Loading

الأحد، 14 مارس، 2010

هوامش حره : ثلاثية الإصلاح في مصر

هوامش حره

ثلاثية الإصلاح في مصر

بقلم: فاروق جويدة

11/3/2010

وسط الأطلال التي خلفتها السيول‏..‏ وصفقات التوزيع العشوائي للأراضي والقصور‏..‏ ونواب الشعب وصفقات العلاج المجاني‏..‏ والسباق المحموم في انتظار الانتخابات البرلمانية بعد شهور قليلة‏..‏ وبين الآلاف من الرافضين والمحتجين والغاضبين حول مبني مجلس الوزراء في شارع قصر العيني من العمال والموظفين والدعاة‏..‏

‏ وسط هذا الكم الكبير من الإحباط والأزمات والمشاكل قضيت ساعتين خارج الزمن وخارج هذا التكدس البشري الرهيب في قضاياه ومشاكله وسلوكياته‏..‏

حملتني قدماي إلي مدرسة عتيقة في شارع من شوارع شبرا القديمة‏..‏ ذهبت إلي مدرسة شبرا الثانوية للبنات في احتفالية صغيرة أقامتها الإدارة التعليمية لمحافظة القاهرة تحت عنوان‏'‏ المهرجان الأول للشعر العربي‏'‏ مئات الآباء والأمهات جاءوا وراء أبنائهم وبناتهم الفائزين علي مستوي الجمهورية في مسابقة إلقاء الشعر‏..‏ قيادات التربية والتعليم في محافظة القاهرة المشرفة علي المهرجان‏..‏ مؤسسة أخبار اليوم ودار الكتب ونقابة الممثلين الراعين للحفل البسيط‏..‏ مسرح صغير يحمل عبق الزمن الجميل بدأت مواكب الزهور تتقدم وهم‏35‏ طفلا وطفلة تتراوح أعمارهم بين أربع سنوات‏..‏ وخمسة عشر عاما‏..‏

لم أصدق نفسي وأنا أسمع طفلة عمرها أربع سنوات وهي تلقي قصيدة لأمير الشعراء أحمد شوقي في مدح الرسول‏..‏ طفل آخر عمره خمس سنوات يلقي قصيدة لحافظ إبراهيم في حب مصر‏..‏ وتدفقت أصوات الطيور حولنا تغرد بشعر درويش ونزار قباني ومحمود حسن إسماعيل وصلاح عبد الصبور‏..‏ الإلقاء ممتع وجميل وبسيط‏..‏ واللغة العربية الرصينة تنساب من أفواه الأطفال الصغار وكأنها معزوفة إلهية جاءت الينا من السماء قبسا يضئ في ليلة مظلمة ساعتها تمنيت لو أن هذه الاحتفالية الصغيرة البسيطة في واحدة من مدارسنا شاهدها الملايين علي شاشات التلفزيون مثل مباريات الفريق القومي في انجولا وهو عائد بكأس أفريقيا أو مباريات كرة اليد وسط صياح الجماهير‏..‏ تمنيت لو أن هؤلاء الصغار وجدوا فرصتهم مثل أصحاب الفيديو كليب وأفلام الإسفاف التي نطارد بها أجيالنا الجديدة‏..‏

تمنيت أن يردد أبناؤنا الشعر الجميل بدلا من أن تحاصرهم الكلمات الهابطة وهم يرددون‏'‏ بحبك يا حمار‏'..‏

