Loading

الأربعاء، 17 فبراير، 2010

هوامش حرة : جوائز الدولة‏..‏ ووزراء آخر الزمان

هوامش حرة



جوائز الدولة‏..‏ ووزراء آخر الزمان



يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




في مصر لعنتان‏..‏ لعنة الفراعنة وهي تاريخ طويل‏..‏ ولعنة الوزارة وهي ظاهرة معاصرة‏..‏ إن الوزير يأتي إلينا إنسانـا بسيطـا متواضعـا مسالما‏..‏ وسرعان ما يتفرعن ويصبح إنسانا آخر يأخذ صورة الفراعنة القدامي علي جدران المعابد‏..‏



عندما طلب سيدنا موسي عليه السلام من الخالق سبحانه وتعالي أن يجعل له وزيرا من أهله في مصر المحروسة لم يكن يتصور أن الوزراء في مصر بعد ذلك سيضعون أنفسهم في مراتب الأنبياء‏..‏ ولكن هناك شواهد كثيرة تؤكد أن الوزير في مصر الآن أصبح فوق الحساب وفوق العقاب وأكبر من أن يسأله أحد‏..‏



ماذا يعني أن تقرر لجنة علمية تضم‏28‏ عالما متخصصا جميعهم حاصلون علي جائزة مبارك وجائزة الدولة التقديرية هذه اللجنة قررت منح جائزة الدولة التقديرية في العلوم وليس في كرة القدم للدكتور هاني الناظر رئيس المركز القومي للبحوث أكبر مؤسسة علمية في مصر‏,‏ ولكن قرار اللجنة لم يعجب وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي د‏.‏هاني هلال وقرر الوزير حجب الجائزة وحرمان د‏.‏ الناظر من الحصول عليها دون إبداء الأسباب‏..‏ بماذا نسمي هذا السلوك‏..‏ وكيف يسمح وزير مسئول لنفسه أن يدير شئون وزارته بهذا الأسلوب وكأنه يدير سوبر ماركت‏..‏ أو مطعما في حي شعبي‏..‏ هذا ما حدث في الأسبوع الماضي‏..‏ وإليك قصة ما حدث دون تفصيل ممل‏..‏



في جوائز الدولة التقديرية وجائزة مبارك في العلوم تأتي الترشيحات من جهات علمية متخصصة من بينها الجامعات والمراكز البحثية‏..‏ ولا يجوز أن يتقدم أحد للترشيح بصفته الشخصية للجائزتين وتكون الخطوة الثانية هي قبول الترشيح من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وهو إجراء إداري‏..‏



هناك أربعة تخصصات في جوائز الدولة‏..‏ هي العلوم الطبية‏..‏ والعلوم الزراعية‏..‏ والعلوم الهندسية‏..‏ والعلوم الأساسية‏..‏



هناك أيضا أربع لجان لهذه التخصصات‏..‏ تتكون كل لجنة فيها من‏7‏ علماء في هذا التخصص‏..‏ وهذه اللجان العلمية هي التي تتولي مسئولية الاختيار بين المرشحين لكل جائزة بناء علي تقييم علمي شامل وتقارير كاملة حول المشوار العلمي للمرشح وحجم إضافاته وأحقيته بالجائزة‏..‏



كل لجنة من هذه اللجان تختار اثنين من المرشحين حسب ما تراه علي أسس من التقويم العلمي المحايد‏..‏



بعد إتمام الترشيحات في اللجان الأربع يتم اختيار اثنين من المرشحين لاختيار مرشح واحد فقط منهما للحصول علي الجائزة‏..‏ بعد ذلك يتم رفع هذه الترشيحات إلي اللجنة العليا للجوائز بأكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا وهي التي تختار الحاصلين علي جائزة مبارك وجائزة الدولة التقديرية وهما أكبر جائزتين في مصر والمفروض أن قرارها من حيث التقويم العلمي والأكاديمي قرار شبه نهائي‏..‏



هذه اللجنة العليا تضم‏29‏ عالما جميعهم حاصلون علي جائزة مبارك وجائزة الدولة التقديرية‏..‏ ومن خلال الترشيحات تختار اللجنة مرشحا واحدا تمنحه الجائزة من بين الأسماء التي وردت إليها من اللجان الفرعية الأربع‏..‏ وهنا يتم اختيار مرشح واحد في كل تخصص‏..‏ إن المتبع في الحالات السابقة أن قرار اللجنة العليا بمنح الجائزة لمرشح ما‏..‏ قرار نهائي لأنها لجنة من العلماء ومن بينهم علي سبيل المثال الدكاترة إبراهيم بدران‏..‏ وأحمد حمزة‏..‏ وحسن محمود إمام‏..‏ وأحمد جويلي وعطية عاشور وخيري عبد الدايم ومحمد غنيم‏..‏ وممدوح جبر‏..‏ وحسين عبد الرحمن‏..‏ وعبد العال مباشر‏..‏ ولطفي عبد الخالق‏..‏ وسعد زكي نصار‏..‏ هذه النخبة من علماء مصر الأجلاء تتكون منهم هذه اللجنة‏..‏ ولم يحدث في تاريخ الأكاديمية أن رشحت اللجنة اسما وأسقطته الأكاديمية أو اعترضت علي ترشيحه ولم يحدث في تاريخ الجوائز العلمية أن اعترض وزير علي ترشيحات هذه اللجنة العلمية المحترمة‏..‏



