Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : وخسرت مصر القضية

هوامش حرة



وخسرت مصر القضية



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



هناك خبر حملته لنا الأحداث في الأسبوع الماضي يؤكد أن الحكومة المصرية قد خسرت قضية مهمة أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بالبنك الدولي والذي أصدر حكمـا يقضي بأن تدفع الحكومة المصرية تعويضا قدره‏132‏ مليون دولار أي حوالي‏'740‏ مليون جنيه مصري‏'‏ لرجل الأعمال المصري وجيه سياج صاحب شركة سياج للاستثمارات السياحية وصاحب أحد الفنادق بالهرم‏..‏ كان سياج قد رفع قضية أمام المركز الدولي ضد الحكومة في أغسطس عام‏2005‏ بعد أن قررت إلغاء عقد شراء‏650‏ ألف متر مربع من الأراضي في منطقة طابا بسعر‏150‏ قرشا للمتر بمبلغ إجمالي قدره‏975‏ ألف جنيه‏..‏ وكان السبب في إلغاء التعاقد أن رجل الأعمال تعاقد مع شركة لوميرهيلدنجز ليمتد الاسرائيلية لإنشاء مشروع سياحي مشترك في سيناء‏..‏



كنت قد تناولت هذه القضية في أكثر من مقال منذ عامين وبالتحديد في شهر يونيو عام‏2007‏ كنموذج للقرارات والعقود العشوائية التي وقعتها حكومات مصر المتعاقبة لبيع أراضي الدولة بصورة جزافية وغير مدروسة‏,‏ لو كانت الحكومة يومها دخلت في مفاوضات مع رجل الأعمال لتسوية القضية وتقديم تعويض مناسب لما وصلت الأمور إلي هذه الكارثة‏..‏



إن هذه القضية تعتبر نموذجا فجا لعمليات بيع الأراضي المصرية‏..‏ لقد قامت الدولة بتوزيع مساحات هائلة من الأراضي في مناطق كثيرة بأسعار هزيلة ووقعت عقودا هنا وعقودا هناك‏..‏ حدث هذا في الغردقة‏..‏ وشرم الشيخ وطابا‏..‏ ودهب والطريق الصحراوي وطريق الاسماعيلية ووصلت هذه القرارات العشوائية إلي مناطق بعيدة في الواحات ومطروح والعلمين والساحل الشمالي‏..‏ القصة باختصار شديد قصة المال السايب في وليمة اللئام‏..‏



تعاقد وجيه سياج مع الحكومة علي شراء‏650‏ ألف متر تمتد علي مساحة‏8‏ كيلو مترات علي الحدود مع إسرائيل في منطقة طابا ولأنها قريبة من إسرائيل سال لعاب جنرالاتها القدامي علي هذه الصفقة وفي عام‏94‏ وقع رجل الأعمال المصري اتفاقا مع الشركة الإسرائيلية لإنشاء مشروع سياحي مشترك ولكن الحكومة المصرية قررت إلغاء التعاقد أمام ضرورات الأمن القومي وضوابط الاستثمار في سيناء وقررت تخصيص الأرض للمنفعة العامة بمقتضي القرار الجمهوري رقم‏205‏ لسنة‏2002‏ إلا أن د‏.‏ عاطف عبيد رئيس الوزراء السابق أصدر القرار رقم‏315‏ لسنة‏2003‏ بتخصيص هذه المساحة لمستثمر آخر هو شركة غاز الشرق لتصدير الغاز إلي الأردن‏..‏



وهنا بدأت الأزمة بين وجيه سياج والحكومة المصرية ولجأ للقضاء المصري وحصل علي أكثر من حكم بالتعويض لم ينفذ منها شيئـا‏..‏ ولأنه يحمل الجنسية الإيطالية مع جنسيته المصرية حمل أوراق القضية وسافر إلي فرنسا ومنها لجأ للتحكيم الدولي وحصل علي هذا الحكم وأصبح من حقه الآن وخلال شهر واحد أن يحصل علي هذا التعويض وهو أكبر تعويض في تاريخ المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار في البنك الدولي منذ إنشائه في عام‏1966..‏



كان سياج قد طالب في القضية بتعويض أقترب من‏600‏ مليون دولار مستندا إلي سعر الأرض الآن وتعطيل مشروعه السياحي‏12‏ عاما بجانب بعض المنشآت التي أقامها وادعي أنها تكلفت أكثر من‏130‏ مليون جنيه‏..‏