صوت الأطفال الصغار وهم يرددون ولد الهدي فالكائنات ضياء‏..‏ ووقف الخلق ينظرون جميعا كيف أبني قواعد المجد وحدي‏..‏ هذا الوجدان البريء الأخضر وهذه القلوب الصغيرة التي تبحث عن نقطة ماء نقية‏..‏ وكلمة نظيفة‏..‏ وزمان أكثر رحمة وأكثر عدلا‏..‏ خمسة وثلاثون طفلا وطفلة باقات ورد تضيء علي المسرح العتيق‏..‏ وكل واحد منهم يتسلم جائزته شهادة تقدير صغيرة وبعض الكتب والآباء والأمهات أكثر فرحة من أمهات اللاعبين الذين قبض كل واحد منهم مليون جنيه لأنه أحرز هدفـا‏..‏ تمنيت لو أن التقدير كان أكبر‏..‏ ولو أن الاحتفالية كانت أوسع ولو أن التجربة الجميلة وجدت مكانـا لها في كل محافظات مصر‏..‏ هناك أم سهرت علي هذا الطفل ليحفظ قصيدة وقرأتها معه عشرات المرات‏..‏ وهناك أب ادخر من قوته ليشتري له حذاء جديدا وبدله يتسلم بها جائزته‏..‏ كانت ليلة جميلة أعادتني إلي المدرسة المصرية القديمة بجلالها وعلمها وثقافتها ومعلمها وطلابها‏..‏ رأيت الأطفال الصغار يقرأون القصائد الجميلة بإحساس عميق رغم أنهم محاصرون كل يوم بكلمات مريضة ولكن وسط الظلام الدامس ينبت نجم مضيء كيف تركنا أطفالنا تطاردهم أشباح الإسفاف والتردي والكلام الهابط والفن الرخيص‏..‏

تذكرت المدرسة المصرية القديمة‏..‏ هنا كانت المكتبة وفيها مئات بل آلاف الكتب حيث يقرأ التلاميذ ويحملون الكتب إلي منازلهم‏..‏ هنا كانت قاعة الموسيقي ومدرس الموسيقي يعلم الأطفال الصغار‏..‏ هنا كانت قاعة الأشغال والتربية الزراعية والصناعات الحرفية‏..‏ هنا كانت قاعة التربية الرياضية وملاعب الكرة وطوابير القسم المخصوص وهنا كانت قاعة التمثيل والغناء حيث تجري بروفات التلاميذ علي مسرحية جديدة يقدمونها علي مسرح المدرسة‏..‏ هنا الإذاعة الصباحية ونشرة الأخبار وأهم الأحداث هنا طابور الصباح وتحية العلم ولحظة خشوع أمام علم مصر العظيم‏..‏

كانت هذه هي المدرسة التي تعلمنا فيها‏,‏ولم يكن ذلك في الإبراهيمية الثانوية في جاردن سيتي أو الخديوية العتيقة في شارع بورسعيد أو السعيدية بجوار جامعة القاهرة ولكن كان ذلك كله في مدرسة عمر مكرم الثانوية في دمنهور بمحافظة مصرية مثل كل المحافظات ومدرسة مثل مئات المدارس التي خرجت أجيالا‏..‏

كانت هذه صورة المدرسة المصرية التي تعلمنا فيها ووجدنا المدرس القدوة والمنهج الصحيح والتعليم الجاد‏..‏ لم نعرف دكاكين الدروس الخصوصية وأساليب الحفظ والتلقين‏..‏ وكان المدرس يلعب دور المعلم والأب والموجه وكانت له مهابة في صورته وعلمه وحضوره‏..‏ وكان قانعا بمرتب يكفيه ومدرسة تحترمه وتلاميذ يقدرون علمه ورعايته‏..‏

ماذا حدث للمدرسة المصرية العريقة اختفت كل هذه المنشآت وتحولت إلي قلاع خرسانية‏..‏ اختفت الحدائق والملاعب وقاعات الرسم والموسيقي والتمثيل واختفي القسم المخصوص وجماعة الكشافة وتواري طابور الصباح والإذاعة وتحية العلم‏..‏ وضاعت المسابقات الثقافية بين التلاميذ وتحولت المكتبة إلي سوبر ماركت صغير لتقديم السندوتشات والهامبورجر والبيتزا المجففة والشيبسي الملوث وفي بعض الأحيان كنتاكي وتوابعه‏..‏