بعد ذلك يعتمد مجلس الأكاديمية الترشيحات التي تقدمها اللجنة ويوافق عليها وهي موافقة إدارية وليست علمية‏..‏ وهذا المجلس يرأسه وزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي‏..‏



قبل أن تعلن الجوائز‏..‏ وقبل أن يوافق مجلس الأكاديمية علي الترشيحات استدعي د‏.‏هاني هلال أعضاء اللجنة العليا للجوائز ووزع عليهم البيانات الخاصة بالدكتور هاني الناظر وأبدي أعتراضه صراحة علي الترشيح دون أن يبدي أسباب هذا الاعتراض غير أنه ذكر لأعضاء اللجنة الذين حضروا الاجتماع وكان عددهم‏22‏ عضوا من بين‏29‏ هم الأعضاء بالكامل‏..‏ قال الوزير‏..‏ أن الجائزة تسربت أخبارها‏..‏



ولا أدري هل هناك علاقة بين ذلك وبين تسريب أسئلة الثانوية العامة في محافظة المنيا وأن هناك شكاوي من بعض أعضاء اللجنة العليا‏..‏ ولكن أعضاء اللجنة رفضوا كلام الوزير برغم أنه لوح في قراره بطريقة غريبة بأجهزة الأمن وجهات سيادية عليا‏..‏ وانتهي الاجتماع بين الوزير وأعضاء اللجنة في منتصف الليل دون أن يصل الطرفان إلي اتفاق‏..‏ أصر أعضاء اللجنة العليا علي ترشيح د‏.‏هاني الناظر‏..‏ وأصر الوزير علي رفض هذا الترشيح‏..‏ وهنا اقترح الوزير حجب الجائزة‏..‏ ولكن أعضاء اللجنة أصروا علي عدم حجب الجائزة‏..‏ وفي اليوم التالي رأس وزير التعليم العالي د‏.‏هاني هلال اجتماع مجلس أكاديمية البحث العلمي وأعلن قائمة الجوائز بعد أن حذف منها اسم هاني الناظر من الفائزين‏..‏



وقرر حجب الجائزة‏..‏

هذا ما حدث في جوائز البحث العلمي هذا العام‏..‏ وهنا أتوقف عند بعض الملاحظات‏..‏


*‏ أن هذا الموقف يفتح أبوابا كثيرة للتشكيك في موقف السادة الوزراء من جوائز الدولة حجبا أو منعا أو تأييدا لأن الذي يمنع أولي به أن يمنح‏..‏ وهذه الحقيقة تؤكد شواهد كثيرة عن تدخل السادة الوزراء في جوائز الدولة دون مراعاة لأخلاقيات أو ضمائر‏..‏ وفي هذا العام نحن أمام نموذج صارخ للرفض لوزير التعليم العالي والدولة للبحث العلمي‏..‏


*‏ أن وزير التعليم العالي لم يقدر قرار اللجنة العلمية العليا بكل من فيها من علماء بمنح الجائزة للدكتور هاني الناظر‏..‏ إذا كان الرفض لأسباب علمية فالوزير لا يصح أن يكون حكما فيها بحكم التخصص فهو أستاذ في الهندسة‏,‏ كما أن قرار الوزير لا ينبغي أن يلغي قرار‏22‏ عالما من بين‏29‏ عالما وافقوا علي هذا الترشيح‏..‏


*‏ أن الوزير بحكم رئاسته لمجلس الأكاديمية أصدر قرارا بحجب الجائزة معتمدا في ذلك علي أصوات الموظفين التابعين لإدارته وليس علي أصوات علماء متخصصين في فروع العلم المختلفة‏..‏ وفي ذلك إهدار لقيمة العلم ومكانة العلماء‏..‏


*‏ لماذا يلجأ كبار المسئولين عندنا إلي استخدام مسميات أجهزة أخري لا علاقة لها بما يثار من قضايا‏..‏ ما علاقة أجهزة الأمن بجوائز الدولة‏..‏ وما علاقة أجهزة سيادية بترشيحات هذه الجوائز‏..‏ إذا كانت هذه الأجهزة تتدخل فليس هذا اختصاصها وإذا كان الوزير يدعي ذلك فيجب أن يحاسب حتي لا يسيء لأطراف أخري لا علاقة لها بالقضية من قريب أو بعيد‏.‏ لقد كنت دائما ضد حصول المسئولين علي جوائز الدولة وهم في مناصبهم وهذا ينطبق علي حالة د‏.‏ الناظر وكان ذلك يتطلب وقف الترشيح من البداية وليس إلغاء قرار لجنة علمية بعد استكمال كل الإجراءات العلمية والإدارية والقانونية طبقـا للوائح الخاصة بجوائز الدولة‏..‏


