Loading

الأربعاء، 3 فبراير، 2010

الأخـوة الأعـداء

هوامش حرة

الأخـوة الأعـداء

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



إذا أردت أن تعرف أهمية شيء من الأشياء في حياتك فحاول أن تتصورها بدون هذا الشيء‏,‏ ولهذا حاول أن تطرح أمام نفسك هذه التساؤلات‏..‏ ماذا يحدث للإنسان لو لم يشاهد الفضائيات كل ليلة؟‏..‏ وماذا يخسر لو لم يقرأ الصحف المصرية أو يتابع جلسات مجلسي الشعب والشوري ؟‏..‏ وماذا يصيبك لو قررت الحكومة إلغاء الدعم وسحب رغيف الخبز الأسود من الشوارع‏..‏ وكيف ستكون الحياة بدون الأهلي والزمالك؟‏..‏ وقبل هذا كله ما هي صورة مصر لو غاب عنها الحزب الوطني والإخوان المسلمون في لحظة واحدة؟‏..‏ لم يعد أمام المصريين الآن من منافذ فكرية أو سياسية غير ما يطلقه حزب الأغلبية من أخبار أو تراه المحظورة‏'‏ كما يطلقون عليها‏'‏ من أفكار معارضة‏..‏ ولا يوجد بينهما شيء علي الإطلاق فكرا وسياسة ووجودا‏..‏

لقد دار هذا الخاطر في رأسي وسألت نفسي هذا السؤال‏..‏ ماذا يحدث لو فتحت عيني ذات صباح ولم أجد الحزب الوطني والإخوان المسلمين‏..‏ في الشارع المصري‏..‏ وقد يبدو الربط بين الاثنين شيئـا غريبا لأن التناقض الشديد بين الاثنين لا يترك مجالا للاتفاق‏..‏

وفي تقديري أن هناك جوانب كثيرة تجمع بين الحزب الوطني والأخوان المسلمين حتي وأن بدا أن الخلاف بينهما كبير جدا‏..‏

أول ما يجمع بينهما أنهما أصبحا الآن الفكر الوحيد السائد فإما أن تجد نفسك علي جانب الوطني أو تجد نفسك مع الأخوان ولا شيء بينهما‏..‏

يجمع بين الوطني والإخوان أن كليهما لا يؤمن بالحوار ويعتنق مبدأ إذا لم تكن معي فأنت ضدي بمعني أن الحزب الوطني حزب الرأي الواحد وأن الاخوان لا يعترفون كثيرا بتعدد الآراء حتي فيما بينهم‏..‏

يجمع بين الوطني والإخوان أن الأول يتحدث باسم الوطن ويري نفسه الوحيد صاحب الحق فيه‏,‏ والثاني يتحدث باسم الدين ويري أنه أولي الناس به‏..‏

يجمع بين الوطني والإخوان أن الصراعات بين أطرافه هي التي تحكم كل شيء‏,‏ فالقديم يريد البقاء أطول وقت ممكن والجديد لا يجد لنفسه مكانـا علي الإطلاق‏..‏

يجمع بين الوطني والإخوان أن أخبارهما تحتل المساحات الأكبر صباحا ومساء في الساحة الإعلامية هنا مؤتمرات واحتفالات‏,‏ وهنا اجتماعات واعتقالات ولو أننا ألغينا من الإعلام المصري كل هذه المناسبات السارة وغير السارة فسوف نجد مساحات كبيرة نتحدث فيها عن الثقافة والفكر وبناء العقل وهموم الناس‏..‏

يجمع بين الوطني والأخوان أن كليهما يسعي للسلطة‏..‏ الأول يريد البقاء فيها للأبد ولا يؤمن بتداولها‏,‏ والثاني يريد الوصول إليها بأي طريقة وبأي أسلوب‏,‏ وأصبح الصراع بين الاثنين واجبا يوميا علي كل المصريين‏..‏

ويجمع أيضا بين الوطني والإخوان أن لغة المصالح هي التي تحكم الفكر وتوجه القرار حتي لو حدث زواج باطل بين الأفكار ورأس المال‏..‏

ولاشك أن هناك أطرافـا كثيرة سوف تكون أسعد حالا لو غاب الوطني والإخوان عن الشارع المصري‏..‏

أسعد هؤلاء جميعا سيكون وزير الداخلية اللواء حبيب العادلي فسوف يفتقد كثيرا الأخبار التي تنشرها الصحف كل يوم عن اعتقالات المحظورة‏,‏ وسوف يوجه رجاله لترشيد المرور والقضاء علي الجرائم ومراقبة أسعار السلع في الأسواق وتحقيق المزيد من الأمن للمواطن المصري‏..‏

وسوف يستريح النائب العام المستشار عبد المجيد محمود من عشرات التحقيقات التي تجري كل يوم حول تجمعات هنا أو لقاءات هناك وكلها لا تعني أحدا علي الاطلاق‏,‏ لأن الناس تبحث عن رغيف الخبز ولا يهمها أبدا أخبار المحظورة أو تجاوزات نواب الحزب الوطني‏.‏

سيكون الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب من اهدأ الناس بالا وأسعدهم حالا لأن السادة أعضاء مجلس الشعب سوف يجدون الوقت لمناقشة قضايانا الحقيقية في الصحة والتعليم والفكر والثقافة بعيدا عن المعارك التي يشهدها المجلس كل يوم بين نواب الأغلبية من الحزب الوطني ونواب الإخوان من الجماعة المحظورة‏..‏ سوف يعود الدكتور سرور مرة أخري إلي هدوء العالم وسكينة صاحب الفكر بعيدا عن كل هذا الصخب والضجيج‏..‏ وربما حقق حلما قديما بأن يجد المثقفون وأهل الفكر مكانـا لهم تحت قبة البرلمان‏..‏

