بينما ضاعت الأرض الزراعية في تجارة العقارات والمنتجعات ومساحات الجولف الخضراء‏..‏

‏*‏ يتحدث التقرير عن سلبيات التعليم والمدارس والتعليم العالي ولكنه يتوقف عند‏17‏ مليون مواطن يعانون من الأمية‏..‏ لا يقرأون ولا يكتبون من بينهم‏37%‏ من الإناث و‏22%‏ من الذكور‏..‏ وبحسبة بسيطة‏..‏ لدينا‏12‏ مليونا يعيشون في العشوائيات‏..‏ و‏34‏ مليونا محرومون من الصرف الصحي و‏17‏ مليونا لا يقرأون ولا يكتبون‏..‏ ماذا بقي من المصريين بعد ذلك‏..‏ وبعد هذا كله نتحدث عن قضايا المرأة والحريات وحقوق الإنسان ونملأ القاهرة صخبا وضجيجا والمرأة المصرية لا تقرأ ولا تكتب ويكفي أنها تتحدث في التليفون المحمول‏..‏

أمام هذا الواقع المزري والكئيب فإن حصيلة الضرائب التي جمعتها الحكومة من المواطنين بلغت‏155‏ مليار جنيه في العام الماضي شملت الدخل العام وضريبة المبيعات ورسوم الجمارك‏..‏ شعب يدفع وبلاد بلا خدمات وإذا كان هذا هو حالنا فأين تذهب كل هذه المليارات؟‏!..‏

أين ذهبت كل هذه الديون‏941‏ مليار جنيه‏..‏

أين ذهبت صادرات الغاز والبترول وهي تزيد علي‏70‏ مليار جنيه‏..‏

أين ذهبت المعونة الأمريكية وهي تزيد علي‏300‏ مليار جنيه في‏30‏ عاما‏..‏ بل أين ذهبت تحويلات المصريين في الخارج وموارد السياحة والمعونات الخارجية ونصف سكان المحروسة محرومون من الصرف الصحي ويعانون الأمية ويعيشون في العشوائيات وتأكل الفيروسات والأمراض أعمارهم‏..‏

أن التقرير يؤكد أن معدلات الزيادة في نسبة النمو تبلغ أكثر من‏4%‏ ولا تصل إلي جموع الشعب لأن‏77%‏ من فقراء مصر من سكان الريف وهؤلاء يعانون من الأمية والعشوائيات والأمراض‏..‏

ما جاء في تقرير د‏.‏ الملط أمام مجلس الشعب ليس إدانة فقط لحكومة لا تعمل ولا تنتج واكتفت بالديون والقروض ولكن التقرير إدانة أكبر لشعب رضي بكل هذا الهوان‏..‏



‏//////////////////////////////‏

قلوبنا كانت معك

أشياء كثيرة أعطت للرئيس مبارك مساحة عريضة في قلوب المصريين جعلتهم يتجهون إلي الله تعالي أن يشمله برعايته وهو يجري عملية جراحية في ألمانيا غريبا عن أرضه ووطنه وشعبه وأن يعود لنا سالما معافي وفي كامل صحته‏..‏

جزء عزيز من مصر كان هناك‏..‏

أشياء كثيرة قدمها الرئيس مبارك لنا‏..‏

هذه المواكب والمظاهرات والاحتجاجات والصرخات في الشوارع وعلي صفحات الجرائد وشاشات التليفزيون شهادة حق في تاريخ الرجل‏..‏ ورغم كل ما حدث أحيانـا من التجاوزات ـ حتي في حقه ـ لم يقبل الرئيس مبارك أن يقصف قلم أو يسجن صاحب رأي أو فكر أو قضية‏..‏ لم تشهد مصر منذ قامت ثورة يوليو مساحة من الحريات مثل التي تشهدها الآن‏..‏ يستطيع كل صاحب رأي أن يجهر برأيه دون أن تطارده قوات الأمن أو زوار الفجر أو أعداء الحريات‏..‏ كل ما نرجوه من الرئيس وقد عافاه الله أن يكمل مسيرة الحرية في هذا الوطن بالمزيد من الحريات‏..‏

إن الحرية هي أنقي الصفحات في تاريخ مصر المعاصر‏..‏

أشياء كثيرة نذكرها للرئيس مبارك‏..‏

لقد جاء الرجل مثلنا من أعماق هذا الوطن يحمل جذوره بلا ادعاء‏,‏ يحمل بساطة ريفنا‏..‏ ونقاء قلوبنا وعشقنا لهذه الأرض‏..‏ مع الرئيس مبارك تشعر أنك أمام مواطن مصري يشاركك كل شيء ولهذا كان قريبا من الناس خاصة هؤلاء الذين دافع عنهم دائما أمام مؤسسات تجاهلت وتناست كثيرا قضية العدالة الاجتماعية وحق البسطاء في حياة كريمة‏..‏

كان الرئيس مبارك ومازال صمام أمن وأمان أمام شطحات أصحاب المصالح والأفكار المتهورة وأساتذة التنظير ودعاة البرامج المستوردة‏..‏ ونحن ننتظر من الرئيس أن يبقي علي عهدنا به مدافعا عن الملايين من فقراء هذا الوطن الباحثين عن مستقبل آمن لهم ولأبنائهم‏..‏

أشياء كثيرة نذكرها للرئيس مبارك‏..‏

لن ننسي تلك الأمجاد المضيئة في تاريخ العسكرية المصرية العريقة وهو واحد من رموزها وأبطالها في حرب أكتوبر المجيدة التي أعادت للوطن أرضه وأعادت للشعب كرامته‏..‏

لن ننسي أن مبارك رفض ومازال يرفض أن يضع أقدامه في فلسطين المحتلة إلا بعد تحريرها وإعلان دولتها ولم يتخل الرجل عن القضية الفلسطينية رغم كل ما واجه من المتاعب والأزمات‏..‏

لن ننسي أن مبارك تعامل مع أزمات كثيرة بحكمة شديدة وإيمان عميق فلم يصدر قرارا متسرعا ولم يتخذ موقفـا ارتجاليا وكان دائما طويل البال حتي مع من خالفوه الرأي والموقف والمشورة‏..‏

سيادة الرئيس‏..‏

لقد كنت دائما أبا وأخا للجميع‏..‏ وسألت دائما عنا في أزماتنا‏..‏ وواسيتنا كثيرا في متاعبنا وهمومنا‏..‏ واليوم نقول لك بكل المشاعر الصادقة والحب العميق وقد من الله عليك وعلينا بالشفاء حمدا لله علي السلامة‏..‏ ونسأل الله أن يبقيك لنا لتكمل رحلة العطاء لمصرنا الغالية بمزيد من الحريات‏..‏ ومزيد من العدالة‏..‏ ومزيد من الحكمة والأمل في مستقبل يليق بهذا الوطن العظيم‏..‏




