Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : الرواية التي أسقطت دولة‏!‏

هوامش حرة



الرواية التي أسقطت دولة‏!‏



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




كان سور الأزبكية بالعتبة التي كانت يوما خضراء من أجمل وأرقي الأماكن التي كنا نتردد عليها أثناء دراستنا بجامعة القاهرة في منتصف الستينيات‏..‏ كانت روائح الكتب القديمة وأضواء الأوبرا علي امتداد السور تعكس وجهـا حضاريا وثقافيا غاية في الثراء‏..‏ وكنا نشتري زادنا من الكتب ببضعة جنيهات نقضي معها اجازتنا الصيفية‏..‏ وذات مساء وقعت عيني وأنا أطوف علي السور علي الرواية الشهيرة د‏.‏زيفاجو للشاعر الروسي الشهير يوريس باسترناك‏..‏ كانت الرواية مترجمة في جزءين ضمن مطبوعات‏'‏ كتابي‏'‏ السلسلة الرائعة التي كان يصدرها المثقف الكبير الراحل حلمي مراد وقدم فيها روائع الأدب العالمي مترجما إلي اللغة العربية لملايين القراء علي امتداد الساحة العربية‏..‏



صدرت د‏.‏زيفاجو في نهاية الخمسينيات مع مقدمة طويلة لعميد الأدب العربي د‏.‏طه حسين احتفي فيها كثيرا بالرواية نصـا والشاعر إبداعا والقضية موقفـا‏..‏ يومها قرأت الرواية أكثر من مرة‏,‏ وكانت من الأعمال الإبداعية التي تركت أثرا فكريا وإنسانيا عميقـا في نفسي وهي تتناول قضايا الحرية والاستبداد وبطش الأغلبية حتي وإن كانت صاحبة حق وحيرة الشاعر بين الحب والسلطة والصراع الأزلي بين الكلمة والسلطان‏..‏



ولم تنته علاقتي بزيفاجو الرواية وظلت تطاردني بعد ذلك بسنوات طويلة حتي صارت فيلما قدمه نجمنا الشهير عمر الشريف ودارت حولها قصص وحكايات كان آخرها كتاب صدر أخيرا للكاتب الروسي المعاصر لايفان تولستوي عنوانه د‏.‏زيفاجو بين المخابرات الأمريكية والمخابرات الروسية‏.‏ في هذا الكتاب كشف المؤلف بعد سنوات أبعاد المواجهة التي دارت بين أجهزة المخابرات في أمريكا والاتحاد السوفيتي حول الرواية‏..‏ تؤكد وثائق الكتاب أن المخابرات الأمريكية‏ciA‏ كانت وراء ترجمة الرواية الشهيرة إلي أكثر من‏40‏ لغة عالمية‏,‏ وأن المخابرات الأمريكية تلعب هذا الدور الخطير في إصدار الصحف والمجلات وطبع الكتب والبرامج الثقافية المختلفة‏..‏ والأخطر من ذلك أن الكتاب يكشف سرا خطيرا وهو أن المخابرات الأمريكية كانت وراء حصول باسترناك علي جائزة نوبل‏,‏ فقد جاء ترشيحه من داج همر شولد أمين عام الأمم المتحدة في ذلك الوقت وكان عضوا في جائزة نوبل وعميلا للمخابرات الأمريكية‏..‏



أعود إلي د‏.‏زيفاجو الرواية التي بهرتني زمنـا في شبابي حين قرأتها لأول مرة وأنا في السنوات الأولي لدراستي الجامعية منتصف الستينيات‏..‏



إن أحداث الرواية تحكي قصة طبيب شاعر مع الثورة البلشفية هو زيفاجو من خلال قصة حب ناعمة مع‏'‏ لارا‏'‏ بطلة الرواية وتنتقل الأحداث بين ثورة الشعب في موسكو وأحداث دامية كثيرة تصل إلي ثلوج سيبيريا وكيف تتغير المواقف وتتبدل الأفكار بين الثوار قبل السلطة والثوار بعد السلطة وماذا تفعل السلطة في البشر‏..‏ والغريب أنني شاهدت الفيلم الرائع مرات عديدة‏..‏ شاهدته في عام‏1970‏ في بيروت وهي تعيش عصرها الذهبي قبل الحرب الأهلية‏..‏ في شارع الحمراء كان الزمن غير الزمن والحياة غير الحياة‏..‏ بعدها جاء الفيلم الشهير إلي القاهرة وعرض ثلاث ليال فقط في احدي دور السينما بشارع رمسيس وكانت صدفة غريبة أن يجيء كوسيجين رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي في زيارة لمصر ويشاهد إعلانات الفيلم في الشوارع ويحتج علي ذلك وترفع الحكومة المصرية الفيلم من دور السينما ليبقي ممنوعا من العرض في مصر حتي سنوات قليلة مضت‏..‏