كانت هناك مسابقات بين التلاميذ في إلقاء الشعر والرسم والموسيقي‏,‏ وكانت هناك برامج أوائل الطلبة حيث العلم والإبداع‏..‏ وكانت هناك رحلات للكشافة وخطب في الإذاعة الصباحية يتنافس عليها التلاميذ‏..‏

تذكرت مسابقات القسم المخصوص والنشاط الرياضي وتكريم الفرق الفائزة تذكرت عيد العلم والزعيم جمال عبد الناصر يوزع الأوسمة والنياشين علي الطلاب والعلماء والأدباء ورموز الثقافة لم تكن المكافآت بالملايين مثل نجوم الكرة الآن‏,‏ ولكن مشاعرالتقدير كانت أكبر من كنوز الأرض‏..‏

اختفي كل هذا المناخ ولم يعد التلميذ يسمع شيئـا عن الشعر‏..‏ والفنون‏..‏ ونسي لغته‏..‏ ووجد أمامه من يملؤن رأسه بالخزعبلات والعفاريت وعذاب القبر‏..‏ ومن يغرسون في وجدانه أعشاب الكراهية لا تتكلم مع زميلتك الطفلة لأن الكلام معها حرام‏..‏ ولا تصافح زميلك لأنه مسيحي‏..‏ ولا تكشفي يديك لأن يديك عورة‏..‏ كان من السهل جدا وسط هذا المناخ امتهان الطفولة وضياع الهوية وغياب الانتماء وبدلا من أن يغني أبناؤنا الأطلال حاصرتهم بوحشية‏'‏ بحبك يا حمار‏'‏ علي شاشات التليفزيون وكاستات الشوارع وصخب البيوت‏..‏

وسط هذا المناخ خرجت أجيال مشوهة في الفكر والإحساس والمشاعر وعندما ذهب هؤلاء إلي الجامعة استقبلتهم حشود الأمن المركزي علي الأبواب والحرس الجامعي في المدرجات وتسلط الإدارة وغياب الحوار والرقابة البوليسية علي الطلاب‏,‏ ماذا يقولون وماذا يأكلون وبأي شيء يحلمون ؟‏!..‏

اختفي الفكر وانتشر التعصب وغابت الرؤي وساد التخلف‏..‏ ووجدنا طوابير الجهل تندفع من بيوتنا إلي شوارعنا إلي سلوكياتنا إلي شاشات التليفزيون إلي معاقل ثقافتنا؟‏!‏وكان ما نراه الآن‏..‏ وغاب دور الأب والمدرس والأسرة وسط ضجيج الشاشات وصخب الشوارع‏..‏

في مسرح مدرسة شبرا الثانوية للبنات وخلال ساعتين من الزمن وبعد رحلة عناء طويلة وتساؤلات استنزفت سنوات عمري وجدت الحل‏..‏ أعيدوا للمدرسة قيمتها وأهميتها ودورها في خلق أجيال جديدة‏..‏

أعيدوا للمدرس مهابته‏..‏ وأعيدوا لمناهج التعليم قدسيتها بعيدا عن مواكب النفاق والتدليس والتزييف وتجارة التاريخ‏..‏

أعيدوا للجامعة دورها في تكوين شخصية سليمة وفكر رفيع وحوار خلاق‏..‏

لدينا أربعة وزراء ليتهم يجلسون مع بعضهم مرة واحدة‏..‏ فاروق حسني وأنس الفقي وهاني هلال وأحمد ذكي بدر‏..‏ الثقافة والإعلام والتعليم العالي والتربية والتعليم بين أيدي هؤلاء الأربعة كارثة مصر وأسوأ أزماتها‏..‏ إن منطق الجزر الذي يعمل به المسئولون عندنا لن يصل بنا إلي شيء‏..‏ لا يمكن أبدا أن يتم الإصلاح في ظل هذا التناقض‏..‏ تبدأ رحلة البناء بالمدرسة‏..‏ يواكبها ثقافة جادة تقوم علي منهج سليم وأهداف واضحة‏..‏ يكمل المسيرة إعلام واع يبني العقول‏..‏ والمشاعر ومع هذا الحشد تكمل الجامعة الرسالة بالحوار والفهم والثقافة‏..‏ وقبل هذا كله أن نمحو ذلك العار الذي يطاردنا‏,‏ فمازال بيننا‏17‏ مليون مواطن وربما أكثر يعانون من الأمية‏..‏ لا يقرأون ولا يكتبون مادام كل مسئول لا يري إلا تحت أقدامه ومادام القرار تحكمه البيروقراطية وروح التسلط يصبح الحل صعبا ومستحيلا‏..‏

