Loading

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

الصحافة ولغة الحوار

هوامش حرة

الصحافة ولغة الحوار

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



أخيرا لحق الصحفيون بالقضاة في موكب الصراعات والخلافات والمعارك وبدأنا رحلة انقسام جديدة بين أبناء المهنة الواحدة التي تمثل في ضمير الناس القدوة والحماية والملاذ‏..‏ وكما شهدنا بالأمس القريب ما حدث بين القضاة حماة العدالة فإن المشهد الصحفي يحمل الآن نفس الملامح الغريبة التي تعكس حالة من حالات الانفلات والارتباك التي يعيشها المجتمع المصري‏..‏



إن تفتيت الصفوة وتشويه صورة النخبة المصرية قضية تحتاج إلي حسم ومراجعة ولا يعقل أن نجد كل يوم فريقـا من هذه النخبة وهو يتساقط أمامنا ويلحق بمصير من سبقوه‏,‏ والغريب أن يبدو الأمر شيئـا عاديا رغم أنه يحمل في جوهره مؤشرات غاية في الخطورة‏..‏



لقد سكتنا جميعا ونحن نشاهد الطبقة المتوسطة وهي تتهاوي أمامنا وتفقد كل مقوماتها علي المستوي الاجتماعي والاقتصادي رغم أنها كانت تمثل العمود الفقري الذي قام عليه هذا المجتمع في فترات عنفوانه وشموخه‏..‏ تكسرت أمامنا هذه الطبقة أمام واقع اجتماعي واقتصادي بغيض شوه دورها وسلب منها المقدرة واستباحها في كل شيء كانت هذه الطبقة هي الحارس الامين لمجموعة القيم الذي قام عليها بناء مصر الحديثة في الفكر والثقافة والسياسة‏..‏ هي الطبقة التي رعت التجربة الحزبية الوليدة في مصر قبل الثورة‏..‏ وهي التي قدمت لمصر انبغ مواهبها وأرقي أشكال عطائها الفكري‏..‏ ولم يبق من هذه الطبقة إلا مجموعات متناثرة من التجمعات المهنية والنقابية وبعض رموز المجتمع المدني‏,‏وحتي هذه المعاقل الصغيرة بدأت تتآكل ويتراجع دورها وكان أخطر شواهد ذلك ما حدث للنقابات المهنية‏..‏



إن نقابة المهندسين مغلقة منذ سنوات بعد أن فرضت الدولة عليها الحراسة رغم أنها واحدة من أكبر نقابات مصر عددا‏..‏ ولا أحد يعرف لماذا انتهت النقابة العريقة هذه النهاية المؤسفة‏..‏



وواجهت نقابة الأطباء مشاكل وأزمات كثيرة ما بين السياسة والطب ثم لحقت بها نقابة المحامين وكان الصراع الأكبر والأعمق والأخطر هو ما حدث بين الحكومة ونادي القضاة‏..‏ وانقسم المجتمع المصري تجاه ذلك كله وإن كانت الحقيقة والدور والنموذج هم الضحايا في كل الأحوال‏..‏ وما بين المعارك التي دارت في نقابة المحامين والخلافات في نادي القضاة حيث بيت العدالة كان المجتمع المصري يخسر كل يوم ركنا من أهم أركانه‏..‏ وما حدث في هذه النقابات وجد صورة مشابهة في الأحزاب السياسية التي لم ينج حزب منها من هذا الداء الخطير الذي اجتاح حياتنا وهو محنة الصراعات‏..‏ حدث هذا في حزب الوفد حين احترق وحدث مع الناصريين‏,‏ وحدث في حزب الأحرار وحزب الغد وحزب العمل وكلنا نعرف ما آلت إليه الأحوال في هذه الأحزاب أمام الصراعات والمعارك‏..‏



ويبدو أن الدور قد جاء علي آخر المعاقل المتماسكة في الساحة النقابية وهي نقابة الصحفيين‏..‏ أن الذي يتابع ما يجري بين الصحفيين الآن من الاتهامات واللعنات والشتائم يحزن أن يكون هذا هو المصير الذي ينتظر حماة الكلمة وفرسانها‏..‏