هوامش حرة 25/3/2010

السبت، 20 مارس، 2010

هوامش حرة : وماذا بعد المعاش المبكر؟

هوامش حرة

وماذا بعد المعاش المبكر؟

بقلم: فاروق جويدة






وسط ضجيج العاصمة القاهرة الساحرة‏..‏ وبين مواكب الصراخ والحفلات والمهرجانات فيها‏..‏ وخلف مطابع الصحف‏..‏ وشاشات الفضائيات ومواكب الأحزاب وشعارات المثقفين‏,

 


‏ وبين تصريحات المسئولين ووعودهم التي لا تنتهي‏..‏ ومقالات المغرضين والصادقين وأبناء السبيل‏..‏ وبين الأخبار التي تتدفق من كل مكان‏..‏ يهتز الكون أحيانـا لأصوات قادمة من بعيد‏,‏ من أعماق المحافظات والمدن الصغيرة والشواطيء النائية‏..‏ صرخات مكتومة تحمل شيئـا يشبة الأنين‏..‏ بعض هذه الأصوات تسرب في شوارع العاصمة‏..‏ وبدأ يخرج من حارة إلي أخري حتي وصل إلي مقر مجلس الوزراء في قلب العاصمة‏..‏ هذا الأنين الصامت حملته كتائب متنوعة من عمال مصر الذين نسيناهم أمام اختفاء المصانع وصمت الآلات وانسحاب الأضواء في حزن العنابر‏..‏

هؤلاء العمال الذين تطاردهم الآن أشباح البطالة‏..‏ كل واحد منهم يحمل ورقة صغيرة تحمل شعار‏'‏ المعاش المبكر‏'‏ شاب في ثلاثينيات العمر يأخذ مكانه في طابور العاطلين علي المقاهي‏..‏ رجل في خريف العمر يأخذ أشياءه ويلقي بها وسط كتيبة من الأبناء من خريجي الجامعات‏..‏ وفي ساحة البيت الصغير يجلس الأب وحوله مشوار عمره التعيس‏..‏ هذا الأبن خريج كلية الهندسة‏..‏ وهذه الأبنة تخرجت في كلية الحقوق‏..‏ وهذا الأبن الثالث تخرج في كلية التربية‏..‏ جميعهم كانوا من المتفوقين‏..‏ ولكن من أين تأتي فرصة للعمل‏..‏ خريج الهندسة يعمل‏'‏ مرمطونـا‏'‏ في كافيتريا علي الطريق الزراعي والأبنة تعمل ممرضة مع سيدة عجوز في بيت أحد رجال الأعمال أما خريج كلية العلوم فمازال يبحث عن عمل‏..‏

أنضم كبير العائلة أخيرا إلي طابور الأبناء بعد أن باعت الدولة المصنع الذي كان يعمل فيه وتسلم من خزينة المصنع وهو يودع سنوات عمره الضائع خمسة وأربعين ألف جنيه‏..‏ لا تكفي لأطعام هذه الأسرة ثلاثة أشهر ولا يكفي لشراء‏'‏ توك توك‏'‏ أو ثلاث بسكلتات للأبناء‏..‏ ولا يكفي لاتمام زواج ابنته إذا رزقها الله بإبن الحلال‏..‏

هذه القصة الدامية تسمعها في مئات المصانع التي أغلقتها الدولة المصرية لأنها باعتها لمستثمر عربي أو هندي أو إسرائيلي أو إسترالي أو فرنسي أو مجهول الهوية‏..‏ المهم أن المصنع تم إغلاقه بعد أن كان يطعم آلاف الأسر‏..‏ ويوفر الحياة الكريمة لمئات الالاف من البشر‏..‏ ويوفر سلعة رخيصة للمواطنين قد لا تكون ماركة عالمية شهيرة‏..‏ ولكنها تؤدي مهمتها‏..‏ إنها القماش الرخيص الذي كانت مصانع النسيج في المحلة وكفر الدوار وشبين الكوم تبيعه بأسعار زهيدة في محلات عمر أفندي وبنزايون أنها الزيوت الرخيصة وصابون نابلسي شاهين الذي كان يأخذ مكانه في كل بيت مصري فقير إنها زجاج ياسين ودخان موتسيان وحلويات الأحياء الفقيرة وشركة الألبان والجمعيات الاستهلاكية وبيع المصنوعات وجاتينيو وشيكوريل وهانو وإيديال وتليمصر‏..‏ إنها طبق الفول الذي كان يباع بعشرة قروش وأصبح الآن بثلاثة جنيهات‏..‏ هذه المصانع التي أغلقت أبوابها في البداية‏..‏ ثم افتعلت إدارتها الجديدة مشاكل مع العمال‏..‏ ثم جاءت بكتيبة من أصحاب المصالح من ذوي الرتب والألقاب وتركت لهم مهمة تصفية العمال وإبعادهم بأقل التكاليف وهي المعاش المبكر‏..‏ بعد ذلك انطفأت الأنوار في المصانع والمحال وبدأت الفئران والغربان رحلة السفر فيها‏..‏ ومع انسحاب الأضواء تقدمت فرق الإعلانات علي صفحات الجرائد في مزادات لبيع الأراضي‏..‏ وبسرعة رهيبة بدأت مزادات البيع‏..‏ سعر المتر أربعة آلاف جنيه‏..‏ مساحة المصنع خمسون فدانا‏..‏ ومع حسبة بسيطة أصبح المشتري يملك مئات الملايين من صفقات بيع الأراضي وتتدفق القروض من البنوك والأرباح من بيع الأراضي‏..‏ وبعد ذلك يأتي تجار الخردة ويحملون ما بقي من أطلال المصنع إلي وكالة البلح‏..‏ أو مصانع حديد عز في الدخيلة‏..‏

بدأ العمال يشعرون بالخطر ولكن بعد فوات الأوان‏..‏ كانت المصانع قد بيعت‏..‏ والأرض تم تسليمها‏..‏ وأطلال الخردة لم يعد لها وجود وارتفعت في أرض المصانع ناطحات السحاب‏..‏ وهنا اتجه بعضهم يتظاهر أمام مجلس الشعب أو مجلس الوزراء ولم يسمعهم أحد‏..‏

