Loading

الثلاثاء، 2 فبراير، 2010

المصريون وموائد الرحمن

هوامش حرة

المصريون وموائد الرحمن

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



حين يغيب العدل لا مجال للحديث عن الحرية وحقوق الإنسان والمساواة بين البشر‏,‏ فإذا كانت الحرية حقـا من حقوق الإنسان فإن العدل ميزان الحياة كلها وحين تغيب العدالة يصبح من السهل جدا أن تضيع كل الحقوق‏..‏ ولهذا كنت أشاهد موائد الرحمن التي تنتشر علي الطرقات في شهر رمضان المبارك والافا من المصريين يجلسون حولها أو يقفون في طابور طويل ينتظرون دورهم وأتساءل هل افطار الصائم في الشهر المبارك هو أقصي ما وصل إليه حق المواطن المصري أمام طبقة اجتماعية لا تدرك مسئولياتها وإذا كانت الرحمة قد عرفت طريقها للقلوب طوال شهر رمضان فلماذا لا تمتد هذه الرحمة لبقية شهور العام‏,‏ ولماذا كل هذا السخاء في رمضان وكل هذا البخل في بقية الأيام ؟‏!..‏



هناك قضية مهمة وخطيرة تشغل فكري هذه الأيام وهي الانقسام الطبقي الحاد والصارخ الذي أصاب حياة المصريين في السنوات الأخيرة وأصبح يمثل تهديدا صارخا لأمن وسلامة هذا المجتمع‏..‏



إن العدالة الاجتماعية تعني أن يوفر المجتمع لكل أبنائه الحد الادني من الحياة الكريمة طعاما ومسكنـا وعلاجا وتعليما وأمنـا وأن من حق كل إنسان أن يجني ثمار عمله وتميزه وقدراته وأن الله فضل بعضنا علي بعض بالكفاءة والمقدرة والمال الحلال‏..‏



وهنا أجد من الضروري أن ننظر بأمانة وصدق لعدد من المتغيرات الاجتماعية شديدة الضراوة التي حدثت في السنوات الأخيرة وقلبت الهرم الاجتماعي في مصر‏..‏ إن هذه المتغيرات أطاحت بالطبقة المتوسطة‏..‏ وشيعت النخب إلي مثواها الأخير ابتداء بأهل الثقافة وانتهاء بأصحاب المهن مرورا علي قدرات كثيرة فقدت بريقها‏..‏



وأمام طبقة جديدة شديدة القسوة اختلت المنظومة الاجتماعية في مصر‏,‏ وإن كان من الضروري أن نلقي الضوء علي أساليب تشكيل هذه الطبقة وكيف نشأت وكبرت وتضخمت‏..‏ لقد واكب عملية السلام مع إسرائيل ظهور هذه الطبقة في ظل ما يسمي بالانفتاح وكان الغريب في الأمر أنها طبقة مالية أي أنها لا تهتم بمجالات الحياة الأخري‏,‏ أنها تركز نشاطها ودورها وأهميتها في أعمال التجارة والسمسرة والعمولات ومضاربات الأراضي ثم مضاربات البورصة‏..‏ وهذا يعني أنها طبقة لا تؤمن كثيرا بقضايا الإنتاج والعمل والفكر والثقافة والسلوك والقيم ولهذا كانت كل أهدافها هي تحقيق المزيد من الأرباح وما أجمل أن يجيء المال بلا جهد أو معاناة‏..‏



لقد قام نشاط هذه الطبقة علي مجموعة عناصر من بينها التوكيلات التجارية أو الحصول علي أراضي الدولة أو الاتجار في ديون مصر للجهات الخارجية وفي سنوات قليلة تشكلت هذه الطبقة من عدد قليل جدا من الأشخاص وبدأت تشارك بحكم مواقعها في رسم سياسات الدولة بما يحقق لها المزيد من المكاسب‏..‏ وشملت الطبقة الجديدة فئات اجتماعية كثيرة كان منها المسئولون السابقون والهاربون بأموال القطاع العام وشملت أيضا خليطـا من أصحاب المهن والحرف فلم تخل من الأطباء والصحفيين والسياسيين والحرفيين أحيانـا‏..‏ ولم يكن غريبا أن تجد كهربائيا يملك عشرات الملايين أو أن يشتري حرفي صغير قصر رب السيف والقلم محمود سامي البارودي بمبلغ‏20‏ مليون جنيه ويهدمه ليقيم مكانه ناطحة سحاب‏..‏



هذه الطبقة الجديدة تتحكم الآن في مواقع كثيرة في مصر إنها تملك المال صاحب الكلمة الأولي‏..‏ وتملك السلطة من خلال مواقعها الحزبية أو البرلمانية أو الوزارية أوالصحفية والإعلامية‏.‏ إنها موجودة في كل هذه المواقع‏..‏ والسؤال الآن ماذا قدمت هذه الطبقة للمجتمع المصري وما هو المطلوب منها ؟‏!..‏