لا يستطيع أحد أن ينكر تجاوزات الصحف المستقلة وغياب تأثير الصحف القومية وحالة التراجع التي تعيشها الصحافة المصرية‏,‏ولكن هذا كله لا يبرر أن يحمل الجميع الخناجر ويتسابقون في تصفية بعضهم بعضا‏..‏ إن صحافة مصر بكل سلبياتها مازالت تمثل ركنـا حصينـا من أركان الدور الثقافي والسياسي والفكري لمصر‏,‏ ومن الخطأ أن تستخدم قوتها في تدمير نفسها‏..‏ والخطأ الأكبر أن تتصور الدولة أن هذا التدمير في صالحها‏,‏لقد شاركت الدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تشوية صورة النخبة وتهميش دورها‏,‏ حدث هذا في قرارات متسرعة أمام مواقف طارئة أو أزمات مفاجئة‏..‏ إن الدولة هي التي أغلقت نقابة المهندسين وهي التي اغلقت حزب العمل وصادرت صحيفته الشعب‏..‏ والدولة هي التي زرعت أسباب الفتنة في النقابات المهنية وكانت سببا في سقوطها في دوامات السياسة بعيدا عن دورها المهني والإنساني‏..‏ والدولة هي التي تجاهلت ما حدث في نادي القضاة رغم أنه كان من السهل جدا معالجة الأزمة في مهدها‏..‏ والدولة أيضا تتحمل مسئولية ما يحدث الآن في نقابة الصحفيين لأنها تشعل نار الفتنة والصراعات بين أبناء المهنة الواحدة‏..‏ إن الذين يحملون الخناجر لتصفية بعضهم بعضا في بلاط صاحبة الجلالة أبناء جيل واحد وجمعتهم قاعات العلم والدراسة وأحلام في بناء عقول أفضل وليس من الحكمة أن ينتهي بهم المطاف إلي ما نراه الآن‏..‏



أن الخطأ الأكبر أن تتصور الدولة أنها ستحقق مكاسب ما من تصفية الصحفيين لبعضهم لأن الدولة هي أول الخاسرين‏..‏



إن هذا الجهد الضائع في الصراعات والمعارك أولي به أن يوجه لبناء قاعدة من الحوار الخلاق والرأي الآخر‏..‏ أننا جميعا لا نقبل ونرفض تجاوزات الصحافة المستقلة ولكن ينبغي ألا يتحول هذا الرفض إلي أحكام بالسجن أو شكل من أشكال الوصاية أو قضاء علي مستقبل صحافة مستقلة ناشئه تحتاج إلي دعمنا جميعا‏..‏



لقد شاركت الدولة في يوم من الأيام في تصفية الطبقة المتوسطة ودفعت مصر ثمن ذلك‏..‏ والآن تحاول أطراف كثيرة تصفية ما بقي من هذه الطبقة متجسدا في نقابات مهنية أو تجمعات حزبية واعدة أو كوكبة من بقايا النخبة التي تهمشت ويبدو أن الدور قد جاء علي الصحافة رغم أننا جميعا نعرف مخاطر ذلك كله‏..‏ هناك تيارات في مصر تحاول القضاء علي كل مستقبل للحوار والحرية واستعادة دور النخبة‏,‏رغم أن هذه النخبة هي الوحيدة القادرة علي الخروج بمصر من أزماتها‏..‏







ويبقي الشعر

سافرت في كل البـــــــلاد ولـم أجــد

قلبـا يلملم حيرتـــــي وشتــاتـــي

كم لاح وجهـــــك في المنام وزارني



وأضاء كالقنديل فـــي شرفاتـــي

وأمامــــي الذكري وعطرك والمـني

وجوانح صارت بــــلا نبضــات



ما أقصــــر الزمن الجميل سحابــــة

عبرت خريف العمر كالنـسمـات

وتناثرت عطـــرا علـي أيــــامنـــــا



وتكسرت كالضوء فـي لحظــات

ما أصعب الدنيـــا رحيـــلا دائمــــا

سئمت خطاه عقارب الساعـــات



آمنت في عينيـــك أنــك موطنــــــي

وقرأت اسمك عنــد كل صــــلاة

كانت مرايا العمر تجـــري خلفنــــا



وتدور ترسم في المدي خطواتي

شاهدت في دنــــس البلاط معابـــدا

تتلي بها الآيات فـــــي الحانـــات



ورأيت نفســي في الهواء معلقــــــا

الأرض تلقينــي إلــي السمــوات

ورأيـــت أقدار الشعـــــوب كلعبـــة



يلهو بهـــا الكهــان في الـبـارات

ورأيـت أصنــــاما تغيـر جلـــدهــــا

في اليـوم آلافــــا مـــن المـــرات



ورأيـت مـن يمشــي علـــي أحلامـه

وكأنـهـــا جــثث مـــن الأمـــوات

ورأيت من باعوا ومن هجروا ومن



صلبـوا جنين الحب في الطـرقات

آمـــنت بالإنـســــان عمــــري كلـــه

ورسمتـــه تاجـــا علــي أبيـاتــــي



هو سيد الدنـيـــا وفجــــر زمانهــــــا

سر الإلـــه وأقــدس الغــــايــــات

من قصيدة لكل عمر مرايا سنة‏2002‏