لا يوجد الآن ما كان يسمي اتحاد عمال مصر‏,‏ فقد أغلق أبوابه للتحسينات وهو الذي كان يوما يشهد الاحتفالات والتكريمات والأفراح كلما أنشأت مصر مصنعا جديدا‏..‏ لا مجال الآن للحديث عن القوانين الغائبة‏..‏ والحقوق الضائعة كل ما في الأمر أن العامل تسلم ورقة صغيرة‏..‏ تحمل شعار معاش مبكر‏..‏ ولا يوجد أحد في الحكومة يعرف شيئـا عن عمال مصر‏..‏ ماذا حدث لهم وما هو مصيرهم وأين مصانعهم‏..‏ سلسلة طويلة تشمل كل أرجاء مصر من المصانع التي أغلقت أبوابها وتم بيع أراضيها في مزادات علنية أو سرية‏..‏ قائمة طويلة بأسماء المصانع‏..‏

محلات عمر أفندي‏..‏ شركة البيبسي كولا‏..‏ مصانع كتان طنطا‏..‏ غزل شبين الكوم‏..‏ مصانع كفر الدوار‏..‏ مصانع حديد الدخيلة سابقـا‏..‏ عز حاليا‏..‏ مصانع الأسمنت‏..‏ هيئة التليفونات‏..‏ المراجل البخارية‏..‏ زيوت القناطر‏..‏ النصر لصناعة السيارات‏..‏ مصانع أيديال‏..‏ تليمصر للراديو والترنستور‏..‏ مصانع الحديد والصلب‏..‏ المعدات التليفونية‏..‏ مصانع السماد والكيماويات وعشرات الفنادق‏..‏ مصانع النحاس والمواد الكيماوية‏..‏ وخلف كل هذه الأطلال تجد مئات الآلاف من العمال الجالسين الآن في بيوتهم يتساءلون لماذا حدث هذا ولمصلحة من‏..‏

ماذا أخذت الحكومة من وراء بيع هذه المصانع وتشريد عمالها‏..‏ ووقف إنتاجها أين هذه الملايين وهل كانت تساوي كل هذا الخراب الذي أصاب مئات الالاف من الأسر‏..‏ هل كان الهدف هو بيع الأراضي في النهاية وإغلاق المصانع؟ وإذا كانت الحكومات ترغب في ذلك فلماذا باعت المصانع وأبقت علي مساحات الأراضي الخالية‏..‏

أن بندا واحدا من صفقات البيع كان يكفي لإنشاء مئات المصانع الجديدة وهو أراضي المحالج التي باعتها الحكومة ضمن سياسة تدمير مستقبل القطن المصري‏..‏ كلنا يعلم أن المحالج تنتشر في كل أرجاء مصر من الاسكندرية إلي أسوان ومنها مساحات خيالية علي النيل ووسط المدن الكبري وكانت تستخدم في صناعة الأقطان وتخزينها‏..‏ وفي لحظة مجنونة باعت الحكومة هذه المحالج بتراب الفلوس لتتحول إلي عمارات وناطحات سحاب وقصور لرجال الأعمال‏..‏ كانت النتيجة انهيارا كاملا لزراعة القطن‏,‏ تاج الزراعة المصرية‏..‏ وانهيار كامل لصناعة الغزل‏..‏ وانهيار أكبر لصناعة النسيج إحدي قلاع مصر التي شيدها طلعت حرب في المحلة الكبري وكفر الدوار والقاهرة والاسكندرية ومدن الصعيد‏..‏

كيف باعت الحكومة المحالج المصرية وحولتها إلي أراض بناء خلال ثلاثة أعوام إذا كانت الحكومة تدعي أن هذه المشروعات تمثل عبئـا علي اقتصاد مصر بسبب خسائرها فلماذا سمحت للمشترين بأن تباع كأراضي بناء ويحققون منها أرباحا خيالية‏,‏ من كان أولي بهذه الأرباح عمال هذه المصانع أم عصابات المشترين وهل كان الهدف من برامج الخصخصة وبيع المصانع تطويرها وتجديدها أم بيعها في مزادات عقارية‏..‏

في الفترة الأخيرة بدأت أصوات العمال ترتفع وهي تشاهد ناطحات السحاب التي ترتفع في عنابر المصانع ومئات الملايين من الأرباح التي تدخل الجيوب في صفقات بيع الأراضي‏..‏ والسؤال الآن أليس للشعب حق في هذه الأرقام الخرافية‏..‏ وإذا كان المشتري قد دفع خمسين مليون جنيه في شراء مصنع وباع الأرض فقط بمبلغ‏500‏ مليون جنيه فأين حق الشعب المصري في هذه الصفقات المريبة وأين مصلحة الضرائب وقوانين الضرائب من ذلك كله أين مصلحة الضرائب من مكاسب بيع مصانع الأسمنت والسماد والحديد والعقارات والفنادق والأراضي‏..‏

أن ملايين العمال الذين يجلسون الآن علي الأرصفة بلا عمل يتساءلون لماذا لم تحصل الحكومة علي حقوقنا من بيع هذه الاراضي‏..‏ وكيف انتهي بنا المطاف إلي ثلاثين أو أربعين ألف جنيه في صورة معاش مبكر‏..‏ إذا كان صاحب المصنع الجديد قد حقق أرباحا من بيع الأراضي بملايين الجنيهات لماذا لا تطالبه الحكومة بدفع مستحقاتنا من هذه الأرباح‏..‏

العمال صامتون‏..‏ يفكرون‏..‏ ويحتجون‏..‏ ولكن إلي متي ؟

ولكنهم أخيرا عرفوا طريق مجلس الوزراء‏..‏ والبرلمان وأعضاء مجلسي الشعب والشوري وبدأت مواكبهم رحلة الذهاب إلي مكاتب الأكابر في القاهرة‏..‏ تستطيع أن تراهم الآن علي امتداد شارع قصر العيني في ملابسهم المهلهلة ووجوههم الشاحبة وصرخاتهم المكتومة وقوات الأمن المركزي تحاصرهم ولاشك أن هذه الوجوه سوف تكون سببا في إزعاج أصحاب القرار في صيف القاهرة الساخن جدا هذا العام‏..‏

فهل تدرك الحكومة خطورة الموقف بين عمال مصر‏..‏ وهل تعلم المدي الذي وصلت إليه درجة الغضب والغليان بين صفوف العمال وهل قرأت الحكومة ما يحدث قراءة صحيحة‏..‏ وماذا تعرف كوادر الحزب الوطني عن عمال مصر ومشاكلهم ومعاناتهم في ظل غياب كامل لما كان يسمي اتحاد العمال‏..‏ بعد أن هدمنا المعبد علي أصحابه‏,‏ ماذا ننتظر مما بقي من أطلاله‏..‏ إذا كان بيع المصانع جريمة بكل المقاييس فإن إهمال ضحايا هذه الجريمة من العمال الجالسين الآن علي أرصفة الشوارع جريمة أكبر‏..‏ وعلينا أن نعالج الموقف قبل أن تشتعل النيران‏..‏