لن تخرج مصر من أزماتها إلا إذا أصلحت هذه المنظومة الثلاثية الفاسدة الإعلام والتعليم والثقافة‏..‏ مدرسة بلا ثقافة جهد ضائع‏..‏ وثقافة بلا برامج وقت ضائع وإعلام عشوائي جريمة كبري حين تبدأ مسيرة الإصلاح في المدرسة وتنتقل إلي الجامعة وتتلقاها ثقافة واعية وإعلام راقي يومها سنقول إننا وضعنا أقدامنا علي أول الطريق السليم‏..‏ هذه هي ثلاثية الإصلاح في هذا البلد تأتي بعدها أشياء أخري‏..‏ ولكن المهم أن نبدأ‏..‏

تحية تقدير لمحافظ القاهرة د‏.‏عبد العظيم وزير الذي رعي هذا المهرجان وهاني كمال الموجه العام للتربية المسرحية في الإدارة التعليمية بمحافظة القاهرة والفنان أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية‏,‏ والمهندس محمود إبراهيم سليم المدير العام بأخبار اليوم ود‏.‏عبد الناصر حسن رئيس الإدارة المركزية لدار الكتب‏..‏ وقيادات التربية والتعليم بمحافظة القاهرة وحلوان‏..‏

مناسبة صغيرة‏..‏ وأطفال صغار علي مسرح عتيق عمره يزيد علي‏60‏ عاما وحكاية عن دور المدرسة في انتشال وطن من ركام التخلف والتعصب والبلاهة‏..‏ أعيدوا للمدرسة دورها فهي أول خطوات الإصلاح‏..‏

في تقديري أن الحساب شيء مطلوب وعلينا أن نحاسب كل مسئول عن حصاد ما زرع‏..‏ كيف تسلم الأرض ومتي تسلمها وهل زرع الأشجار أم ترك الحشائش‏..‏ والزرع هو عقول أبنائنا والحشائش هي الحصاد المر الذي يجنيه المصريون الآن من سياسات ثقافية وإعلامية وتعليمية كانت صورة من صور الفشل والتراجع‏..‏





‏..‏ ويبقي الشعر

لم لا أسافر ؟

ألف أرض تحتـويني‏..‏ ألـف متـكإ‏..‏ ودار

أنا لا أري شيئـأ أمامي

غير أشلاء تـطاردها العواصف‏..‏ والغـبار

كم ظل يخدعني بريق الصبح في عينـيك‏..‏

كـنـت أبيع أيامي ويحملـني الدمار‏..‏ إلي الدمار

قـلبي الذي عـلـمتـه يوما جنون العشق‏..‏

علــمني هموم الانـكسار

كانت هزائمه علي الأطـلال‏..‏

تـحكي قصة القـلـب الـذي

عشق الرحيل مع النـهار

ورأيتـه نـجما طريدا

في سماء الكـون يبحث عن مدار

يا سنـدباد العصر

عهد الحب ولــي‏..‏

لن تـري في القـفـر لؤلـؤة‏..‏

ولن تـجـد المحار

وجه جميل‏..‏

طاف في عيني قليلا‏..‏ واستـدار

ومضيت أجري خـلـفـه‏..‏

فوجدت وجهـي‏..‏ في الجـدار





‏fgoweda@ahram.org.eg‏