Loading

الجمعة، 5 فبراير، 2010

درس في الانتماء

هوامش حرة

درس في الانتماء

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة




إذا كنا قادرين علي أن نفرح وفي حياتنا أشياء كثيرة يمكن أن تفرحنا‏..‏ فلماذا كل هذه الكآبه‏..‏ ولماذا كل هذا الحزن‏..‏ ولماذا كل هذه المشاعر من الإحباط‏..‏ وقبل هذا كله إذا كنا قادرين علي أن نحقق النجاح فلماذا يجتاحنا الفشل في مواقع كثيرة‏..‏ سألت نفسي هذه الأسئلة وأنا أشاهد فرحة الشارع المصري بل والعربي وهو يحتفل بشبابه العائد بكأس الأمم الأفريقية‏..‏ وكان السؤال الأهم لماذا كان النجاح‏..‏ ولماذا يكون الفشل‏..‏

في أحيان كثيرة وسط الظلام الدامس تخرج علينا نقطة ضوء قوية ومؤثرة وجاذبة تهز وجداننا وتزلزل مشاعرنا ونتساءل كيف خرج النور من كل هذا الظلام‏..‏

ليست لي علاقة قوية بكرة القدم ولكنني أتحمس كثيرا للمباريات التي تحمل أسم مصر وأراها من طقوس الوطنية ليس بالنسبة لنا فقط لأن ذلك يحدث في كل بلاد الدنيا التي تدرك قيمة شيء عظيم أسمه الوطن‏..‏ وقد شجعنا في مصر كل الفرق العربية التي شاركت في مباريات كأس العالم في سنوات سابقة رغم أن فريقنا لم يكن من بينها‏..‏

وفي أحيان كثيرة كنا نقول إن مشاعر الانتماء لدي الأجيال الجديدة قد تراجعت وتسمع كل جيل وهو يقول عن نفسه كنا آخر الأجيال التي شعرت بالانتماء لهذا الوطن‏..‏ ولاشك أن من حق كل جيل أن يعتز بتجربته وتاريخه ولكن ليس من حقه أن يدعي أنه كان أكثر الأجيال انتماء وحبا لهذا الوطن‏..‏



وفي تقديري أن الانتماء إحساس ينبت داخلنا ويأخذ أشكالا شتي عبر سنوات العمر ورحلة الحياة وقد يظهر في أي نشاط إنساني يقوم به البشر لا يختلف فيه الفلاح في حقله عن العامل في مصنعه عن الكاتب في صومعته أو اللاعب في مباراة تحمل اسم الوطن‏..‏



وفي أحيان كثيرة تراجعت مشاعر الانتماء وكانت وراء ذلك أسباب عديدة‏..‏ أول هذه الأسباب أن الانتماء علاقة مشتركة وليست علاقة من طرف واحد وأن المقولة الشهيرة حب الوطن فرض عليه ليست صحيحة بالمرة فلكي يصبح الحب فريضة علي الإنسان لابد وأن يكون حبا من طرفين وليس من طرف واحد‏..‏



ولهذا فإن الانتماء بمعناه الحقيقي يعني أن هناك حبا بين طرفين وأن الوطن الذي أحبه بحبني أكثر وأن الأرض التي أعطيتها عمري قد أعطتني ما هو أكثر‏..‏ أما إذا أقتصر الأمر علي عطاء من طرف واحد وجحود من طرف آخر فإن المعادلة خاسرة هناك أرض بخيلة مهما غرست فيها لا تنتظر منها غير الجحود‏..‏ وهناك أرض سخية تعطيك بلا حدود وشتان بين هذه وتلك‏..‏



ولأن فريقنا القومي في غانا كان يشعر بهذه العلاقة المتبادلة بينه وبين الوطن الذي حمل اسمه كان الأداء صادقـا وكان الانتماء في أعلي درجاته اخلاصـا وتضحية‏..‏ هذه العلاقة في المشاعر والاحتواء والعطاء هي التي جعلت الفريق المصري يؤدي هذا الأداء الرائع‏..‏ كان كل لاعب يشعر بهذا الحب الذي حملته له الجماهير‏..‏ وهذا الدعم الذي قدمته الدولة‏..‏ وهذا العائد الذي تحقق للجميع من وراء ذلك كله‏..‏ هنا اتحدت مصلحة الوطن في أن يحقق نصرا مع مصلحة الدولة في أن تكسب كأسا مع مصلحة اللاعب في أن يكون وراء هذا الإنجاز‏..‏ لا يمكن لنا أن نتجاهل التقدير المعنوي في حب الجماهير ومساندة المسئولين ودعمهم أو التقدير المادي الذي جعل كل لاعب يشعر بالسعادة والفخر والاكتفاء‏..‏ ثم تجسد هذا التقدير المعنوي في استقبال الرئيس مبارك للفريق الفائز في مطار القاهرة‏..‏



هذا الانتماء ترتب عليه إحساس آخر أكبر وأعلي وهو الإيمان الذي جعل اللاعبين يسجدون لله شكرا‏..‏ وهذا الإيمان الفطري وصل باللاعبين إلي درجة من اليقين توحدت فيها مشاعر الانتماء مع الإيمان مع اليقين في النصر‏..‏