‏///////////////‏

‏..‏ ويبقي الشعر

في الركن يبدو وجه أمي

لا أراه لأنه

سكن الجوانح من سنين

فالعين إن غفلت قليلا لا تري

لكن من سكن الجوانح لا يغيب

وإن تواري‏..‏ مثل كل الغائبين

يبدو أمامي وجه أمي كلما

اشتدت رياح الحزن‏..‏ وارتعد الجبين

الناس ترحل في العيون وتختفي

وتصير حزنـا في الضلوع

ورجفة في القلب تخفق‏..‏ كل حين

لكنها أمي

يمر العمر أسكنـها‏..‏ وتسكنني

وتبدو كالظلال تطوف خافتة

علي القلب الحزين

منذ انشطرنا والمدي حولي يضيق

وكل شيء بعدها‏..‏ عمر ضنين

صارت مع الأيام طيفـا

لا يغيب‏..‏ ولا يبين

طيفـا نسميه الحنين‏..‏

في الركن يبدو وجه أمي

حين ينتصف النهار‏..‏

وتستريح الشمس

وتغيب الظلال

شيء يؤرقني كثيرا

كيف الحياة تصير بعد مواكب الفوضي

زوالا في زوال

في أي وقت أو زمان سوف تنسحب الرؤي

تكسو الوجوه تلال صمت أو رمال

في أي وقت أو زمان سوف نختتم الرواية‏..‏

عاجزين عن السؤال

واستسلم الجسد الهزيل‏..‏ تكسرت

فيه النصال علي النصال

هدأ السحاب ونام أطيافـا

مبعثرة علي قمم الجبال

سكن البريق وغاب

سحر الضوء وانطفأ الجمال

حتي الحنان يصير تـذكارا

ويغدو الشوق سرا لا يقال

في الركن يبدو وجه أمي

ربما غابت‏..‏ ولكني أراها

كلما جاء المساء تداعب الأطفال

فنجان قهوتها يحدق في المكان

إن جاء زوار لنا

يتساءل المسكين أين حدائق الذكري

وينبوع الحنان

أين التي ملكت عروش الأرض

من زمن بلا سلطان

أين التي دخلت قلوب الناس

أفواجا بلا استئذان

أين التي رسمت لهذا الكون

صورته في أجمل الألوان

ويصافح الفنجان كل الزائرين

فإن بدا طيف لها

يتعثر المسكين في ألم ويسقط باكيا

من حزنه يتكسر الفنجان

من يوم أن رحلت وصورتها علي الجدران

تبدو أمامي حين تشتد الهموم وتعصف الأحزان

أو كلما هلت صلاة الفجر في رمضان

كل الذي في الكون يحمل سرها

وكأنها قبس من الرحمن

لم تعرف الخط الجميل

ولم تسافر في بحور الحرف

لم تعرف صهيل الموج والشطآن

لكنها عرفت بحار النور والإيمان

أمية‏..‏

كتبت علي وجهي سطور الحب من زمن

وذابت في حمي القرآن

‏'‏من قصيدة طيف نسميه الحنين سنة‏2008'‏

الأحد، 14 مارس، 2010

هوامش حره : ثلاثية الإصلاح في مصر

هوامش حره

ثلاثية الإصلاح في مصر

بقلم: فاروق جويدة

11/3/2010

وسط الأطلال التي خلفتها السيول‏..‏ وصفقات التوزيع العشوائي للأراضي والقصور‏..‏ ونواب الشعب وصفقات العلاج المجاني‏..‏ والسباق المحموم في انتظار الانتخابات البرلمانية بعد شهور قليلة‏..‏ وبين الآلاف من الرافضين والمحتجين والغاضبين حول مبني مجلس الوزراء في شارع قصر العيني من العمال والموظفين والدعاة‏..‏

‏ وسط هذا الكم الكبير من الإحباط والأزمات والمشاكل قضيت ساعتين خارج الزمن وخارج هذا التكدس البشري الرهيب في قضاياه ومشاكله وسلوكياته‏..‏

حملتني قدماي إلي مدرسة عتيقة في شارع من شوارع شبرا القديمة‏..‏ ذهبت إلي مدرسة شبرا الثانوية للبنات في احتفالية صغيرة أقامتها الإدارة التعليمية لمحافظة القاهرة تحت عنوان‏'‏ المهرجان الأول للشعر العربي‏'‏ مئات الآباء والأمهات جاءوا وراء أبنائهم وبناتهم الفائزين علي مستوي الجمهورية في مسابقة إلقاء الشعر‏..‏ قيادات التربية والتعليم في محافظة القاهرة المشرفة علي المهرجان‏..‏ مؤسسة أخبار اليوم ودار الكتب ونقابة الممثلين الراعين للحفل البسيط‏..‏ مسرح صغير يحمل عبق الزمن الجميل بدأت مواكب الزهور تتقدم وهم‏35‏ طفلا وطفلة تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات‏..‏ وخمسة عشر عاما‏..‏

لم أصدق نفسي وأنا أسمع طفلة عمرها أربع سنوات وهي تلقي قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي في مدح الرسول‏..‏ طفل آخر عمره خمس سنوات يلقي قصيدة لحافظ إبراهيم في حب مصر‏..‏ وتدفقت أصوات الطيور حولنا تغرد بشعر درويش ونزار قباني ومحمود حسن إسماعيل وصلاح عبد الصبور‏..‏ الإلقاء ممتع وجميل وبسيط‏..‏ واللغة العربية الرصينة تنساب من أفواه الأطفال الصغار وكأنها معزوفة إلهية جاءت الينا من السماء قبسا يضئ في ليلة مظلمة ساعتها تمنيت لو أن هذه الاحتفالية الصغيرة البسيطة في واحدة من مدارسنا شاهدها الملايين علي شاشات التلفزيون مثل مباريات الفريق القومي في انجولا وهو عائد بكأس أفريقيا أو مباريات كرة اليد وسط صياح الجماهير‏..‏ تمنيت لو أن هؤلاء الصغار وجدوا فرصتهم مثل أصحاب الفيديو كليب وأفلام الإسفاف التي نطارد بها أجيالنا الجديدة‏..‏

تمنيت أن يردد أبناؤنا الشعر الجميل بدلا من أن تحاصرهم الكلمات الهابطة وهم يرددون‏'‏ بحبك يا حمار‏'..‏