من أخطر الجوانب التي استندت إليها القضية أن هناك‏3‏ أحكام من مجلس الدولة في مصر لصالح رجل الأعمال لم تنفذها الحكومة‏..‏ كانت المحكمة قد تشكلت من ثلاثة قضاة‏..‏ القاضي ديفيد ويليامز من نيوزلندا‏..‏ وفرانسيسكو اوريجو فكيونا من تشيلي‏..‏ ومايكل برايلس من استراليا‏..‏ وقد صدر الحكم في‏174‏ صفحة وكان في القضية شاهد من الموساد‏..‏ وآخر من لبنان كان يعمل مستشارا للرئيس السوداني الراحل جعفر نميري‏..‏ وثالث كان عضوا في وفد إسرائيل في مفاوضات التحكيم الدولي حول طابا‏..‏



الحكم الآن أمام د‏.‏ أحمد نظيف رئيس الوزراء حيث يبحث مع الهيئة القضائية الموكلة بالدفاع عن الجانب المصري إمكانية الطعن في الحكم من حيث المبدأ بشرط أن يتم ذلك خلال شهر من صدور الحكم‏..‏



ولم تكن هذه القضية هي الأولي التي خسرتها مصر ولكن سبق ذلك قضايا أخري كثيرة‏..‏ هذا التعويض الضخم يضع أمامنا عدة نقاط جوهرية يجب أن نناقشها بصراحة خاصة أنه قد يفتح الكثير من الأبواب علينا فما أكثر المغامرين في دنيا المال والاستثمار‏:‏


*‏ أن هناك اتفاقات وقعتها حكومات سابقة ووزراء مسئولون مع شركات ورجال أعمال ومؤسسات من خلال عقود لم تدرس كما ينبغي وكانت النتيجة مثل هذه التعويضات الضخمة التي ستدفعها الحكومة ومازالت هذه الأخطاء تطارد الدولة المصرية وهي تمثل ظاهرة من ظواهر الارتجال في أداء الحكومة‏..‏


*‏ أن عمليات الاستثمار في مصر شهدت أعمال نصب وتحايل من شركات أجنبية سيئة السمعة ولم يكلف الجانب المصري نفسه مسئولية السؤال عن هذه الشركات وتحديد مجالات نشاطها وسمعتها الدولية‏..‏ ما أكثر النصابين الذين تسللوا إلي مكاتب الوزراء عندنا وحصلوا علي توقيعات واتفاقيات وعقود لم تدرس بصورة كافية ثم ذهبوا بهذه الأوراق ليطالبوا بتحكيم دولي وتعويضات تفوق الخيال‏..‏


*‏ أن الكثير من رجال الأعمال المصريين يحملون جنسيات مزدوجة ويوقعون اتفاقات بحكم جنسيتهم كمصريين وبعد ذلك يستغلون الجنسية الأجنبية الأخري في القضايا والمنازعات مع الحكومة المصرية في الخارج وقد حدث ذلك كثيرا أن رجل الأعمال يحصل علي حقوق وامتيازات بجنسيته المصرية ثم يستخدم الجنسية الأخري إذا اختلف مع الحكومة‏,‏ وفي قضية سياج كان ازدواج الجنسية من أهم أسباب خسارة مصر لهذه القضية لأن سياج أثبت أنه يحمل الجنسية الإيطالية عن والدته رغم أنه تعاقد علي شراء الأرض مع الحكومة المصرية بصفته مواطنا مصريا وفي مصر الآن عشرات من رجال الأعمال وكبار المسئولين لديهم أكثر من جنسية وأكثر من جواز سفر‏..‏


*‏ أن عقود بيع الأراضي بهدف الاستثمار فيها ثغرات كثيرة ابتداء من سعر الأراضي التي كان يباع المتر فيها بجنيه واحد وانتهاء بهذه المساحات الرهيبة التي وزعتها الحكومة فيما يشبه الاوكازيون‏..‏ ولنا أن نتصور رجل أعمال يدفع أقل من مليون جنيه ويحصل علي‏650‏ ألف متر علي حدود إسرائيل ثم في نهاية المطاف يحصل علي حكم دولي بهذا المبلغ الرهيب‏..‏


*‏ أمام القضاءالدولي ومراكز تسوية منازعات الاستثمار أكثر من‏15‏ قضية أخري ضد مصر يمكن أن يحصل أصحابها علي تعويضات بمئات الملايين من الدولارات خاصة أن مصر وقعت حتي الآن علي أكثر من‏114‏ اتفاقية دولية حول منازعات الاستثمار ويبدو أن المسئولين عندنا لم يكلفوا أنفسهم مشقة قراءة هذه الاتفاقيات‏..‏ ولهذا ينبغي أن تتابع مؤسسات الدولة هذه القضايا وتعكف علي دراستها من خلال جهات قضائية مسئولة حتي لا نتعرض لخسائر أخري أمام تعويضات قد تتجاوز كل الحسابات‏..‏


