Loading

الخميس، 4 فبراير، 2010

امرأة من ألف عام


من ألف عام

 

كنت أحلم أن أرى امرأة



تحلق في سمائي كالفراشة



فيها جنون الموج



حين يعانق الشطآن في دفء ارتعاشة



في صوتها وتر إذا انطلقت بلابله



يصير الكون اغنية خجولة



تنساب كالأنهار في صحراء عمري



تملأ الدنيا بضحكات الطفولة







* * *







من ألف عام عشت أرسم صورة امرأة



أرى في وجهها كل الفصول



وجه الربيع



إذا ارتدت أغصانه الخضراء لون الورد



وانتفضت سنابله و هامت في الحقول



فيها جنون الصيف و الأيام تلقى ثوبها



وتدور ترقص عاريات



بين أصداء الطبول



فيها شتاء حائر



يمضي على الطرقات ينظر للمدى



ويعود يرقب في الجليد مصيره المجهول



فيها خريف لا ينام إذا بدت



نذر الرحيل



و لفت الأشجار أشباح الذبول







فيها تعانقني الحقيقة كلما



عصفت بنا الظلمات في الليل الجهول



فيها أرى نفسي



حنين الطير أصرار الخيول



فيها وداعة قطتي البيضاء



حين تنام كالأطفال في صدري الخجول



كم عشت أحلم



أن أرى امرأة على شطآنها



ألقي الرحال و استريح دقيقة



من عالم مخبول







* * *







من ألف عام



عشت أرسم في خيالي



صورة امرأة يخبئها القدر



كانت تطوف مع الليالي كلما



سقطت طيور القمر



و اندثرت كأوراق الشجر



تبدو بلون الفجر أحياناً



وحين تغيب . . . يختنق القمر







فيها لهيب الشمس



فيها سكرة الأمواج



فيها لهفة الأرض الحزينة



لإرتعاشات المطر



فيها حنين العاشقين إذا بدا



طيف الفراق و عاد يدمينا السفر



تخبوا الملامح . . . يستكين النبض



يرحل كالصدى صوت الوتر





في كل يوم كنت أحسب



ما تبقى من زماني



قبل أن تخبو على العينين



أشواق القمر







* * *







من ألف عام



كنت أحلم أن أعانق شهرزاد



و أموت في أحضانها



و يعود يبعثني لهيب الشوق



ناراً كلما خمد الرماد



انسى بها الأحزان و الزمن الكريه



و سطوة الجلاد





في كل يوم كان موج البحر



يلقي للشواطئ وجه بحار غريق



و أنا على الأمواج يحملني



شراع الحلم في الليل السحيق







في آخر المشوار . . . عاد السندباد



رماد بحار تناثر في حريق



لاحت أمام العين لؤلؤة



بلون الصبح تبكي



ضجت الأمواج و ارتجف البريق



و أطل ضوء خافت خلف النجوم



وظل يكبر ثم يكبر



ثم أصبح نجمة بيضاء في وجه رقيق



حملت يدي مثل الفراشة . . . حلقت بالقلب



ضمت حزنه الدامي العميق



ورأيت وجه حبيبتي



بستان ضوء تناثر في المدى



و الكون يرسم في سراب القمر



أضواء الطريق







* * *







من ألف عام



كنت أحلم أن أطير حبيبتي



مثل النوارس . . . أن أسافر كالنغم



فالسندباد العشق المجنون آرقه الألم



نتجاوز الزمن اللقيط و نعلن العصيان



في وجه الدمامة و الفجاجة و السأم



نغدو بلا زمن يكبلنا



ويلقي ما تبقى من رحيق العمر



في كهف العدم



ننساب كالأشواق



حين يضمنا دفء الحنين



فلا وداع ولا فراق ولا ندم







* * *







من ألف عام



عشت أحلم أن أرى امرأة



تعربد في خيالي كالزلزال



وتطيرفي بستان عمري كالفراشة



عندما تغفوا على صدر الجداول



ابني لها عشاً على العينين



اسكنها ضلوع القلب



تكبر في عيوني كالسنابل



و أعود عصفوراً أغني الحب



لحناً للحيارى



أكسر القضبان حولي و السلاسل



الآن يا عمري



دعيني كي أنام على جفونك ساعة



إنى أرى خلف الجدار



فحيح جلاد وقاتل







* * *







من ألف عام كنت نجماً



ربما ضل المسار فضاع في الدنيا وتاه



وتشرد المسكين في الأفق البعيد



فصار أغنية على كل الشفاه



قد كنت قديساً



تخفى في ثياب الطهر أحياناً



وضلله هواه



قد عشت أرصد رحلة الأشواق



في ركب النجوم و لم يزل



قلبي يحن إلى سماه







قد كنت يوماً بعض ضوء



بعض ماء بعض طين



كنت بركانأ تناثر في دماه





أحييت شيئاً في ضمير الناس أيقظهم



و لم أعرف مداه







قد كان لي حلم تألق في خيالي



مات حزناً في صباه



صغرت بنا الأشياء



وانتحرت سنابل قمحنا



و توقف النبض المسافر



في شرايين الحياة







ضاقت حدود الكون في عيني



فأصبح خدعة



حتى ضياء الصبح ما عدنا نراه



كل الذي حولي ضلال كاذب



وخبا يقين القلب و انحرفت خطاه



قد جئت و الأيام حولي أقفرت



و القلب يجمع ما تناثر في شبابي



تحت أقدام الطغاة







و الآن جئتك غريقاً



و كل ما ابغيه من عينيك طوق النجاة



ما زال في الايام شئ من رحيق



فاحمليه الآن بين يديك





عمر الحب ما أحلاه



ولتسكري من نشوة الشوق المسافر في جوانحنا



فبعض العشق يا عمري صلاة



عندي يقين أن حبك آخر المشوار



و أن لديك وحدك منتهاه







* * *







في آخر المشوار



يبدو وجهك المنقوش في زمن البراءة



ضوء صبح في يدي



لم يبق عندي الآن غير مواكب الذكرى



وقنديل تناثر في في رماد الموقد





داست خيول الليل أحلامي



وراحت تنشر الموت البطئ



على بقايا مرقدي



قد خانني الزمن اللقيط



أضاع مني الأمس . . . شردني



و انكر مولدي



سرق الزمان البكر . . . ضللني



و أسقط معبدي



و أفقت من سكر الضلال



وجئت عندك أهتدي



لا تحرميني من غدي







* * *





من ألف عام



عشت أرسم صورة امرأة



أعيد بها الزمن



و يكون وجه حبيبتي



هو ما تبقى من زمان الحلم



في هذا الوطن
 
فاروق جويدة 1993