Loading

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

أزمة الصحافة‏..‏ مسئولية من ؟

هوامش حرة

أزمة الصحافة‏..‏ مسئولية من ؟

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


اعتدنا في مصر أن نترك الأزمات الصغيرة تكبر حتي تتجاوز قدرتنا علي مواجهتها‏..‏ اعتدنا أن نتجاهل الحرائق الصغيرة حولنا حتي نفيق علي كوارث أكبر‏..‏ وفي تقديري أن هذه الظواهر تمثل خللا في أسلوب العمل والتعامل مع الأشياء‏..‏ هناك قضايا تضخمت وكبرت وتجاوزت كل الحدود رغم أنها في بدايتها كانت محدودة الأثر والتأثير‏..‏



ومن بين القضايا التي بدأت صغيرة ثم طفحت في وجوهنا جميعا قضية الصحافة وعلاقتها بالمجتمع والدولة‏..‏ وهنا لابد أن نعترف أن الدولة استهانت بقضايا الصحافة علي أساس أن لديها قوة ضاربة هي الصحافة القومية ولديها بعض الرموز الذين يمسكون بخيوط كثيرة في الوسط الصحفي ولديها أيضـا أحساس بأنها قادرة علي ضبط إيقاع العمل الصحفي في الوقت الذي تريد وبالأسلوب الذي يروق لها لقد ساد هذا الاحساس زمنـا طويلا وكان من الصعب تغييره أو التفكير في البحث عن بدائل أخري‏..‏



وأمام هذه الثقة التي تجاوزت ظلت الدولة تتعامل مع الصحافة علي أساس أنها الابن الذي يمكن تقويمه أو تهذيبه أو تدليله في الوقت الذي تشاء‏..‏ ولكن السنوات الأخيرة ظهرت فيها متغيرات كثيرة غيرت طبيعة هذه العلاقة خاصة مع حالة من الفراغ المهني سادت الساحة الصحفية حتي أفقنا جميعـا علي واقع جديد يحمل أكثر من ظاهرة‏..‏



كان من أبرز هذه الظواهر سوء العلاقة بين الدولة والمثقفين وحالة الجفاء الشديد التي سادت هذه العلاقة ولا أحد يعرف لماذا انفصلت مؤسسات الدولة عن مثقفي الأمة بهذه الصورة الغريبة‏..‏ لم يعد هناك اهتمام بأحوال وظروف هذه الفئة من الناس وتم إقصاؤها عن الساحة تماما واكتفت الدولة بالوجه الرسمي للثقافة وهو لا يتجاوز حدود المهرجانات أو الحفلات أو المناسبات السعيدة‏..‏ وفي تقديري أن هذه الجفوة بين الدولة ومثقفيها انعكست علي علاقتها بالصحافة والصحفيين علي أساس أنهم يمثلون جانبا من هذه الفئة التي ابعدتها الدولة من ساحة اهتماماتها‏..‏ والغريب أن الدولة ظلت سنوات طويلة تعتمد في علاقتها بالصحافة علي بعض أسماء المسئولين فيها علي أساس أنهم المتحدثون باسمها والذين يملكون مفاتيح أسرارها رغم أنهم كثيرا ما أساءوا لهذه العلاقة‏..‏



في هذا الوقت تسللت للساحة علي استحياء مجموعة الصحف المستقلة التي سلكت طريقـا آخر غير الصحف القومية‏..‏ كانت الصحف القومية قد اصيبت بحالة من الترهل الذهني والمهني أمام الثبات وعدم التغيير وعجزت عن تقديم مواكب جديدة من الصحفيين وأصحاب الأقلام أمام لعنة الإعلانات التي التهمت قدرات ومواهب الكثير من الشباب في طاحونة مادية مروعة اختفت معها كل المقاييس الأخلاقية والمهنية‏..‏ وهنا وجدت الصحافة المستقلة فرصتها في استقطاب مجموعات من الشباب الواعد لم يجدوا فرصا للعمل والإبداع والتميز في الصحافة القومية‏..‏ وبدأت الصحافة المستقلة مسيرتها دون أن تبحث الدولة عن مصادر تمويلها ومن أين تجيء والغريب أن الدولة لم تحاول إيجاد صيغة مناسبة للتعامل مع هذه الصحافة الوليدة‏..‏ كان المسئولون يتعاملون بوجهين وجه للصحافة القومية فيه كل البشاشة والترحيب ووجه آخر مع الصحف المستقلة فيه الكثير من الرفض والكراهية‏..‏ وكان ينبغي أن تكون نقطة البداية في هذه العلاقة قدرا من الاحترام والاحتواء والمكاشفة‏..‏ وبجانب هذا كان ينبغي أن تفتح الدولة قنوات أتصال مع المسئولين عن تمويل هذه الصحف من رجال الأعمال المصريين للوصول إلي صيغة تخدم قضايا المجتمع والدولة والناس‏..‏



إن رجال الأعمال في كل الأحوال محسوبون علي الدولة فهي التي قدمت لهم القروض وهي التي فتحت لهم الأبواب ومن حقها أن تعرف توجهات هؤلاء وماذا يريدون من إنشاء هذه المنابر الصحفية‏..‏