صوت الأطفال الصغار وهم يرددون ولد الهدي فالكائنات ضياء‏..‏ ووقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي‏..‏ هذا الوجدان البريء الأخضر وهذه القلوب الصغيرة التي تبحث عن نقطة ماء نقية‏..‏ وكلمة نظيفة‏..‏ وزمان أكثر رحمة وأكثر عدلا‏..‏ خمسة وثلاثون طفلا وطفلة باقات ورد تضيء علي المسرح العتيق‏..‏ وكل واحد منهم يتسلم جائزته شهادة تقدير صغيرة وبعض الكتب والآباء والأمهات أكثر فرحة من أمهات اللاعبين الذين قبض كل واحد منهم مليون جنيه لأنه أحرز هدفـا‏..‏ تمنيت لو أن التقدير كان أكبر‏..‏ ولو أن الاحتفالية كانت أوسع ولو أن التجربة الجميلة وجدت مكانـا لها في كل محافظات مصر‏..‏ هناك أم سهرت علي هذا الطفل ليحفظ قصيدة وقرأتها معه عشرات المرات‏..‏ وهناك أب ادخر من قوته ليشتري له حذاء جديدا وبدله يتسلم بها جائزته‏..‏ كانت ليلة جميلة أعادتني إلي المدرسة المصرية القديمة بجلالها وعلمها وثقافتها ومعلمها وطلابها‏..‏ رأيت الأطفال الصغار يقرأون القصائد الجميلة بإحساس عميق رغم أنهم محاصرون كل يوم بكلمات مريضة ولكن وسط الظلام الدامس ينبت نجم مضيء كيف تركنا أطفالنا تطاردهم أشباح الإسفاف والتردي والكلام الهابط والفن الرخيص‏..‏

تذكرت المدرسة المصرية القديمة‏..‏ هنا كانت المكتبة وفيها مئات بل آلاف الكتب حيث يقرأ التلاميذ ويحملون الكتب إلي منازلهم‏..‏ هنا كانت قاعة الموسيقي ومدرس الموسيقي يعلم الأطفال الصغار‏..‏ هنا كانت قاعة الأشغال والتربية الزراعية والصناعات الحرفية‏..‏ هنا كانت قاعة التربية الرياضية وملاعب الكرة وطوابير القسم المخصوص وهنا كانت قاعة التمثيل والغناء حيث تجري بروفات التلاميذ علي مسرحية جديدة يقدمونها علي مسرح المدرسة‏..‏ هنا الإذاعة الصباحية ونشرة الأخبار وأهم الأحداث هنا طابور الصباح وتحية العلم ولحظة خشوع أمام علم مصر العظيم‏..‏

كانت هذه هي المدرسة التي تعلمنا فيها‏,‏ولم يكن ذلك في الإبراهيمية الثانوية في جاردن سيتي أو الخديوية العتيقة في شارع بورسعيد أو السعيدية بجوار جامعة القاهرة ولكن كان ذلك كله في مدرسة عمر مكرم الثانوية في دمنهور بمحافظة مصرية مثل كل المحافظات ومدرسة مثل مئات المدارس التي خرجت أجيالا‏..‏

كانت هذه صورة المدرسة المصرية التي تعلمنا فيها ووجدنا المدرس القدوة والمنهج الصحيح والتعليم الجاد‏..‏ لم نعرف دكاكين الدروس الخصوصية وأساليب الحفظ والتلقين‏..‏ وكان المدرس يلعب دور المعلم والأب والموجه وكانت له مهابة في صورته وعلمه وحضوره‏..‏ وكان قانعا بمرتب يكفيه ومدرسة تحترمه وتلاميذ يقدرون علمه ورعايته‏..‏

ماذا حدث للمدرسة المصرية العريقة اختفت كل هذه المنشآت وتحولت إلي قلاع خرسانية‏..‏ اختفت الحدائق والملاعب وقاعات الرسم والموسيقي والتمثيل واختفي القسم المخصوص وجماعة الكشافة وتواري طابور الصباح والإذاعة وتحية العلم‏..‏ وضاعت المسابقات الثقافية بين التلاميذ وتحولت المكتبة إلي سوبر ماركت صغير لتقديم السندوتشات والهامبورجر والبيتزا المجففة والشيبسي الملوث وفي بعض الأحيان كنتاكي وتوابعه‏..‏

كانت هناك مسابقات بين التلاميذ في إلقاء الشعر والرسم والموسيقي‏,‏ وكانت هناك برامج أوائل الطلبة حيث العلم والإبداع‏..‏ وكانت هناك رحلات للكشافة وخطب في الإذاعة الصباحية يتنافس عليها التلاميذ‏..‏

تذكرت مسابقات القسم المخصوص والنشاط الرياضي وتكريم الفرق الفائزة تذكرت عيد العلم والزعيم جمال عبد الناصر يوزع الأوسمة والنياشين علي الطلاب والعلماء والأدباء ورموز الثقافة لم تكن المكافآت بالملايين مثل نجوم الكرة الآن‏,‏ ولكن مشاعرالتقدير كانت أكبر من كنوز الأرض‏..‏

اختفي كل هذا المناخ ولم يعد التلميذ يسمع شيئـا عن الشعر‏..‏ والفنون‏..‏ ونسي لغته‏..‏ ووجد أمامه من يملؤن رأسه بالخزعبلات والعفاريت وعذاب القبر‏..‏ ومن يغرسون في وجدانه أعشاب الكراهية لا تتكلم مع زميلتك الطفلة لأن الكلام معها حرام‏..‏ ولا تصافح زميلك لأنه مسيحي‏..‏ ولا تكشفي يديك لأن يديك عورة‏..‏ كان من السهل جدا وسط هذا المناخ امتهان الطفولة وضياع الهوية وغياب الانتماء وبدلا من أن يغني أبناؤنا الأطلال حاصرتهم بوحشية‏'‏ بحبك يا حمار‏'‏ علي شاشات التليفزيون وكاستات الشوارع وصخب البيوت‏..‏

وسط هذا المناخ خرجت أجيال مشوهة في الفكر والإحساس والمشاعر وعندما ذهب هؤلاء إلي الجامعة استقبلتهم حشود الأمن المركزي علي الأبواب والحرس الجامعي في المدرجات وتسلط الإدارة وغياب الحوار والرقابة البوليسية علي الطلاب‏,‏ ماذا يقولون وماذا يأكلون وبأي شيء يحلمون ؟‏!..‏

اختفي الفكر وانتشر التعصب وغابت الرؤي وساد التخلف‏..‏ ووجدنا طوابير الجهل تندفع من بيوتنا إلي شوارعنا إلي سلوكياتنا إلي شاشات التليفزيون إلي معاقل ثقافتنا؟‏!‏وكان ما نراه الآن‏..‏ وغاب دور الأب والمدرس والأسرة وسط ضجيج الشاشات وصخب الشوارع‏..‏

