Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : قراءة أخلاقية‏..‏ لخطاب أوباما

هوامش حرة



قراءة أخلاقية‏..‏ لخطاب أوباما



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




منذ زمان بعيد لم يتحدث إلينا حاكم أو زعيم قادم من الغرب بهذا الحديث الأخلاقي الذي يتسم بالموضوعية والأمانة التاريخية‏..‏ فقد اعتدنا دائما أن يتحدث القادمون إلينا من رؤساء الدول الأجنبية بلهجة فيها الكثير من التعالي والإحساس بالفوارق الحضارية والتفوق الاقتصادي واستعراض القوة‏..‏ هكذا فعل معظم رؤساء أمريكا السابقين وهم يتحدثون للشعوب الإسلامية‏..‏ ولهذا كانت المفاجأة كبيرة للألاف الذين استقبلوا الرئيس باراك حسين أوباما بحفاوة بالغة وهو يوجه خطابه إلي المسلمين في أنحاء العالم‏..‏



كان الرجل واثقـا‏..‏ واعيا‏..‏ قارئـا جيدا للتاريخ‏..‏ مدركـا للدور الحضاري والفكري للحضارة الإسلامية‏..‏ وعندما أقترب من القضايا ذات الحساسية الخاصة كان موضوعيا بدرجة غير مسبوقة وعلي علم بتفاصيل كثيرة‏..‏ تعلمنا في قاموس السياسة أنه لا توجد علاقة وطيدة بين الأخلاق والسياسة لأن السياسة والسياسيين في كثير من الأحيان لا تعترف بمنطق الأخلاق فكرا‏..‏ وسلوكـا ومواقفـا‏..‏ وقد شدني كثيرا في خطاب الرئيس أوباما نغمة أخلاقية جميلة قليلا ما نراها أو نسمعها في خطب الساسة والزعماء‏..‏ لاشك أن للزعيم الامريكي الشاب حضورا طاغيا أكده من البداية وعي ثقافي وفكري واضح جدا في أسلوبه وشخصيته وطريقته في تناول القضايا‏..‏



كانت اللفتة الأولي في خطاب أوباما وهو يؤكد أنه يخاطب العالم الإسلامي من القاهرة حيث اجتمعت أقدم جامعة إسلامية في تاريخ المسلمين وهو الأزهر الشريف بدوره العظيم وجامعة القاهرة صاحبة المائة عام وهذا يؤكد التلاقي بين التقاليد الإسلامية العريقة ممثلة في الأزهر‏..‏ والتقدم وروح العصر ممثلة في جامعة القاهرة‏..‏



وجه أوباما تحية حارة للمسلمين في كل بلاد الدنيا وتحدث بأمانة وصدق عن عهود الاستعمار الغربي للدول الإسلامية بكل مظاهر العدوان فيها وكيف كان الغرب دائما يضع هذه الدول ما بين الاستغلال والتبعية ثم انتقل وهو يدين الغرب إدانة واضحة في عهود الاستعمار إلي دور الإسلام الحضاري والفكري وقدم عرضا تاريخيا للحضارة الإسلامية في الطب والعلوم والفلك والجبر والعمارة‏..‏ وحتي خلوات الصوفية‏..‏ وأكد أوباما أن الغرب لابد ان يعترف بدور الإسلام العقيدة والشعوب والتاريخ في صنع الحضارة الإنسانية في عصورها المختلفة‏,‏ وأن الشعوب الإسلامية قادرة علي أن تشارك بدور فعال في صياغة حاضر أفضل لشعوبها‏.‏



واعترف الرئيس أوباما أن المجتمع الأمريكي يحمل حساسيات كثيرة تجاه الإسلام والمسلمين رغم وجود‏7‏ ملايين مسلم يحملون الجنسية الأمريكية ويتمتعون بكل حقوقهم‏,‏ وأن في الولايات الأمريكية أكثر من‏1200‏ مسجدا‏..‏ وهنا أكد الرئيس الامريكي أنه لن يسمح بأي هجوم علي الإسلام في أمريكا بعد الآن‏..‏



