Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : حين تسقط لغة الحوار

هوامش حرة



حين تسقط لغة الحوار



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




إذا أردت أن تحكم علي مجتمع من المجتمعات عليك أن تقرأ لغة الحوار فيه‏..‏ والغريب أن الحوار كمنظومة لا ترتبط دائما بقضايا الفكر والسياسة والجدل‏..‏ ولكنه يعكس صورة إنسان متحضر أو إنسان همجي دون النظر إلي مستوي ثقافي أو فكري فما أكثر غوغائية المثقفين وما أبعدهم في أحيان كثيرة عن لغة الحوار المترفع‏..‏



أقول ذلك وأنا أتابع منذ فترة بعيدة غياب هذه المنظومة الجميلة التي كانت تحكم العلاقات والأفكار والرؤي في المجتمع المصري‏..‏ اننا نتحدث كثيرا في الفكر والإبداع والسياسة ونطرح عشرات الآراء والاجتهادات ولكن الغريب أننا لا نسمع بعضنا البعض وقد ترتب علي ذلك غياب قيمة ومعني الاختلاف‏..‏ في أحيان كثيرة أشعر أن العقل المصري أصيب بمرض الاتجاه الواحد وهذا يشبه القطار الذي يندفع بجنون مثل قطار الاسكندرية حيث لا ضوابط ولا سائق ولا قضبان‏..‏



سوف أتوقف عند بعض الظواهر التي تؤكد ما أقول حول غياب منظومة الحوار‏..‏


*‏ إن أصداء ما حدث في مجلس الشعب في الأسابيع الأخيرة مازالت تهز أرجاء مصر كلها وللأسف الشديد إن هذا الذي يحدث في أقدم برلمان في العالم العربي يعتبر نكسة خطيرة في لغة الحوار ومناقشة قضايا المجتمع‏..‏ هذا الصراخ وهذا الضجيج وهذه الشتائم والألفاظ الغريبة‏..‏ وهذا التشابك بالأيدي والحوار بالأجسام والأقدام والملامح‏..‏ كلها ظواهر تستحق أن نتوقف عندها ونرصدها فقد انتقلت مثل النار في الهشيم إلي كل مجالات الحياة وأصبح من الصعب أن تجد حوارا هادئـا وكلامـا مقنعـا ولغة راقية‏..‏ كل شيء في مصر الآن يتنافي تمامـا مع لغة الحوار المترفع‏..‏ وإذا تصفحت أجندة حياة المصريين سوف تجد مجتمعا غريب الأطوار في لغته وأسلوبه وحواراته‏..‏ فمن أين جاءت كل هذه اللعنات‏..‏


*‏ إن السلطة عندنا لا تسمع أحدا ولا تحب أن تسمع هذا الأحد نحن أمام مسئولين كبار يتصورون أنهم لا يخطئون وأنهم الأعلم دائما وأنهم فوق الحساب‏..‏ ومن يحاسب المسئول في مصر الآن إذا أخطأ لقد اختفت تماما ظاهرة الخطأ والحساب‏..‏ والغريب في الأمر أنك إذا قرأت رأيا مخالفـا لقرار أصدره مسئول وانتظرت ردا أو تعقيبا أو تراجعـا فإن هذا يدخل في باب المستحيلات‏..‏ وأمام حظائر الفكر التي أنشأتها الدولة لجموع المنتفعين يصبح الصوت المعارض نشازا بل اننا في أحيان كثيرة نلقي التهم جزافــا علي كل من يخالفنا الرأي‏..‏ وقد ترتب علي ذلك أن المسئولين عندنا لا يسمعون أحدا وكانت النتيجة كل هذه الأخطاء التي ترتبت علي قرارات عشوائية‏..‏ أن السبب في ذلك كله هو غياب قيمة الحوار والرأي الآخر وأهمية الاختلاف‏..‏ وما يحدث في الشرائح العليا من طبقات أصحاب القرار يحدث في الشرائح السفلي من صغار الموظفين الذين يمارسون عقدهم علي بسطاء الناس في الدوائر الحكومية أن الموظف الصغير يبدو أحيانا نصف الاه وهو يعامل المواطنين‏..‏ وهنا لا يفتح أبواب الحوار بينه وبين الناس الا ما يهبط من أموال الغلابة في أدراج مكتبه‏..‏ وفي ظل غياب الحوار والرأي الآخر يصبح الحساب أمرا مستحيلا ويصبح العقاب قضية خاسرة وتهبط علي رؤوس الناس قرارات من كل لون دون دراسة أو بحث رغم أنها في أحيان كثيرة تدخل في أدق تفاصيل حياتهم‏..‏