لا أحد ينكر أن من بين رموز هذه الطبقة من أقام المشروعات الانتاجية ومن ساهم في تنمية المجتمع وإيجاد فرص للعمل‏,‏ ومنهم أيضا من دفع حق المجتمع في صورة ضرائب وجمارك أو رسوم‏..‏ ولكن هل يتناسب عدد هؤلاء مع الإمكانيات التي حصلت عليها هذه الطبقة أن آخر أرقام أعلنتها مصلحة الضرائب بعد القانون الجديد تقول أنها بلغت‏7‏ مليارات جنيه‏..‏ وهذا الرقم ضئيل جدا أمام صفقات الأراضي التي حصل عليها عدد من الأشخاص لا يزيدون علي عشرة من رجال الأعمال‏..‏ ماذا يعني تخصيص مساحة من أراضي البناء تبلغ‏2000‏ فدان أي ما يزيد علي‏8‏ ملايين متر‏..‏ قيمتها تتجاوز ضعف ما حصلت عليه مصلحة الضرائب في عام كامل‏..‏ مثل هذه الحالة تكررت عشرات المرات وأمام أسماء معروفة‏..‏ علي جانب آخر هناك مشروعات ضخمة بيعت لبعض الأشخاص بأسعار أقل كثيرا من قيمتها الحقيقية وبقي الفارق بين سعر البيع والسعر الحقيقي من حقوق هذا الشعب‏..‏ وهذا يعني أننا أمام نماذج صارخة في التعامل مع المال العام الذي هو ملك لكل المصريين‏,‏والمطلوب الآن أن يقوم هؤلاء الأشخاص بدورهم في مواجهة الأزمات والمشاكل الصعبة التي يعيشها المواطن المصري‏..‏ إن ذلك الدور يمكن أن يتم أختيارا ويمكن أن

يتم جبرا‏..‏ ونحن هنا لا نتحدث عن صدقات أو زكاة أو موائد رحمن سنوية ولكننا نتحدث عن حق مجتمع تجاه أبنائه‏..‏ إن الدولة كلها تتحدث عن محدودي الدخل وتتناول قضايا الدعم وكل مسئول يحمل في حقيبته مجموعة تقارير معادة ومكرره عن مشاكل العمالة وأزمة الأسعار والإسكان والتعليم والصحة وللأسف الشديد أن الحكومة تحاول توفير مواردها من مرتبات موظفيها المطحونين فهل يجيء الوقت لكي تتحمل الطبقة الجديدة مسئوليتها الاجتماعية إن من شاهد في شهر رمضان المبارك حجم الإعلانات في التليفزيون عن الصناعات المصرية يشعر بإننا أمام دولة كبري في الإنتاج‏..‏ فهل يقوم أصحاب هذه المشروعات بدورهم الاجتماعي‏..‏ لو أن كل واحد منهم خصص لأنشطته الاجتماعية مبلغـا يعادل قيمة إعلاناته في شهر رمضان فقط لاكتشفنا أننا أمام أرقام مذهلة‏..‏ لو أن موائد الرحمن لم تغلق أبوابها غدا أو بعد غد وظلت تفتح أبوابها لفقراء هذا الشعب‏..‏ لو أن الطبقة الجديدة أدركت دورها قبل فوات الأوان‏..‏ لو أن الدولة صاحبة قرار إنشاء هذه الطبقة كانت لديها الشجاعة لأن تصدر قرارات أخري تعيد العدل الغائب والحقوق الضائعة‏..‏ لو أن هذا كله حدث لوجدنا أنفسنا أمام مجتمع آخر أكثر عدلا وأكثر أمانـا‏..‏



من الخطأ الجسيم أن تتصور الطبقة الجديدة التي صنعتها الدولة أن أقصي ما تستطيع أن تقدمه لمصر والمصريين هو موائد الرحمن في شهر الصيام المبارك‏..‏ كل عام وأنتم بخير‏..‏




ويبقي الشعر



عيدك ميلاد للأشجار

لربيع جاء بلا وعد والعمر قفار

لزمان ما زال بريئـا لم يعرف زيف الأعمار



تنبت في العمر جزيرة ماء خضراء

تتغـني فيها الأطيار

تنطلق طيور بيضاء



تعبر آلاف الاسوار

يهتز الكون فيحملني

لخمائل عطـر في جسدي



وجداول نار

فيصير الحزن بلا معنـي

ويصير الحب طريق دمار



أرصد عينيـك وراء الأفق

يطل بريق كالإعصار

نتسلق أحزان الدنيا



ويصير الكون ربيع نهار

في ليلة حزن وحشيه

امرأة في ليـلة حزن ذكري ميلاد



سفر ورحيل وسهاد‏..‏ وصهيل جواد

أنظر في وجهي أحيانـا

تبدو الجدران وقد صارت أسراب جراد



الشمعة في عيني تخبو ويحدق وجه الجلاد

ينتفض القلب فألقاني أطلال رماد

من قصيدة في ليلة عشق سنة‏2001‏