*‏ أن ما حدث يسيء إلي صورة جوائز الدولة المصرية بصفة عامة‏..‏ وحين يرفض وزير مسئول رأي العلماء المتخصصين ويفرض رأيه بقرار إداري ضاربا عرض الحائط بكل قواعد العلم والاختصاص وهو يحمل اسم وزير التعليم والدولة للبحث العلمي فانه بذلك يسيء للجوائز ويسيء أكثر لمنصب الوزير‏..‏


*‏ في أكثر من مناسبة كانت هناك شواهد كثيرة تؤكد تدخل الوزراء في جوائز الدولة منحا أو منعـا‏..‏ وما حدث في جوائز هذا العام في وزارتي الثقافة والبحث العلمي يؤكد هذه الظنون‏..‏ منعت وزارة التعليم العالي الجائزة عن د‏.‏ هاني الناظر‏..‏ ومنحت وزارة الثقافة الجائزة التقديرية للدكتورة نعمات أحمد فؤاد وهي مرشحة للجائزة منذ ما يقرب من عشرين عاما‏..‏ وحصلت عليها هذا العام بسبب مرضها وانسحابها من الحياة العامة‏..‏ وكان السبب الرئيسي في عدم حصولها علي الجائزة في سنوات سابقة موقفها من قضايا تخريب الآثار في وزارة الثقافة‏..‏ ألم أقل لكم إن بعض الوزراء عندنا تصوروا أنفسهم أنبياء وأنهم يتعاملون مع شئون الدولة كأنهم يديرون أملاكـا خاصة‏..‏ حين تسقط هيبة العلم والعلماء وهيبة الثقافة في مجتمع من المجتمعات أمام سلطة القرار قل علي الأرض السلام‏..‏


*‏ لنا أن نتصور الآن حجم الصراع الدائر بين ثلاث جبهات‏..‏ وزير مسئول عن التعليم‏..‏ ولجنة تضم أكبر علماء مصر‏..‏ ورئيس أكبر مؤسسة علمية في مصر‏..‏ والسبب في ذلك كله رغبة من السيد الوزير ألا يحصل مواطن مصري علي جائزة من الدولة وكأن هذه الجوائز تعطي بفرمان من معالي الوزير وليس من لجنة علمية لها احترامها‏..‏ لنا أن نتصور هذه الصورة القبيحة أمام العالم وأمام أنفسنا‏..‏ وزير مسئول عن تعليم شعب‏..‏ ومسئول علمي رفيع يحرم من جائزة يستحقها ولجنة من أكبر العلماء لا يحترم أحد قراراتها‏..‏



إذا كان د‏.‏ هاني الناظر لا يستحق جائزة الدولة التقديرية في العلوم وهو علي رأس أكبر مؤسسة علمية في مصر فيجب أن يترك موقعه فورا‏,‏ وإذا كان د‏.‏هاني هلال وزير التعليم العالي قد أخطأ في قرار حجب الجائزة وحرمان الناظر منها وإهدار قرار لجنة علمية مسئولة فيجب أن يتحمل الوزير مسئولية قراره‏..‏ ويرحل‏..‏

‏‏fgoweda@ahram.org.eg‏






..‏ ويبقي الشعر



وإن زارنـا الشوق يومـا ونــادي

وغـني لـنـا ما مضي واستعــــــــــادا

وعاد إلي الـقـلـب عهد الـجــنون

فـزاد احتراقـا وزدنـا بـعــــــــــــــــادا



لـقـد عاش قلبـي مثــل النـســـيــم

إذا ذاق عطـرا جميلا تـهـــــــــــــادي

وكـم كـان يصرخ مثــل الـحـريق

إذا ما رأي النـار سكـري تـمـــــــــادي



فهل أخطـأ الـقـلـب حين الـتـقـينـا

وفي نـشوة الـعشق صرنـا رمـــــــادا

كؤوس تـوالـت علـينــا فـذقـنـــــــا

بـها الـحزن حينـا‏..‏ وحينـا سهـــــــادا



طـيور تـحلــــق في كــــل أرض

وتـخـتــــــــار في كـل يوم‏..‏ بــــلادا

تـوالت عـلي الروض أسراب طـير

وكـم طار قـلـبي إليهـــا وعـــــــــــــادا



فرغـم اتـساع الـفـضاء الـبعيــــــد

فـكـم حن قـلـبـي‏..‏ وغـنـي‏..‏ ونـادي

وكـم لـمتـه حين ذاب اشتياقـــــا

ومــــــــــا زاده اللـــوم إلا عنــــــــادا




'‏من قصيدة كبرياء سنة‏2002'‏