*‏ أن مثل هذه القضايا تؤثر علي سمعة مصر الدولية في مجالات الاستثمار‏..‏ كما أن الحكومة ينبغي أن تحترم أحكام القضاء المصري حتي لا يلجأ المتضررون إلي التحكيم الدولي ويحصلوا علي هذه التعويضات الخرافية‏..‏ لقد ابلي فريق الدفاع المصري في القضية بلاء حسنـا ولكن الأخطاء الحكومية والتجاوزات الإدارية والتحايل بجواز سفر أجنبي جعل الكثير من جهد الدفاع يضيع هباء أمام المحكمة الدولية التي أصدرت هذا الحكم‏..‏


*‏ هذه القضية التي خسرتها مصر أكبر دليل علي الأخطاء الكبيرة التي شهدتها عمليات التوزيع العشوائي والعقود الهلامية في بيع أراضي الدولة المصرية أمام حكومات متعاقبة وهذه الاراضي التي فرطت فيها مؤسسات الدولة بسعر زهيد‏..‏ حق للأجيال القادمة وليست مجرد اوكازيون لمن يشتري‏..‏ أن الشيء المؤسف في هذه القضية التي خسرتها مصر أن هذا التعويض ستدفعه الحكومة عن أرض سيناء التي شهدت أروع بطولات شهدائنا وهي التي مازالت تبحث عن مستثمرين جادين بعد أن وقعت فريسة المغامرين والسماسرة‏..‏ أن هذه الـ‏740‏ مليون جنيه التي ستدفعها الحكومة كان الأحق بها آلاف الشباب في سيناء وملايين الفقراء في العشوائيات‏..‏



ما حدث في أرض طابا أكثر من جريمة‏..‏ كانت الجريمة الأولي عندما باعت الحكومة متر الأرض علي حدود إسرائيل بسعر‏1.5‏ جنيه للمتر‏..‏ وكانت الجريمة الثانية عندما قررت الحكومة استرداد الأرض من رجل الأعمال للمنفعة العامة ثم سربتها في صفقة مريبة لمستثمر آخر‏..‏ أما الجريمة الثالثة فهي عدم احترام أحكام القضاء المصري بصرف تعويضات قررها وكانت خمسة ملايين جنيه فقط مقابل فسخ العقد‏..‏ وتأتي الجريمة الرابعة وهي أن يتحمل الشعب المصري الغلبان هذا التعويض المخيف وهو‏740‏ مليون جنيه‏,‏ نحن أمام مسئولين أم أمام عصابة ؟‏!..‏


*‏ أعتقد أن هناك قواعد قانونية تحاسب المسئولين السابقين عن أخطائهم بأثر رجعي بمعني أن خطأ المسئول وهو في السلطة لا يسقط بالتقادم خاصة إذا ترتبت عليه نتائج سيئة كما حدث في هذه الجريمة ولا أقول القضية‏..‏ والسؤال الآن‏:‏ أليس من واجب الحكومة الحالية ومجلسي الشعب والشوري محاسبة المسئولين السابقين الذين شاركوا في هذه المهزلة أم أن الشعب الغلبان هو الذي سيدفع ثمن هذه الأخطاء في كل الحالات؟‏!..‏ المطلوب الآن البحث عن المسئولين والمشاركين في هذه الفضيحة الدولية ومعاقبتهم بأثر رجعي‏..‏

‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر



سيأتي إليـك زمــــــان جديــــد

وفي موكب الشـوق يمضي زماني

وقد يحمل الروض زهرا نــديا



ويرجع للقـلـب عطـــر الأمـــــاني

وقد يسكـب اللـيل لحنـا شجيـــا

فيأتيك صوتي حزين الأغـــــــاني



وقد يحمل الـعمر حلـما وليــــدا

لحب جديد سيأتـــــــي مكـانــــــي

ولـكن قـلـبك مهما افـتـرقـــنــــا



سيشـتـاق صوتي وذكـري حنـاني

سيأتي إلـيـك زمــــان جديــــــد

ويصبـح وجهـي خيـــــــــالا عبر



ونقـرأ في الليل شعرا جميـــلا

يذوب حنينـا كـضوء الـــقـمــــــر

وفي لحظـة نـستـعـيد الزمــــان



ونذكـر عمرا مضـــــي وانـدثــــر

فيرجع للقـلـب دفء الـحيـــــــاة

وينـساب كالضوء صوت الـمطـر



ولـن نـستـعـيد حكايا الـعتـــــاب

ولا من أحب‏..‏ ولا من غـــــــدر


'‏من قصيدة كبرياء سنة‏2002'‏