وقال إن القوة لن تحل مشاكل العالم وأن الحوار هو السبيل الوحيد للمشاركة وفتح مجالات التعاون بين الشعوب ولا يوجد إنسان عاقل يقبل مذابح المسلمين في البوسنة أو عمليات التعذيب في المعتقلات والسجون وأن ذلك كله يتعارض مع ثوابت المجتمع الأمريكي وقوانينه وأخلاقياته‏..‏



وطالب الرئيس أوباما المسلمين بفتح صفحة جديدة من العلاقات حتي لا نعيش أسري للماضي القريب أو البعيد‏,‏ خاصة أن الدول الإسلامية كانت دائما تشعر بالظلم من أشياء كثيرة تعرضت لها عبر التاريخ القديم والحديث‏,‏ وأن المطلوب الآن وضع نهاية للصراع والتوتر بين الغرب والمسلمين‏..‏ ولم ينس الرئيس الأمريكي ان يتحدث عن طفولته ونشأته في أسرة مسلمة سواء في كينيا أو إندونيسيا وأنه مازال يذكر أذان الفجر وصلاة الغروب علي حد تعبيره‏..‏



كان الجزء الأول من الخطاب قراءة عميقة للحاضر والماضي معا أكد من خلالها الرئيس أوباما أنه علي وعي كامل بحركة التاريخ وأنه يعلم ما قدمه المسلمون للبشرية‏.‏



وطالب المسلمين بتقديم الصورة الحقيقية للإسلام‏..‏ وهنا بدأ الحديث عن قضايا شائكة تقف وراء التوتر بين الغرب والمسلمين‏..‏ هنا استعرض الرئيس الأمريكي ما حدث في‏11‏ سبتمبر وكيف كانت هذه المأساة نقطة تحول مريرة في حياة الشعب الأمريكي‏..‏ وقال إن الإسلام يحرم القتل وان رسول الإسلام عليه الصلاة والسلام يرفض العنف فكيف يسمح المسلمون للقاعدة وطالبان أن تعتدي علي أرواح أبرياء من النساء والأطفال والشيوخ‏..‏



وكيف يقبل العالم الإسلامي أن تشوه هذه الفئة من المتطرفين صورة الإسلام أمام العالم كله‏..‏ وأكد أوباما أن ما يحدث في أفغانستان وباكستان من أعمال إرهابية يتنافي مع أبسط تعاليم الإسلام وأن العنف ضد المدنيين في أي مكان في العالم يخالف الإسلام ويتعارض مع حقوق الإنسان وأن الجميع مطالب بمواجهة العنف والتشدد‏..‏



أما العراق‏..‏ فاعترف الرئيس الأمريكي بأن القوة ليست هي الحل الأمثل وأن القوات الأمريكية سوف تنسحب من العراق تماما فليس لأمريكا أي أطماع في ثروات العراق ولا أرضه‏..‏



وتوقف الرئيس أوباما كثيرا عند القضية الفلسطينية وأسهب في الحديث عن المآسي التي تعرض لها اليهود في الغرب في السجون والمعتقلات وعمليات القتل الجماعي وأن نسي الرئيس الأمريكي أن يقول إن المسلمين لم يشاركوا في هذه المذابح وأن الجريمة كانت غربية في كل فصولها ولا ذنب للعرب والمسلمين فيها‏..‏



ثم تناول الظروف اللا إنسانية التي يعيش فيها الشعب الفلسطيني مؤكدا أن الحل الذي ستسعي إليه الإدارة الأمريكية هو حل الدولتين دولة إسرائيل ودولة فلسطينية وان هذا الحل هو الطريق الوحيد لضمان استقرار الشرق الأوسط‏..‏ وأن ذلك يحقق مصالح الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي ويحقق أيضا مصالح أمريكا‏..‏ وطالب إسرائيل بوضع ضمانات لحقوق الفلسطينيين وطالب الفلسطينيين بالتخلي عن العنف‏..‏