استطعت يومها أن أشاهد الفيلم للمرة الثانية في القاهرة قبل أن تلغي الحكومة المصرية عرضه‏..‏ رغم حذف عدد كبير من المشاهد الرئيسية فيه‏..‏



بعد سنوات كنت في الهند وبجوار فندق عتيق في مدينة بومباي شاهدت الفيلم مرة أخري في إحدي دور السينما الهندية‏..‏ وظللت أطارد د‏.‏زيفاجو الفيلم والشاعر والقصة حتي التقيت علي عشاء ذات ليلة مع نجمنا الكبير عمر الشريف في منزل الصديق العزيز حمدي قنديل وزوجته الفنانة نجلاء فتحي‏..‏ يومها تحدثنا عن هذا الدور العبقري الذي لعبه عمر الشريف وكم كان موفقـا في تجسيد دور الشاعر وحيرته بين السلطة والوطن والحب والسجن والمعتقلات‏..‏



كانت الأقدار تجمعني دائما بالصدفة مع د‏.‏زيفاجو‏..‏ ففي أواخر السبعينيات كنت في لندن وكشفت جريدة الصنداي تايمز في ملحقها الثقافي يوم الأحد حقيقة شخصية‏'‏ لارا‏'‏ بطلة د‏.‏زيفاجو لتقول لنا ان الشخصية الحقيقية لهذه المرأة موجودة ومازالت علي قيد الحياة وهي‏'‏ أولجا ايفنسكايا‏'‏ وفي هذا الوقت نشرت الصحيفة مذكراتها حول علاقتها مع باسترناك وصدرت في كتاب تحت عنوان أيامي مع باسترناك في هذه الاعترافات كتبت أولجا قصتها مع زيفاجو الشاعر الطبيب وتناولت عذاباتها معه عندما صدرت الرواية لأول مرة في إيطاليا باللغة الإيطالية‏,‏ ثم ترجمت في شهور قليلة لعدد كبير من لغات العالم وكبف قضت خمس سنوات في سجن النساء في سيبيريا‏..‏ وكيف قام العمال في روسيا بإلقاء الحجارة علي بيت باسترناك وكيف حاصرته قوات الامن وطارده اتحاد الكتاب في كل مكان واسقط عنه عضوية الحزب الشيوعي وعضوية اتحاد الكتاب وطالب البعض بإسقاط الجنسية عنه‏..‏ لم يذهب باسترناك إلي السويد لتسلم جائزة نوبل وقدم اعتذارا عن الجائزة وعاش وحيدا في شقة صغيرة في ضواحي موسكو حتي رحل‏..‏



وما بين قراءتي الأولي لزيفاجو الرواية في منتصف الستينيات ومشاهدتي للفيلم الجميل في أكثر من مدينة ومذكرات أولجا ايفنسكايا البطلة الحقيقية ولقاء مع عمر الشريف ثم أخيرا الحقائق التي كشفها كاتب روسي عن دور المخابرات الأمريكية في هذه القضية الشائكة وهي علاقة الأمن بالإبداع‏..‏



كنت أسمع أحيانـا أن بعض الكتاب والصحفيين عندنا في مصر يكتبون تقارير أمنية ضد زملائهم ولم أصدق ذلك حتي فوجئت يوما بمن يخبرني أن أحد الكتاب المصريين قدم تقريرا أمنيا كاملا عن مسرحيتي‏'‏ الخديو‏'‏ فيما يشبه التفسير الأمني للنص وأن التقرير يقع في‏30‏ صفحة شملت تفسيرات عدة لشخصيات المسرحية وحواراتها وما خفي وراء السطور‏..‏ ومازالت المسرحية حتي الآن سجينة في مكاتب وزارة الثقافة رغم أنها مصورة وجاهزة للعرض ولم تعرض‏..‏ ولا أدري هل السبب في ذلك هو التقرير الأمني لهذا الكاتب أم أن هناك أسبابا أخري رغم أنني تلقيت وعودا كثيرة بالإفراج عنها وبقيت المسرحية في الأدراج وبقيت الوعود حبرا علي ورق‏..‏



كنت أيضا أسمع أن وراء الجوائز الأجنبية سواء كانت صغيرة أم كبيرة أسبابا سياسية وأمنية وربما دينية وأن الجوائز تكون أقرب لنا كلما اخترقنا التقاليد والأعراف والأديان وسخرنا من كل القيم وأن الأجهزة الأمنية في العالم كله تحمل وجها فكريا وثقافيا وان لديها إدارات لذلك سواء في القراءة أو الترجمة أو النشر‏..‏ وفي السنوات الأخيرة لم تخف الإدارة الأمريكية دعمها لمؤسسات ثقافية كثيرة سواء تحت شعار الحريات وحقوق الإنسان او دعم مؤسسات المجتمع المدني وإنها تقدم معونات للأفراد والمؤسسات الذين يقومون بهذه الأدوار‏..‏