في مسرح مدرسة شبرا الثانوية للبنات وخلال ساعتين من الزمن وبعد رحلة عناء طويلة وتساؤلات استنزفت سنوات عمري وجدت الحل‏..‏ أعيدوا للمدرسة قيمتها وأهميتها ودورها في خلق أجيال جديدة‏..‏

أعيدوا للمدرس مهابته‏..‏ وأعيدوا لمناهج التعليم قدسيتها بعيدا عن مواكب النفاق والتدليس والتزييف وتجارة التاريخ‏..‏

أعيدوا للجامعة دورها في تكوين شخصية سليمة وفكر رفيع وحوار خلاق‏..‏

لدينا أربعة وزراء ليتهم يجلسون مع بعضهم مرة واحدة‏..‏ فاروق حسني وأنس الفقي وهاني هلال وأحمد ذكي بدر‏..‏ الثقافة والإعلام والتعليم العالي والتربية والتعليم بين أيدي هؤلاء الأربعة كارثة مصر وأسوأ أزماتها‏..‏ إن منطق الجزر الذي يعمل به المسئولون عندنا لن يصل بنا إلي شيء‏..‏ لا يمكن أبدا أن يتم الإصلاح في ظل هذا التناقض‏..‏ تبدأ رحلة البناء بالمدرسة‏..‏ يواكبها ثقافة جادة تقوم علي منهج سليم وأهداف واضحة‏..‏ يكمل المسيرة إعلام واع يبني العقول‏..‏ والمشاعر ومع هذا الحشد تكمل الجامعة الرسالة بالحوار والفهم والثقافة‏..‏ وقبل هذا كله أن نمحو ذلك العار الذي يطاردنا‏,‏ فمازال بيننا‏17‏ مليون مواطن وربما أكثر يعانون من الأمية‏..‏ لا يقرأون ولا يكتبون مادام كل مسئول لا يري إلا تحت أقدامه ومادام القرار تحكمه البيروقراطية وروح التسلط يصبح الحل صعبا ومستحيلا‏..‏

لن تخرج مصر من أزماتها إلا إذا أصلحت هذه المنظومة الثلاثية الفاسدة الإعلام والتعليم والثقافة‏..‏ مدرسة بلا ثقافة جهد ضائع‏..‏ وثقافة بلا برامج وقت ضائع وإعلام عشوائي جريمة كبري حين تبدأ مسيرة الإصلاح في المدرسة وتنتقل إلي الجامعة وتتلقاها ثقافة واعية وإعلام راقي يومها سنقول إننا وضعنا أقدامنا علي أول الطريق السليم‏..‏ هذه هي ثلاثية الإصلاح في هذا البلد تأتي بعدها أشياء أخري‏..‏ ولكن المهم أن نبدأ‏..‏

تحية تقدير لمحافظ القاهرة د‏.‏عبد العظيم وزير الذي رعي هذا المهرجان وهاني كمال الموجه العام للتربية المسرحية في الإدارة التعليمية بمحافظة القاهرة والفنان أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية‏,‏ والمهندس محمود إبراهيم سليم المدير العام بأخبار اليوم ود‏.‏عبد الناصر حسن رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب‏..‏ وقيادات التربية والتعليم بمحافظة القاهرة وحلوان‏..‏

مناسبة صغيرة‏..‏ وأطفال صغار علي مسرح عتيق عمره يزيد علي‏60‏ عاما وحكاية عن دور المدرسة في انتشال وطن من ركام التخلف والتعصب والبلاهة‏..‏ أعيدوا للمدرسة دورها فهي أول خطوات الإصلاح‏..‏

في تقديري أن الحساب شيء مطلوب وعلينا أن نحاسب كل مسئول عن حصاد ما زرع‏..‏ كيف تسلم الأرض ومتي تسلمها وهل زرع الأشجار أم ترك الحشائش‏..‏ والزرع هو عقول أبنائنا والحشائش هي الحصاد المر الذي يجنيه المصريون الآن من سياسات ثقافية وإعلامية وتعليمية كانت صورة من صور الفشل والتراجع‏..‏





‏..‏ ويبقي الشعر

لم لا أسافر ؟

ألف أرض تحتـويني‏..‏ ألـف متـكإ‏..‏ ودار

أنا لا أري شيئـأ أمامي

غير أشلاء تـطاردها العواصف‏..‏ والغـبار

كم ظل يخدعني بريق الصبح في عينـيك‏..‏

كـنـت أبيع أيامي ويحملـني الدمار‏..‏ إلي الدمار

قـلبي الذي عـلـمتـه يوما جنون العشق‏..‏

علــمني هموم الانـكسار

كانت هزائمه علي الأطـلال‏..‏

تـحكي قصة القـلـب الـذي

عشق الرحيل مع النـهار

ورأيتـه نـجما طريدا

في سماء الكـون يبحث عن مدار

يا سنـدباد العصر

عهد الحب ولــي‏..‏

لن تـري في القـفـر لؤلـؤة‏..‏

ولن تـجـد المحار

وجه جميل‏..‏

طاف في عيني قليلا‏..‏ واستـدار

ومضيت أجري خـلـفـه‏..‏

فوجدت وجهـي‏..‏ في الجـدار





‏fgoweda@ahram.org.eg‏




الجمعة، 5 مارس، 2010

هوامش حرة : ليس دفاعـا عـن المرأة


هوامش حره

ليس دفاعـا عـن المرأة
بقلم: فاروق جويدة
لن أتحدث عن المرأة المصرية في التاريخ حينما كانت ملكة متوجة تحكم إمبراطورية عظيمة تهتز لها الدنيا وتستجيب لها أرجاء الكون‏..‏ هذه المرأة التي صاغت التاريخ وتجسدت فيها كل صور العزم والكبرياء والقوة‏..‏ لن أذكر كليوباترا الساحرة‏..‏ أو نفرتيتي أو حتشبسوت‏..‏