سوف يرتاح الدكتور محمود زقزوق وزير الأوقاف فلم يعد مطالبا بإنتاج وتصنيع مشايخ وعلماء ودعاة يواجهون الأفكار السياسية للمحظورة علي الفضائيات بل سيقدم علماء يبينون للناس حقيقة دينهم بلا تجاوز‏.‏

سوف يستريح السيد صفوت الشريف من مشاكل الحزب الوطني والصراعات بين الحرس القديم والحرس الجديد وسيطرة رجال الأعمال علي الحزب ولن يطالب الحكومة بتخصيص معونات لأعضاء الحزب الوطني ولن يرهق نفسه بعشرات الاجتماعات واللقاءات لمواجهة أفكار وتحركات المحظورة في الشارع المصري كأن مصر كلها لا يوجد فيها أفكار أخري غير أفكار المحظورة‏..‏

لابد إن أعترف بأن أنفراد جبهتين فقط بحياة المصريين ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم أمر يزعجني للغاية وهو يمثل نوعا خطيرا من الإفلاس الفكري والثقافي والإنساني‏..‏ أنا لا أري أمامي في الساحة كلها إلا أخبار الوطني والمحظورة وكل الأشياء بعد ذلك علي الهامش وأنقسم المصريون إلي فريقين إما هنا أو هناك‏..‏ هل يعقل أن تضيق مصر إلي هذه الدرجة ولا يبقي فيها غير الحزب الوطني والمحظورة‏..‏ هل يعقل أن تصغر الأشياء كلها في عيوننا فلا يري حزب الأغلبية غير الإخوان المسلمين ولا يري الأخوان غير الحزب الوطني‏..‏ أين ثراء الفكر المصري وأين مثقفو مصر وعلماؤها ومفكروها وأساتذة الجامعات فيها ؟‏..‏ ما الذي جعل الأشياء صغيرة بهذه الصورة القاسية وأين أحزاب مصر العتيقة أين الوفد بتاريخه العريق؟ وأين اليسار المصري بصولاته وجولاته ؟وأين الأزهر والجامعات والنقابات؟ وأين وسطية الشارع المصري وقد أصبح محاصرا بين نارين إما حزب الأغلبية أو المحظورة وكلاهما عاجز عن مواجهة الواقع المصري والوصول بنا إلي بر الأمان هل انتهت تجربة مصرفي الإصلاح السياسي إلي هذه النتيجة المؤلمة‏..‏ لقد استطاع الحزب الوطني أن يقوم بعملية إجهاض كاملة للأحزاب الأخري ولم يعد أمامه

غير الإخوان المسلمين فما هي نهاية الصراع بين الأخوة الأعداء‏..‏

أجلس مع نفسك قليلا وتصور حياة المصريين بدون الحزب الوطني والأخوان المسلمين حاول أن تسترجع تاريخا مضي لم يكن حولك كل هذا الصخب وكل هذا الضجيج‏..‏ كانت قوات الأمن تحرس بيتك‏..‏ وشركات النظافة تمهد لك الطريق والصحف تقدم لك وجبة فكرية تليق بعقلك‏..‏ ولم تكن الخناقات في مجلسي الشعب والشوري بين الوطني والمحظورة تأخذ كل هذا الوقت وكل هذا الجهد‏..‏ إن مصر جديرة بلغة أرقي في الحوار‏..‏ وأسلوب أرقي في التعامل‏..‏ ومناخ أفضل في العلاقات بين الناس‏..‏ مصر جديرة بحريات مسئولة‏..‏ وأمن حكيم وسياسة مستنيرة وخلاف في الرأي لا يفسد الود بين الناس ولا أعتقد أن الوطني والإخوان يفعلان ذلك الآن‏..‏
إذا كان الحزب الوطني يريد لنفسه مستقبلا في الشارع المصري فلابد أن ينزل للناس ويمارس السياسة بقواعدها وأصولها ولا يحتكر كل شيء باسم الوطن‏..‏ وإذا كان الأخوان المسلمون يريدون دورا فعالا في بناء مصر فلينزلوا إلي الشارع السياسي ولا يطلبون الحماية باسم الدين‏..‏ فالدين لله‏..‏ ومصر للجميع ومن الظلم أن نختصر مصر العظيمة في الحزب الوطني والإخوان المسلمين‏.‏
ليس من حق أحد أن يحتكر السلطة باسم الوطن‏,‏ وليس من حق آخر أن يحتكر الحقيقة باسم الدين‏..‏



ويبقي الشعر

وحدي أنتظرك خلف الباب

يعانقـني شوق‏..‏ وحنين‏..‏

والنـاس أمامي أسراب



ألوان ترحل في عيني

ووجوه تخبو‏..‏ ثـم تـبين

والحلم الصامت في قلبي



يبدو مهموما كالأيام

يطارده يأس‏..‏ وأنين

حلمي يترنـح في الأعماق



بلا هدف‏..‏ واللحن حزين

أقدام النـاس علي رأسي

فوق الطرقات‏..‏ علي وجهي



والضوء ضنين‏..‏

تبدو عيناك علي الجدران

شعاعا يهرب من عيني



ويعود ويسكن في قلبي مثـل السـكـين

أنتظر مجيئك‏..‏ لا تأتين‏..‏


'‏ من قصيدة متي تأتين سنة‏1994'‏