*‏ من علياء السلطة والقرار نهبط بعض درجات السلم لتجد ظواهر غريبة أمام غياب الحوار تذهب إلي المحاكم فتجد نشوة الغرور والاستعلاء لدي بعض المحامين الذين لا يناقشون الأحكام بالقانون ولكنهم يعترضون بهمجية علي هذه الأحكام ان للقضاء لغة وللمحامين وسائل في الدفاع والجميع تحكمه سلطة القانون‏..‏ ولكن البعض يري أحيانـا أنه فوق القانون وفوق الأحكام‏..‏



في احدي المحاكم تجمهر المحامون في الأسبوع الماضي مطالبين بإلغاء حكم علي زميل لهم أدين في قضية تزوير مما اضطر النائب العام المستشار عبد المجيد محمود إلي تحويلهم لمحاكمات سريعة‏..‏ قدم المحامون ما لديهم من حجج ودفاعات ولم يقتنع القاضي وهذا حقه‏..‏ ولكن الحوار بين القاضي والمحامين وصل إلي طريق مسدود وكان العنف هو البديل الهمجي والغوغائي للحوار‏..‏ نماذج أخري نراها علي شاشات التلفزيون في أحاديث عن قضايا مطروحة أمام المحاكم ولكن البعض يصدر الأحكام قبل أن يقول القضاء كلمته رغم أن الحكم حق للقضاء وحده وله وسائله المشروعة في الرفض والاعتراض والإلغاء ولكن من خلال وسائل قانونية‏..‏


*‏ إذا انتقلنا إلي دائرة أخري غاب فيها الحوار فهي قضايا الدين وأمام شاشات التلفزيون حيث يتجمع مئات الملايين تتعارض الأحكام والفتاوي والأراء‏..‏ وتحاول أن تقترب من لغة راقية للحواربين أشخاص يتحدثون في أعظم ما ملك الإنسان وهي عقائده وتكتشف أن لغة الاتهامات والتكفير والشتائم هي الأقرب للعقول والأقوال وأشاهد أحيانـا بعض رجال الدين علي الفضائيات وأشعر أن القيامة قامت وأكاد أري السنة النار تخرج من الشاشة‏..‏ ماذا يفعل المواطن العادي أمام هذا التضارب في الأراء وإذا كان علماء الدين وهم النخبة عاجزون عن الوصول إلي جدل حكيم‏_‏ وجادلهم بالتي هي أحسن‏_‏ فماذا يفعل بسطاء الناس‏..‏



أن صورة علماء الدين وهم يتشاجرون علي شاشات الفضائيات أكبر دليل علي غياب لغة الحوار أمام غوغائية الطرح‏..‏ والغريب أن الخلافات بين بعض رجال الدين تقترب كثيرا من الشتائم وإلقاء التهم‏..‏ فإذا غاب الحوار في لغة العلماء والدعاة فأين نجده بعد ذلك‏..‏


*‏ من أخطر الظواهر التي غاب عنها الحوار أيضا ما يحدث في كثير من برامج الفضائيات حيث يعلو الصراخ ما بين ضيوف هذه البرامج والمواطنين ومقدمي البرامج وتصل الأمور أحيانـا إلي ألفاظ نابية واتهامات لا تليق‏..‏ وهنا يكون السؤال إذا كانت هذه هي أساليب الحوار التي يشاهدها أبناؤنا كل يوم فكيف يتعلمون لغة الحوار الحقيقي وأين يكون ذلك ان الكثير من الفضائيات الآن تحاكم المتهمين وتصدر الأحكام وتبريء هذا وتدين ذاك وهي ظاهرة تهدد العدالة‏..‏



وإذا انتقلنا إلي الصحافة كانت الكوارث أكبر نحن أمام صفحات كاملة من التجريح والتسطيح والمتاجرة وتحولت الصحافة إلي سلطة ضاريه في الابتزاز والاعتداء علي أعراض الناس وحرماتهم دون أدلة ثابتة أو شواهد وأحكام‏..‏



ما أسهل الآن أن تجد عشرات الموضوعات‏'‏ المفبركة‏'‏ وتشعر وأنت تقرؤها أنك أمام جريمة ابتزاز واضحة المعالم‏..‏



أن غياب لغة الحوار الحقيقي والمترفع أحد الأزمات الحقيقية في الإعلام المصري الآن باستثناء بعض نقاط الضوء التي تنتشر هنا أو هناك لبرامج وصحف تحرص علي مصداقيتها وتعي دورها ومسئوليتها‏..‏