 هذه صور من تاريخنا القديم الذي وضع المرأة في مكانها ومكانتها وما ينبغي أن تكون عليه‏..‏ لن أتحدث عن أم سيدنا موسي عليه السلام وهي تلقيه في اليم وتنظر إلي السماء تطلب منها الرحمة والحماية لوليدها من بطش فرعون وحاشيته‏..‏ ولن أتحدث عن السيدة العذراء عليها السلام وهي تحمل المسيح عليه السلام وتهرب به تطلب له الأمن والسلامة ولم تجد وطنا أكثر أمنا من مصر الكنانة‏..‏ لن أتحدث عن آل بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام ومنهم من اختار مصر لتكون فيها أضرحتهم الطاهرة مواكب للنور بيننا حيث أقامت السيدة نفيسة والسيدة زينب رضوان الله عليهما‏..‏
لن أتحدث عن كوكبة من مبدعات مصر في عصر ثقافتها الذهبي بنت الشاطيء وحكمت أبوزيد وعائشة راتب‏..‏ وسهير القلماوي ولطيفة الزيات ونعمات أحمد فؤاد ولن أتحدث عن نجوم الفن الراقي والإبداع الأصيل في الغناء والسينما والمسرح‏..‏
هذه هي المرأة المصرية التي جسدت في رحلتها عبر الماضي والحاضر نموذجا فذا في التميز والعطاء‏..‏ المرأة المصرية الام التي قدمت لمصر مواكب من عظماء الرجال في كل المجالات عبر تاريخها الطويل فكانت هي المعلم رغم أميتها‏..‏ وكانت هي القدوة رغم بساطتها وكانت شريكا للرجل في كل مراحل نضاله ونجاحه وانكساراته وجلده‏..‏
هذه الام المصرية هي التي شيدت مسيرة الحضارة في هذا الوطن‏..‏ كانت هي الفلاحة التي وقفت بجانب أسرتها تنتج وتصبر وترعي وتقف كالشجرة الوارفة يلتف حولها الأبناء‏..‏ كانت تعطي بلا ثمن‏..‏ وتعلم الصبر كما تمنح الإرادة وتغرس الإيمان واليقين‏..‏ هذه الأم لم تكن تقرأ ولا تكتب ولكنها كانت تري ببصيرتها ما لا يراه المبصرون‏..‏
علي ضفاف هذا النهر الخالد كان العطاء مزدوجا دائما نهرا يفيض بالخير‏..‏ وامرأة تفيض بالمشاعر‏..‏ وما بين فيضان الماء وفيضان المشاعر كانت هذه المنظومة التي شيدها الإنسان المصري بمسيرته الحضارية التي سبق بها أمم العالم وشعوبه إنجازا عظيما في تاريخ البشرية‏..‏
لا يستطيع أحد أن يدعي أن مسيرة الإنسان علي ضفاف النيل كانت معركة خاضها الرجل وحده‏..‏ أو أنها رحلة ذكورية جامدة‏..‏ أو عطاء من طرف واحد‏..‏ وراء هذه الرحلة أمهات وزوجات وبنات وحبيبات وأخوات وعالم فسيح من المشاعر النبيلة الصادقة‏..‏ نعم إن الرجل كان يحمل حكمة العقل وبصيرته‏..‏ وكان يمثل القوة في أكمل صورها‏..‏ وكان يتعب ويشقي لكي يصنع الحياة السعيدة والمجتمع المتكافل‏..‏ ولكن علي الجانب الآخر كانت المرأة تحتوي كل هذا الكون في قلبها الصغير بأنبل المشاعر‏..‏ وربما لم تكن تملك قوة الجسد‏,‏ولكنها تملك قوة الروح وقبل هذا وذاك تملك جيوش الرحمة التي تستطيع دائما أن ترسي قواعد العدل والعدالة‏..‏ هل أدركنا يوما الفرق بين الكلمتين‏..‏ العدل‏..‏ والعدالة كان من الممكن أن تغني الكلمة الأولي عن الثانية‏..‏ ولكن العدل يعني الحسم‏..‏ والعدالة تعني الرحمة‏..‏ والعدل منفردا لا يغني عن العدالة لان الحسم بدون الرحمة سلطان بلا ضمير‏..‏
كانت المرأة دائما في الصدارة في كل المحن والأزمات‏..‏ ولم تكن يوما علي الهامش بإرادتها‏..‏ لقد تحكمت الظروف الاجتماعية والإنسانية في تحديد مسارها‏..‏ كثيرا ما ظهرت علي السطح وجمعت حولها البريق والأضواء والمجد كما فعلت كليوباترا‏..‏ وكثيرا ما اختارت الظل فكانت أما وزوجة واكتفت بان تقدم للأرض أجمل وأعظم فرسانها نبلا وطهارة‏..‏ وإذا كانت قد حكمت يوما بالسلطان فقد حكمت قبل ذلك كثيرا باليقين والإيمان‏..‏
إذا فتشت في أعماق كل رجل عظيم سوف تشاهد من بعيد طيف امرأة يضيء فتري في ملامحها معني العطاء والصدق والقوة والتجرد‏..‏ إن هذه المساحة الكبيرة من الضوء التي تنتشر داخلنا في أوقات الظلام وعصور الانحطاط والتراجع حملتها في حب أيدي امرأة‏..‏ وربما كانت أما أو زوجة أو أبنة‏..‏
إذا شاهدت يوما سفينة غارقة حاول أن تبحث عن أطلالها سوف تكتشف أن بين هذه الأطلال عدالة غابت‏..‏ وقوانين لم تحترم أقدار البشر‏..‏
قد يسألني سائل ولماذا كل هذه الخواطر الدامية ؟
أقول‏:‏ لقد رضينا بألوان كثيرة من الظلم‏..‏ واعتدنا غياب العدالة برغم أننا نتحدث كل يوم عنها‏..‏ وساءت أحوالنا حتي صار رغيف الخبز حلما‏..‏ وأنبوبة البوتاجاز انتصارا‏..‏ ورأينا حولنا أطفال الشوارع وهم يموتون جوعا‏,‏ونحن لا نعرف لهم أما ولا أبا‏..‏ وأصبح الغني لا يري ولا يسمع‏..‏ وأصبح القادر تمثالا من الشمع الصامت‏..‏ وسط هذا كله فقدت الحياة توازنها فأصبح حق المرأة حراما‏..‏ وأصبح وجودها وهما‏..‏ وتنظر في قوائم المرشحين في مجلس الشعب فلا تري امرأة فائزة فلم يعد هناك مجتمع يدرك بوعي قيمتها‏..‏ ولم يعد هناك رجال يؤمنون بما قدمت أو أعطت‏,‏ وتلجأ سلطة القمع الرجالي في الحزب الوطني إلي تحديد نسبة لتمثيل المرأة في مجلس الشعب بالقانون وليس بالاختيار‏..‏ ونتفاخر أن لدينا وزيرة أو مديرة أو ناظرة في مدرسة برغم أن هذا أبسط حقوقها‏,‏وعلي الكراسي مئات الرجال المتنطعين واللصوص وسارقي أموال الشعب في آلاف الوظائف والمناصب والرتب‏..‏
نخجل أن تعين المرآة قاضية ونحن الرجال الذين ورثنا القضاء لأبنائنا وحين وقف وزير العدل المحترم ممدوح مرعي مع العدالة وطالب بحماية الهيئة القضائية بتشريع حاسم يرفض الحاصلين علي تقدير مقبول للعمل في السلك القضائي ثارت الدنيا عليه‏,‏وخرج من يطالب رئيس الدولة بإعادة منظومة توريث القضاء الخاطئة‏,‏واغتيال القانون العادل وتغييره ولا أريد أن أطيل في هذه القضية فقد عانيت بسببها كثيرا نفسيا وصحيا ومازلت‏..‏
إن مجلس الدولة لم يظلم المرأة حين رفض تعيينها في القضاء لأن ما حدث من المجلس هو الشيء الطبيعي في هذا المجتمع الذي يدعي التحضر والاستنارة وهو غارق بأحزابه ومؤسساته وسياساته التي لا تعترف بالمرأة‏..‏ مازالت المرأة عندنا رفيقة الشيطان إذا ظهرت جاء‏..‏ وإن اختفي رحلت‏..‏ مازلنا نخفيها لأنها مازالت في نظرنا عورة‏..‏ وإذا لم تخف نفسها حياء وخجلا أخفيناها قهرا وتعسفـا‏..‏
إن حرية المرأة ليست بالشعارات البراقة أو المانشتات اللامعة‏,‏ ولكن حرية المرأة أن نحرر عقلها ونمنحها فرصة الرجل في العلم والفكر والثقافة فهي ليست أقل منه حكمة وثقافة ووعيا‏..‏
في يوم من الأيام كنت أجلس في مكتب أستاذنا الراحل توفيق الحكيم في الأهرام ودار حوار ديني طويل شارك فيه يومها د‏.‏حسين فوزي‏..‏ ود‏.‏لويس عوض ود‏.‏ بنت الشاطيء‏..‏ ود‏.‏زكي نجيب محمود ونجيب محفوظ وصلاح طاهر رحمهم الله جميعا‏,‏وأجمع هؤلاء علي رأي ما وموقف ما في قضية دينية شائكة لا أحب أن أذكرها‏..‏ ويومها انطلقت فيهم د‏.‏ بنت الشاطيء وأقسم بالله أنني لم أسمع في حياتي حجة في الدين والفكر والاحتكام للعقل مثل ما قالت بنت الشاطيء‏..‏ يومها قلت لها والله أنك في هذا الموقف كنت بمائة رجل‏..‏ دفاعا عن الحق والدين والأمانة‏..‏
إنني أرفض تماما أي تجاوز في حق قضاة أفاضل في مجلس الدولة أحمل لهم تقديرا عميقا‏..‏ لأنهم رمز للعدالة التي نطالب بها ونحرص عليها ولكنني أقول إن المعركة التي نراها الآن ليست وليدة هذا القرار أو ذاك‏,‏ولكنها وليدة ظلم اجتماعي اعتدنا عليه‏,‏وأصبح أمرا عاديا في حياتنا وكانت أجهزة الدولة ومؤسساتها تحمي هذا الظلم بل وتمارسه حتي أصبح عملا مشروعا‏..‏
كنا نري أمامنا هذا الظلم البين واضحا في غياب تكافؤ الفرص وتوزيع المناصب لمن لا يستحقون‏..‏ ولم نتحرك‏..‏ وكنا نري هذا الظلم في توزيع ثروات الوطن علي اللصوص والمرتشين‏,‏ ولم ندرك خطورة ذلك وكنا نري هذا الظلم في انقسام المجتمع إلي فئات وجماعات من أصحاب المصالح‏..‏ ولم نعترض من هنا لم يكن غريبا ألا تجد المرأة فرصتها في هذا المجتمع الظالم الذي اعتاد علي قهر مواطنيه‏,‏ لقد اعتدنا أن تكون المرأة علي هامش حياتنا برغم خطورة دورها‏..‏ وأن نجد بعض الأشخاص ينعمون بكل شيء‏,‏ بينما يقف المجتمع كل المجتمع ينظر إليهم صامتـا وهو لا يملك أي شيء‏,‏ ولم يكن غريبا أن نوزع المناصب والألقاب ونسقط هذا تحت دعوي أنه غير لائق اجتماعيا أولا يصلح لأداء المهمة‏..‏
حين يصبح الظلم أسلوب حياه وفلسفة مجتمع لن يكون غريبا أن نري أمامنا ملايين الضحايا في مثل هذا المجتمع الظالم لأهله حيث لا حقوق لامرأة‏..‏ ولا حلم لشاب واعد ولا أمان لطفل نام في العراء ولم يجد الرحمة‏..‏
 