ومنذ أسابيع قليلة عتبت علي د‏.‏ أحمد نظيف رئيس الوزراء لأنه جمع رؤساء تحرير الصحف القومية ليناقش معهم سياسة الحكومة وقلت يومها أن من حق رؤساء تحرير الصحف المستقلة حضور مثل هذه الاجتماعات وفي تقديري أن الحكومة تركت الصحف المستقلة تصرخ في الشارع أمام القراء دون أن يسمعها أحد وارتفعت لغة الصراخ أمام الصمت الحكومي الرهيب حتي وصلت إلي إلقاء الطوب وتكسير الأبواب والنوافذ‏..‏ كان من الممكن أحتواء ذلك كله بقدر من الحكمة وسماع الرأي الآخر ولكن التجاهل والرفض بل والعداء احيانا ترك شكلا من أشكال القطيعة وغياب الحوار‏..‏



وعلي الجانب الآخر كانت بعض الصحف القومية وهي الأولي والأحق بتقديم نموذج راق في الحوار تشارك في هذه المهزلة فوجدنا من كتاب هذه الصحف من يلقي الحجارة بضراوة بل إن قاموس الشتائم والتجاوزات في لغة بعض الصحف القومية تجاوز في أحيان كثيرة ما حدث في الصحف المستقلة‏..‏ وغاب صوت العقل والحكمة والترفع أمام عمليات التراشق والاتهامات بين فرسان الصحف القومية والصحف المستقلة وفقدت صحافة مصر الكثير من احترامها في هذه المعارك‏..‏



وأمام التجاوزات في الأسلوب واللغة ظهرت تجاوزات أخري في غياب الحقيقة أمام حكومة لا تعترف بوجود هذه الصحافة الجديدة ولغة حوار هبطت إلي مستويات لا تليق‏..‏ وحالة انفلات غريبة سادت الوسط الصحفي كله‏..‏ وهنا كانت الطامة الكبري في هذه الأحكام المتلاحقة ضد الصحفيين بالحبس والغرامة‏..‏ وخرجت جموع الصحفيين تدافع عن مهنتها وحرياتها وتاريخها وكما هي العادة انقسم الصحفيون علي أنفسهم إرضاء للدولة أو رفضا لها وانقسمت فئات المجتمع تجاه الصحافة بين مؤيد ومعارض ووقف طابور يحمل السكاكين في لحظة تاريخية نادرة‏..‏ وهنا غاب صوت الحكمة والعقل والضمير‏..‏



وفي تقديري أن هذه الأزمة تعكس مظاهر خلل كثيرة وأمراضـا أصابت صاحبة الجلالة منذ سنوات وتحتاج إلي وقفة عاقلة بين الدولة وصحافتها‏..‏



يجب أن يهبط السادة المسئولون من عليائهم في حوار جاد من أجل الوصول إلي صيغة لعلاقة متكافئة مع الصحافة المستقلة منها والقومية دون تمييز وأن يدرك كل مسئول أن ذلك يدخل في صميم عمله ومسئولياته‏..‏



يجب أن يتوقف الصحفيون أنفسهم عن هذه اللغة التي وصل إليها الحوار بينهم لأن لغة الاتهامات والتجريح والإساءة ينبغي ألا تكون وسيلة للحوار بين حملة الأقلام ويجب أن نفرق بين حملة الأقلام وحملة المباخر‏..‏



مازلت أعتقد أن الجفوة التي حدثت بين الدولة ومثقفيها كانت وراء كل الظواهر السلبية والأزمات التي تعيشها مصر الآن‏..‏ ابتداء بأزمة القضاة وانتهاء بمحنة الصحافة مرورا علي باقي التجمعات المهنية والحزبية التي حاولت الاقتراب من هموم هذا الوطن‏..‏ ولم تجد من الدولة غير الرفض والاستخفاف‏..‏







ويبقي الشعر


تحت التـــراب ستختـــفـــــي ألقابنــــا

لا شيء يبقـي غير طيـف رفـــات



تتشابــــك الأيــــدي وتنسحـــب الرؤي

ويتـوه ضوء الفجر في الظــلمــات



وتري الوجـــوه علــي التـــراب كأنــها

وشم يصــــافـح كـــــل وشـــم آت



ماذا سيبقــي من بريـــــــــق عيــوننــــا

لا شيء غير الصمــت والعبــرات



ماذا سـيبقـــي مــن جــــواد جــــامــــح

غير البكــاء المــر‏..‏ والضحكــات



أنا زاهــــد فـــــــي كـــل شـيء بعدمــا

اخترت شعـــري واحتميـت بذاتــي



زيـــنـت أيـــامـــــي بغـنـــوة عـــاشـــق

وأضعت في عشق الـجمـال حياتـي



وحـــــلمت يـــــومـــا أن أراك مدينتـــي

فوق السحــــاب عزيـــزة الرايـــات



ورسمـــت أســـراب الجمـــــال كأنـهـــا

بين القلــــوب مواكـــب الصـلــوات



قد قــلــــت مـــا عنـدي ويكـفـــي أنـنــي

واجهـــت عصــر الزيف بالكلمــات


'‏من قصيدة لكل عمر مرايا سنة‏2002'‏