في الأسابيع الأخيرة حاول أن تتابع كيف هبطت لغة الحوار والاختلاف في بعض القضايا المعروضة أمام المحاكم أو التجاوزات والاتهامات في انتخابات المحامين‏..‏ ومهازل الحوار والإدانات في انتخابات نادي الزمالك‏..‏


*‏ إذا اقتربت من الساحة السياسية فهي أبعد ما تكون عن الحوار‏..‏ ان الجميع يتحدث عن الديمقراطية والرأي الآخر واختلاف منابع الفكر ولكن علي مستوي الفعل لا تجد شيئـا من ذلك كله‏..‏ أن الحزب الوطني حزب الأغلبية يتحدث دائمـا عن الرأي الأخر وهو في الحقيقة لا يسمع أحدا‏,‏ إن قرارات حكومته غير قابلة للنقاش‏..‏ ومشروعات القوانين في مجلس الشعب تصدر بأغلبية أعضائه‏..‏ والسياسات العامة لا يناقشها أحد‏..‏ والغريب أن الحزب لا يقبل الحوار حتي مع الأحزاب الأخري رغم أنها أحزاب ضعيفة ولا تأثير لها في الشارع‏..‏



علي الجانب الآخر يقف الأخوان المسلمون وهم لا يعتقدون في شيء أسمه لغة الحوار‏..‏ أنهم يتحدثون باسم الله وباسم السماء ولا ينبغي أن يكون هناك حديث للبشر‏..‏ وهذا يعني أن نصادر كل أفكار البشر مادمنا نتحدث باسم السماء‏..‏ وما بين الحوار الغائب في الحزب الحاكم وبقية الأحزاب والقوي المعارضة وفي مقدمتها الأخوان المسلمون فإن العمل السياسي ممنوع ومرفوض في الجامعات وهذا يعني أن نترك ملايين الشباب من أبناء المستقبل يعيشون فراغـا مخيفـا حيث لا رأي ولا فكر ولا حوار‏..‏ وهنا تتحول الحياة إلي خنادق مظلمة لا ضوء فيها ولا شعاع‏..‏



ان أصحاب القرار يرفضون الرأي الآخر ولا يسمعون أحدا‏..‏ والمؤسسات الثقافية والفكرية حظائر فكر جامدة لمواكب المثقفين‏..‏ والجامعات تمنع طلابها من العمل السياسي والأحزاب في حالة عجز وصمم دائم فهي لا تسمع بعضها‏..‏ ورجال الدين غارقون في التفاصيل وأموال الفضائيات وأسواق الفتاوي والإعلام يهبط في أحيان كثيرة إلي شطحات وصفقات ومصالح تفقده الكثير من الترفع والأمانة والمصداقية‏..‏ كل هذه الظواهر تؤكد أننا ابتعدنا كثيرا عن الحوار الحقيقي والرأي الآخر وقيمة الاختلاف وهذا يؤكد أزمة التراجع في حياتنا في الفكر والسلوك والأخلاق‏..‏ وحين يغيب الحوار نفتح أبواب العنف ثم تكون كوارث الجريمة‏..‏ وهو ما نراه في مصر الآن‏..‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏




..‏ ويبقي الشعر





إذا ما أطلــت عيــــون الـقـصــيــــده

وطـافـت مع الشوق حيري شريده

سيأتيك صوتي يشــــق الســـــكـــون

وفـي كـل ذكري جــــراح جديــده



وفي كـل لـحن ستـجـــري دمــــوع

وتـعصف بـي كبريــــــاء عنيــــده

وتـعبر في الأفـق أســـراب عمري

طـيورا من الـحلـم صارت بعيـــده



وإن فـرقـتـنـــــا دروب الأمـــــــاني

فقد نـلـتـقي صدفـة في قـصيـــــده


***‏



ستـعبر يومـــــا عـلـي وجنـتـيــــــك

نـسائم كـالـفـجر سكـري بريئــــــه

فتبدو لعينيك ذكــــــــــري هوانـــــــا

شموعا علي الدرب كانت مضيئه



ويبقي علي البعد طيـــــف جميــــــل

تودين في كل يــــوم مجيــــئـــــه

إذا كان بعــــدك عني اختيــــــــارا

فإن لقانـــا وربــــي مــشيــــئــــــه



لقد كنت في القرب أغلي ذنـــــوبي

وكنت علي البعد أحلي خطيئـــه


'‏من قصيدة كبرياء سنة‏2002'‏