Loading

الجمعة، 5 فبراير، 2010

مصر علي الشاشة

هوامش حرة

مصر علي الشاشة

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


بقدر إعجابي الشديد بصحوة السينما المصرية في الشهور الأخيرة بقدر خوفي من هذه الصورة الكئيبة والمخيفة والدامية التي نقلتها كاميرات السينما عن الواقع المصري بكل جوانب الإحباط فيه‏..‏

إذا كانت السينما بالفعل هي كاميرا الحياة فإن ما شاهدته في هذه الأفلام يمثل إنذارا شديد القسوة لكل صاحب عقل لعلنا نفيق قبل أن يأتي الطوفان‏..‏ أنا هنا لا أتحدث عن تقييم لجوانب فنية في السينما المصرية إخراجا وتصويرا وأداء ولكنني أتحدث عن الرسالة التي حملتها والقضايا التي أثارتها‏..‏
وحتي أكون واضحا فقد شاهدت ثلاثة أفلام تحمل رسالة واضحة وصريحة وهي‏(‏ الجزيرة‏..‏ هي فوضي‏..‏ وحين ميسرة‏)‏ والأفلام الثلاثة جمعت كل أجيال السينما المصرية تقريبا فقد شاهدت فيها العبقري يوسف شاهين والمبدع الجامح شريف عرفة والمغامر الجميل خالد يوسف مع كوكبة من النجوم كان علي رأسهم العملاق محمود ياسين وكتيبة الشباب في مقدمتهم أحمد السقا وخالد صالح وعمرو سعد ومنة شلبي وسمية الخشاب وهالة صدقي وهالة فاخر وهند صبري ونخبة من النجوم‏.‏

قلت انني لن أتحدث عن الجوانب الفنية في الأفلام الثلاثة ولكنني توقفت عند مجموعة من القضايا التي طرحتها هذه الأفلام وهي في تقديري قضايا مجتمع يتآكل من الداخل علي كل مستوياته الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية‏..‏

*‏ أولي القضايا التي تظهر بوضوح في الأفلام الثلاثة هي العلاقة التي توترت كثيرا ووصلت إلي درجة الصدام بين أجهزة الأمن والمواطنين‏..‏ ولاشك أننا جميعا نشعر بهذا التوتر وإن اختلفت الآراء حول أسبابه خاصة ما يتعلق بالأنشطة السياسة وما يدور حولها من تفسيرات‏..‏

أن تاريخ أجهزة الأمن المصرية تاريخ حافل بتضحيات كثيرة من أجل هذا الوطن‏,‏ لقد كانت الشرطة المصرية تمثل درعا يحافظ علي أمن الوطن واستقراره ولكن لعبة السياسة جنحت بهذا الجهاز الخطير في أوقات كثيرة إلي مناطق كثيرة محظورة خاصة ما يتعلق بالحسابات السياسية ومتغيراتها‏..‏ ولم يعد أمن المواطن هو الهدف والغاية ولكن أصبح أمن السلطة في مقدمة كل الحسابات‏..‏ ومن هنا ظهرت تجاوزات كثيرة بعضها ذهب إلي المحاكم وبعضها وجد عقابا حاسما من المسئولين والبعض الآخر تسرب وظهر علي شاشة السينما المصرية ليعكس واقعا غريبا وجديدا علي أجهزة الأمن المصرية في صور كثيرة أقلها خطرا عمليات التعذيب المهينة للمواطن وهذا الزواج الباطل بين بعض قيادات الأمن والمجرمين وتجار المخدرات‏..‏
*‏ القضية الثانية التي ظهرت بقسوة في هذه الأفلام هي العشوائيات‏..‏ ونحن نتصور أن العشوائيات فقط هي أكشاك الصفيح والخشب التي يعيش فيها ملايين المصريين ولكن العشوائيات الحقيقية تتجسد في هذه النماذج المشوهة من البشر التي خرجت من أنقاض هذا المجتمع الغريب المنهار‏..‏ ان هذه العشوائيات هي التي أفرزت ظواهر اجتماعية وسلوكية غريبة وشاذة ومنحرفة أاها أنجبت تجار المخدرات وأطفال الشوارع والنماذج المنحرفة جنسيا والشاذة سلوكيا وفي هذه العشوائيات تجسدت كل مظاهر الضياع في هذا المجتمع الذي فقد الإنسانية والرحمة‏..‏ ولم تكن العشوائيات مقصورة علي هوامش القاهرة ولكنها تنتشر الآن في كل ربوع الوادي‏..‏ ان عشوائيات الصعيد هي الأراضي الخصبة التي تحولت لزراعة المخدرات في الجزيرة الجميلة بدلا من زراعة القمح‏..‏ وبدلا من أن تسعي الحكومات المتعاقبة إلي علاج الأحوال السيئة للمواطنين كانت مواجهة الإرهاب في الصعيد عمليات تصفية لمجتمع كامل وليس مجموعة أفراد خرجوا علي القانون ولم نفرق في معاركنا مع الإرهاب بين جراح يمكن أن تندمل مع الأيام وجراح أخري مازالت تنزف حتي الآن‏..‏
وفي الوقت الذي اتسعت فيه سياسة المنتجعات والقصور والفيلات بملايين الجنيهات كانت العشوائيات في مصر شهادة فشل لحكومات متعاقبة لم تدرك خطورة ما يحدث لأن هذه العشوائيات لم تكن فقط جرائم إيواء للبشر ولكنها جرائم في الأخلاق والسلوك والحياة‏..‏