ولاشك أن في مصر مؤسسات كثيرة جدا وأفرادا تلقوا دعما كبيرا من أجهزة ثقافية خارجية تحمل أهدافـا سياسية وأمنية بل انها تحمل أهدافـا اجتماعية‏..‏ ولو أننا استعرضنا سلاسل طويلة من الكتب والأفلام والمسلسلات والاجتماعات والجوائز والرحلات والزيارات لاستطعنا أن نصل إلي أشياء كثيرة حدثت في الخفاء رغم أن ظاهرها يقول غير ذلك‏..‏ وعندما يستعرض الإنسان أحداثــا كثيرة في مصر في السنوات الأخيرة ابتداء بما يسمي الفتنة الطائفية وانتهاء ببعض برامج وأهداف جمعيات المجتمع المدني والدور المشبوه لبعض حملة الأقلام لابد وأن يتساءل الإنسان عن الأيدي الخفية والتمويل الذي يصل إلي هذه المؤسسات ويحركها نحو هدف مرسوم ولا يقتصر هذا الدعم علي أجهزة المخابرات في العالم ولكنه يصل إلي استقطاب أشخاص وتمويل أنشطة ثقافية تحمل أهدافـا ورسالة اجتماعية ودينية وسلوكية‏..‏



أن آخر ما يتصوره الإنسان أن تكون هناك علاقة بين الأمن والإبداع أو أن يسخر الإبداع في قضايا أمنية‏..‏ او أن يستخدم الإبداع من خلال أجهزة أمنية لتدمير شعب أو إسقاط أمة‏..‏ ولعل هذا ما حدث منذ خمسين عاما وتم كشفه أخيرا في قصة رواية هزت العالم حينما صدرت في كتاب‏,‏ ثم هزت العالم مرة أخري عندما أصبحت فيلما ناجحا‏..‏ ثم حصل كاتبها الذي لم يكن أحد يعرفه علي جائزة نوبل ثم يتضح لنا أخيرا ومن خلال كتاب تؤكده الوثائق أن المخابرات الأمريكية كانت وراء هذه الضجة كلها ابتداء بترجمة الرواية وطبعها في كل دول العالم وانتهاء بحصول كاتبها علي جائزة نوبل بدعم وترشيح أمريكي‏..‏ ثم بعد ذلك كله كانت النهاية في هذه القصة كلها وهي سقوط الاتحاد السوفيتي القوة العظمي الثانية في العالم فهل كانت د‏.‏زيفاجو الرواية تمهيدا لهذا السقوط أم أنها كانت النبوءه أم أنها رواية أسقطت دولة في لعبة أمنية خطيرة وصراع بين أجهزة المخابرات في زمن الحرب الباردة‏..‏



وهل يمكن لنا أن نستفيد من هذا الدرس ونقرأ ما يجري حولنا من أحداث ظاهرها ثقافي وفكري وهي ليست أكثر من مؤامرات سياسية وأمنية لها أهداف وبرامج‏..‏ انها فعلا جديرة بالقراءة وبمعني آخر مطلوب قراءة أمنية لواقعنا السياسي والفكري والثقافي وما يحدث فيه فربما اكتشفنا أن هناك أيادي خفية تلعب في عقولنا وتاريخنا وثقافتنا ونحن لا نعلم من ذلك شيئـا‏..‏ ليتنا نستفيد من خطايا الآخرين‏..‏


‏fgoweda@ahram.org.eg‏







..‏ ويبقي الشعر



وإن لاح في الأفـق طـيف الـخريف

وحامت علينـا هموم الصقيــــع

ولاحت أمامك أيـــــــام عمـــــري

وحلــق كـالـغـيم وجه الربيــــــع



وفي لـيلة من ليــالي الشـــــتــــاء

سيغـفـو بصدرك حلـم وديــــــع

تـعود مع الدفء ذكـري اللــيالي

وتـنـساب فينـا بـحار الدمــــوع



ويصرخ في الـقـلـب شيء ينـادي

أما من طريق لـنـا‏..‏ للرجـوع

وإن لاح وجهك فـوق الـمـــــرايا

وعاد لنـا الأمس يروي الـحكـايا



وأصبح عطـرك قيدا ثقـــيــــــلا

يمزق قـلـبـي‏..‏ ويدمي خطايـــا

وجوه من النـاس مرت علـيـنــا

وفي آخر الدرب صاروا بقـايــا



ولكن وجهك رغم الرحيـــــــــل

إذا غـاب طيفـا‏..‏ بدا في دمايــا

فـإن صار عمرك بعدي مرـايا

فلن تـلـمحي فيه شيئـا سوايــــــا


'‏من قصيدة كبرياء سنة‏2002'‏