Loading

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

كيف نحمي مؤسسات الدولة ؟

هوامش حرة

كيف نحمي مؤسسات الدولة ؟

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


ما بين استفزاز الطبقة الجديدة‏..‏ وتجاوزات برنامج الخصخصة والاعتماد الكلي في حل المشاكل والأزمات علي أجهزة الأمن تراجعت هيبة الدولة وكانت هناك شواهد كثيرة علي ذلك تبدأ بما حدث في الصحافة وتنتهي بما يحدث في الشارع‏,‏ خاصة مع غياب الأحزاب السياسية الحقيقية التي يمكن أن تكون صاحبة دور ورسالة في التفاعل مع هموم الناس وهنا تراجع بالضرورة دور مؤسسات عريقة قام عليها المجتمع المصري وكانت من أهم ركائزه الاقتصادية والأمنية والاجتماعية وأيضا السياسية‏..‏



نحن في مصر أمام دولة قديمة راسخة لها مقومات ثابتة قامت عليها عبر أجيال كثيرة‏..‏ أن أهم وأخطر ما في مصر الدولة تلك المؤسسات التي تحملت عبر التاريخ مسئوليات بناء هذا الوطن وحمايته‏..‏ وقد سبقت مصر في ذلك دولا كثيرة حديثة وقديمة خاصة أننا أمام دولة نهرية عرفت الاستقرار والقوانين والسلطة ونظم الحكم حتي وأن كانت استبدادية‏..‏



كانت في مصر مؤسسات هي في تقديري صمام أمان ومصدر حماية حقيقية يأتي في مقدمتها جيش مصر‏,‏ وهو والحمد لله مازال حتي الآن من أكثر عناصر هذا الوطن قوة وانتماء وانضباطـا‏..‏ يأتي أيضا دور جهاز الأمن رغم كل الأعباء التي يتحملها عن رضا أو كراهية خاصة أنه يتحمل مسئولية أخطاء أجهزة ومؤسسات أخري لا تؤدي دورها كما ينبغي‏..‏ يأتي أيضا دور مؤسسات اقتصادية عريقة تأسست في مصر عبر سنوات طويلة وتجارب وإنجازات كان في مقدمتها البنوك المصرية وشركات المقاولات والإنشاءات وشركات الإنتاج الكبري‏..‏ ومؤسسات الخدمات العريقة وللأسف الشديد أن هذه المؤسسات هي التي تتعرض الآن لعمليات تفكيك غريبة ومريبة ما بين البيع والخصخصة والتصفية‏..‏ إن هذه المؤسسات هي التي تحملت بناء هذا الوطن في كل العصور الملكية والرئاسية والكثير منها حظي بتقدير علي المستوي المحلي والاقليمي والدولي‏..‏ من بين مؤسسات مصر أيضا تلك المؤسسات التي تراجع دورها من خلال أحداث كثيرة أمام ضغوط أو تغييرات أو تدخلات من السلطة الحاكمة‏..‏ من هذه المؤسسات البرلمان المصري أعرق مؤسسات مصر السياسية وصاحب الدور الأكبر في كثير من قضايا الوطن والأمة‏..‏ والأزهر الشريف صاحب التاريخ العريق في حماية الإسلام الدين والعقيدة‏..‏ وجامعة القاهرة بكل رصيدها الفكري‏..‏ والحضاري‏..‏ يأتي في هذا السياق أيضا دور مؤسسات صاحبة رسالة في مقدمتها المؤسسة الثقافية صاحبة الدور في تنوير العقل العربي وتحقيق الريادة المصرية الثقافية سنوات طويلة‏..‏ تجسدت هذه الريادة في كلمة جادة ومسرح هادف وغناء جميل وسينما راقية وفنون مبدعه وعقل مستنير‏..‏



وقبل هذا كله تأتي الصحافة المصرية صاحبة الدور العريق في الفكر والسياسة والثقافة‏,‏ ومن بين مؤسسات مصر أيضا نقابات مهنية كانت تمثل مصدرا للقدرات الحقيقية والتقاليد المهنية الراسخة جمعت أطباء مصر وقضاتها وكتابها ومحاميها ومهندسيها ومعلميها وكل المهن العريقة التي زينت وجه مصر سنوات طويلة‏..‏