كانت الدائرة الثالثة في هذه الثلاثية هي الجزاء وقد يكون الجزاء طيبا أو غير طيب وهذا يعني أن الذين قدموا للفريق كل هذه الاشياء سيضعونه حتما في موقف الحساب‏..‏ إما التكريم أو الإدانة‏..‏ لأن من قدم كل هذه الأشياء المعنوية والمادية والأدبية من حقه أن يحاسب وهنا نأتي إلي تأكيد معني الانتماء أنه ليس علاقة من طرف واحد فمن حقي أن يحاسبني الوطن الذي أعطاني إذا قصرت ومن حقي أنا أيضا أن أحاسب هذا الوطن الذي لم يكافئني حينما أنجزت وكان بخيلا في وقت أسرفت أنا في العطاء‏..‏

ولأن هذه الثلاثية الانتماء والإيمان والحساب توافرت في معادلة الفريق القومي في غانا نجح الفريق بامتياز ونجح اللاعبون وقدموا أقصي ما عندهم‏..‏ وقبل هذا وذاك كان هناك ضمير يقف وراء ذلك كله وهو الحساب‏..‏ سواء حساب الجماهير أم حساب المسئولية أم الحساب أمام الله‏..‏ كانت هذه في تقديري الثلاثية التي حكمت المصري الأصيل حسن شحاتة ونجوم فريقه الثلاثة والعشرين وهذه المنظومة الجميلة من المجلس الأعلي للرياضة برئاسة حسن صقر وسمير زاهر والهواري‏..‏ وكل نجوم الفريق القومي‏..‏ أحمد حسن وأبو تريكه والحضري وزيدان ومتعب وحسني وفتحي ومعوض وجمعه وشادي وهاني سعيد ومحمد شوقي وإبراهيم سعيد‏.‏

*‏ ولو أننا رصدنا هذه المنظومة في حياتنا سوف نكتشف أنها قليلة جدا بل نادرة‏..‏ لو أن كل مسئول في أي موقع تنفيذي سأل نفسه عن معني الانتماء قبل أن يبيع مصنعا بتراب الفلوس ويحرم أجيالا من حقها في العمل ما هانت عليه هذه القلاع من أصول الدولة المصرية التي بيعت في السنوات العجاف‏..‏

لو أن هذا المسئول فكر لحظة في المال الحلال والمال الحرام ما بدد ثروة شعب أمام قرارات خاطئة وأطماع لا تفرق بين حقوقه وحقوق الآخرين‏..‏ ولو أن هذا المسئول كان يخشي أن يكون هناك شيء اسمه الحساب لتردد ألف مرة قبل أن يوقع قرارا خاطئـا أو يضع سياسة تفتقد الشفافية‏..‏

كنا نردد أحيانـا أن شبابنا بلا انتماء ولكن يبدو أن الحقيقة تقول ان الذين يتشدقون كثيرا بكلمة الانتماء هم الذين يعانون بالفعل من انيميا الانتماء لأن الانتماء الحقيقي ليس بالكلام والأغاني ومانشتات الصحف ولكنه بالفعل والانجاز‏..‏ لو أن منظومة الفريق القومي الذي لعب بها في غانا أصبحت سمة مجتمع نسي الانتماء وتنكر للإيمان وافتقد كل اعتبارات الحساب لأصبحت مصر شيئـا آخر غير ما نراه الآن‏..‏

إن الفريق القومي لم يحقق معجزة إنسانية ولكنه ضرب لنا مثلا في المعني الحقيقي للانتماء والإيمان والحساب‏..‏ وهذا ما نحتاجه في مصر في كل مواقع العمل‏..‏ ما أكثر الخطط التي بقيت حبرا علي ورق حيث لم يتوافر لدي المسئولين عنها صدق الأداء والإيمان بما يفعلون والخوف من الحساب‏..‏ وما أكثر المشروعات التي أجهضها الارتجال والاتكالية وأساليب الفهلوه وغياب القدوة‏..‏ يستطيع كل موقع عمل في مصر أن ينجز ما حققه شبابنا في غانا ولكن كيف يتحقق ذلك في مجتمع تنكر لهذه القواعد‏..‏

إن الشباب الذي لعب في غانا هم أبناء البسطاء من العمال والمهنيين والفلاحين ولم تكن هناك وساطات في اختيارهم أو امتحانات مفبركة لتأهيلهم أو اعتداء علي حقوق الآخرين وحين تتوافر معايير الكفاءة والمقدرة والتميز وتحقيق العدالة تتحقق الأهداف وترتقي الأمم‏..‏ ما حدث في غانا درس ينبغي أن تتوقف عنده أجهزة الدولة المصرية لأنه يؤكد المعني الحقيقي للانتماء ويفرق بين أساليب في العمل تحقق النجاح وأخري تصنع الفشل‏..‏

تحية للرجال الذين صنعوا هذه الفرحة في زمن أصبح الفرح فيه زائرا عزيزا‏..‏




 
ويبقي الشعر


من ألـف عام

كنـت أحـلـم أن أطير حبيبتي



مثـل النـوارس‏..‏ أن أسافر كالنـغـم

فالسنـدباد العاشق المجنـون أرقـه الألـم



نـتـجاوز الزمن اللـقيط ونـعـلن الـعصيان

في وجه الدمامة والفـجاجة والسأم



نـغـدو بلا زمن يـكـبـلـنـا

ويلـقي ما تبقــي من رحيق العمر



في كـهف العدم

نـنـساب كـالأشواق



حين يضمنـا دفء الحنين

فلا وداع‏..‏ ولا فراق‏..‏ ولا نـدم

‏'‏ من قصيدة امرأة من ألف عام سنة‏1993'