ولم ينس الرئيس أوباما أن يدين بشدة عمليات التعذيب في السجون الأمريكية معلنا إغلاق معتقل جوانتانامو لأن ما حدث في هذه الفترة يتعارض تماما مع ثوابت المجتمع الأمريكي في قضايا الحريات وحقوق الإنسان واحترام البشر‏..‏ وفي إشارات واضحة وصريحة تحدث أوباما عن الأسلحة النووية وأنه حتي الآن يفضل الحوار حول برنامج إيران النووي لأن ذلك هو الطريق الأفضل‏..‏



وأعلن صراحة عن إيمانه العميق بأن الديمقراطية لابديل عنها بكل ما يحمله ذلك من مسئوليات تجاه الانتخابات الحرة وحقوق المرأة والطوائف المختلفة مع حق الجميع في حرية العقيدة والفكر‏..‏



وطالب الرئيس أوباما المسلمين بفتح صفحة جديدة من الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة مؤكدا أنه لا توجد منافسة بين أمريكا والمسلمين ولا يوجد صراع بيننا ولابد أن نتعاون في كل المجالات في التعليم والصحة وحقوق الإنسان‏.‏



بقيت عندي بعض الملاحظات حول خطاب الرئيس أوباما‏..‏


*‏ أن الرجل حاول أن يقدم صورة مختلفة تماما عن الإدارة الأمريكية السابقة في عهد الرئيس بوش وان يقنع العالم الإسلامي أن وجه أمريكا طوال ثماني سنوات قد تغير‏..‏


*‏ أن الرجل كان حاسما وهو يتحدث عن أخطر القضايا التي تهم العالم الإسلامي ابتداء بالصراع العربي الإسرائيلي وانتهاء بالعراق وأفغانستان وأنه سيعطي الوقت والجهد لمواجهة هذه القضايا‏..‏


*‏ أن من حق المسلمين أن يختاروا حياتهم وأفكارهم وثقافتهم وأن دول العالم لابد وأن تحترم ثوابت الشعوب وتقاليدها وأكد علي ذلك بأن حرية المسلمين في أمريكا مكفولة في كل شيء ابتداء بالشعائر الدينية وانتهاء بإرتداء المرأة للحجاب‏..‏


*‏ أنه لا يوجد عداء أو صراع بين أمريكا والإسلام وانه يحمل ذكريات جميلة عن حياته وأسرته المسلمة في مراحل حياته المختلفة وأن علي الجميع ان يبدأ صفحة جديدة‏..‏ لاشك أن خطاب أوباما في جامعة القاهرة ميلاد جديد لزعيم شاب وعد بأن يغير العالم ويبدو أنه وضع أقدامه علي أول الطريق‏..‏







..‏ ويبقي الشعر





لماذا أراك علي كل شيء بقايا‏..‏ بقايا ؟

إذا جاءني الليل ألقاك طيفـا‏..‏

وينساب عطـرك بين الحنايا ؟



لماذا أراك علي كل وجه

فأجري إليك‏..‏ وتأبي خطايا ؟

وكم كنت أهرب كي لا أراك



فألقاك نبضـا سري في دمايا

فكيف النجوم هوت في التراب

وكيف العبير غدا‏..‏ كالشظايا ؟



عيونك كانت لعمري صلاة‏..‏

فكيف الصلاة غدت‏..‏ كالخطايا ؟

لماذا أراك وملء عيوني دموع الوداع ؟



لماذا أراك وقد صرت شيئـا

بعيدا‏..‏ بعيدا‏..‏ تواري‏..‏ وضاع ؟

تطوفين في العمر مثل الشعاع



أحسـك نبضا

وألقاك دفئـا

وأشعر بعدك‏..‏ أني الضياع



إذا ما بكيت أراك ابتسامه

وإن ضاق دربي أراك السلامه

وإن لاح في الأفق ليل طويل



تضيء عيونـك‏..‏ خلف الغمامه

لماذا أراك علي كل شيء

كأنك في الأرض كل البشر



كأنك درب بغير انتهاء

وأني خـلـقـت لهذا السفر‏..‏

إذا كنت أهرب منك‏..‏ إليك

فقولي بربك‏..‏ أين المفـر ؟‏!‏

‏'‏من قصيدة بقايا بقايا سنة‏1983'‏