إن أخطر ما أصابنا الآن هو تفكك وتراجع دور هذه المؤسسات بحيث فقدت دورها وتأثيرها وسمعتها‏,‏ولعل هذا هو الجانب الذي يستحق أن نعيد النظر فيه أن قيام الدولة بإنشاء طبقة جديدة رغم أنه يأتي خارج السياق الإنساني والاجتماعي إلا أنه لا يبرر تهميش كل هذه المؤسسات وتراجع دورها‏..‏ إن مجلس الشعب قبل أن يكون منبرا لحرية الرأي فهو مدرسة من مدارس الوطنية والأزهر الشريف قبل أن يكون مؤسسة دينية فهو راعي الوسطية في الإسلام‏..‏ وجامعة القاهرة لم تكن فقط قلعة تنوير ولكنها كانت أكبر دور العلم في العالم العربي وليس في مصر وحدها والبنوك وشركات المقاولات والخدمات كانت من أهم مقومات بناء هذا المجتمع‏..‏ والمؤسسة الثقافية والنقابات المهنية كانت مصادر حية من مصادر القدوة والنموذج والسلوكيات الرفيعة‏..‏



لقد تراجع دور البرلمان‏..‏ وتغيرت صورة الأزهر‏..‏ وتهمشت جامعة القاهرة واخترقت تيارات سياسية كثيرة النقابات المهنية‏..‏ وساءت أحوال الصحافة المصرية وفقدت الكثير من مقوماتها‏..‏ كما أن المؤسسات الثقافية سواء الرسمية أو الشعبية فقدت تواصلها مع الناس ودورها في تنوير العقول‏..‏ ودخلت مصر في سرداب طويل من المشاكل والأزمات أمام ضعف القدرات البشرية وغياب الفرص وإهدار قيمة التميز‏..‏ وقبل ذلك كله كان غياب الطبقة المتوسطة التي سقطت ضحية طبقة جديدة فرضت نفسها رغم أنها تفتقد المقومات الحقيقية للدور الاجتماعي‏..‏



وهنا يجب أن تكون لنا وقفة مع هذا كله لأن تراجع هذه المؤسسات يسحب من رصيد هيبة الدولة علي كل المستويات‏..‏ إن الدولة المصرية تقوم علي هذه المؤسسات جميعها وإذا تهاوت أو تراجع دورها فإن ذلك ينعكس بالضرورة علي كل شيء‏..‏ أن تراجع دور مجلس الشعب إفساد سياسي‏..‏ وتراجع دور الأزهر فوضي دينية‏..‏ وفساد التعليم في الجامعات إهدار لطاقات المستقبل واختلال موازين الصحافة وإفلاس مؤسساتها إهدار لقيمة الكلمة والفكر وتراجع دور الدولة في مجالات الثقافة تفريط في مسئوليتها‏,‏ وهنا أيضا تحدث كل الظواهر الاجتماعية الغريبة التي نراها الآن وأقلها خطرا حالة الرفض والتوتر التي تسود طبقات المجتمع وأخطرها أثرا أن يفقد المجتمع مقومات وجوده التي تتجسد في مؤسسات قوية قادرة علي البناء والحماية وفرض ما نسميه هيبة الدولة ونحن جميعا حريصون عليها حتي وأن اختلفنا حول صورتها وحدودها إلا أننا عادة ما نتفق حول أهميتها في استقرار الأوطان وأمن الشعوب‏..‏



ويبقي الشعر



هل يستـــوي يـــوم بكيــت لفـقــــده

وعذاب يـــوم جــــاء بالحســـرات

هل يستـــوي صبح أضاء طريقنــا



وظـــلام ليــــل مـــر باللـــعنــــات

هل يستــوي نهــــر بخيــل جاحـــد

وعطاء نهـر فاض بالخيــــــرات



أيقنت أن الشعـر شاطــيء رحلتــي

وبأنـــــه عنــــد الهـــلاك نجــــاتي

فزهدت في ذهب المعـــز وسيــفــه



وكــرهت بطــــش المستبــد العاتي

وكرهت في ذهب المعـز ضـلالــه

وخشيت في سيــف المعـــز مماتي



ورفضت أن أحيـا خيــالا صـامتــــا

أو صفـحة تـطـوي مــع الصفحات

واخترت في صخب المزاد قصائدي



ورفضت ســوق البيــع والصفقات

قد لا يكـون الشعــــر حصنـــا آمنــــا

لكنــــــه مــجـــــد بــــلا شبهـــــات



والآن أشعــــر أن آخـــر رحـلتـــــــي

ستكون في شعري وفي صرخـاتي

من قصيدة لكل عمر مرايا سنة‏2002‏