‏..‏ ويبقي الشعر
وجه جميل‏..‏
طاف في عيني قليلا‏..‏ واستـدار
فأراه كالعشب المسافر‏..‏
في جبين الأرض يزهو في اخضرار
وتـمر أقـدام السنين عليه‏..‏ يخـبو‏..‏
ثـم يسقـط في اصفرار
كم عشت أجري خـلـفـه
رغم العواصف‏..‏ والشواطيء‏..‏ والقفـار
هل آن للحلـم المسافر أن يكـف عن الدوار ؟
يا سنـدباد العصر‏..‏ إرجع
لم يعد في الحب شيء غير هذا الانـتـحار
ارجع‏..‏ فـإن الأرض شاخت
والسنون الخضر يأكـلـهـا البوار
ارجع‏..‏ فإن شواطيء الأحلام
أضنـاها صراخ الموج من عفـن البـحار
هل آن للقـلـب الذي عشق الرحيل
بأن ينـام دقيقة‏..‏ مثـل الصغـار ؟
هل آن للوجه الـذي صلـبوه فوق قناعه عمرا
بأن يلـقي القنـاع الـمستـعار؟
وجه جميل
طاف في عيني قليلا‏..‏ واستـدار
كان الوداع يطل من رأسي
وفي العينين ساعات تدق‏..‏
وألف صوت للقطـار
ويلي من الوجه البريء‏..‏
يغـوص في قلـبي فيؤلمني القرار
لم لا أسافر
بعد أن ضاقت بي الشطآن‏..‏ وابتعد المزار ؟‏!‏
يا أيها الوجه الذي أدمي فؤادي
أي شيء فيك يغريني بهذا الانتظار ؟
ما زال يسكرني شعاعك‏..‏
رغـم أن الضوء في عيني نار
أجري فألمح ألـف ظل في خطاي
فكيف أنجو الآن من هذا الحصار ؟

 
‏fgoweda@ahram.org.eg