*‏ القضية الثالثة التي توقفت عندها هي قضية التفاوت الطبقي الرهيب الذي حدث في مصر ولا يمكن أن نقول إنه حدث جاء في غفلة منا حكومة وشعبا ولكنها جريمة مشتركة أدت إلي كل هذه الظواهر الخطيرة في حياة المصريين‏..‏ في الوقت الذي كانت تزداد فيه مساحة العشوائيات في المعادي وإمبابة والهرم ومصر الجديدة وحول الأحياء الراقية كانت المنتجعات التي تحرسها شركات الأمن الخاصة تزداد اتساعا‏..‏ ولم يدرك سكان هذه المنتجعات من أبناء الطبقة الجديدة التي صنعتها الدولة أن الأمن الخاص لا يمكن أن يحمي مجتمعا انقلبت موازين العدالة فيه‏..‏ ان موارد مصر التي نهبتها مجموعة صغيرة جدا من الأشخاص كانت حقـا لسكان العشوائيات والمنتجعات في وقت واحد‏,‏وأن السلام المزعوم الذي سرقوا ثماره من دماء الذين ماتوا وحاربوا لم يكن حقـا للسارقين ولهذا فإن ما يواجه مصر الآن هو اختلال منظومة العدل الاجتماعي‏..‏

لا أدري لماذا ربطت بين هذه الأفلام الجديدة التي أسرفت في الإحباط وتجاوزت كل السقوف وبين الصحافة المصرية المستقلة التي اجتاحت الشارع المصري في الفترة الأخيرة وعبرت بعنف وضراوة عن واقع شديد القسوة تجاهلناه زمنـا طويلا‏..‏ وبقدر ما كانت السنيما المصرية هزيلة وسطحية وغريبة في السنوات الأخيرة أمام الكوميديا الساذجة بقدر ما جاءت الأفلام الأخيرة ضارية في تشخيصها لواقع شديد المرارة‏..‏ وهنا التقت السينما المصرية لأول مرة مع صحافتها المستقلة في مرحلة جديدة تكسرت فيها كل الحواجز وكل الضوابط وكل قواعد اللعبة في الفن والسياسة ووجدنا أنفسنا أمام مجتمعين لا ثالث بينهما‏..‏ بين سلطة رأس المال التي تحميها الحكومة وسلطة رجل الشارع الذي لا يحميه الفقر‏..‏
ولهذا جاءت الحلول في الأفلام الثلاثة من الشارع وهي نبوءة قاسية إذا صدقت‏,‏ لقد جاء الحل في فيلم الجزيرة‏..‏ عندما احترقت الجزيرة الخضراء بالكامل علي يد قوات الأمن وتجار المخدرات حتي تعود لتزرع القمح مرة أخري‏..‏ وفي فيلم هي فوضي اقتحم المواطنون أقسام الشرطة حتي يتخلص الناس من الظلم والجبروت‏..‏ وفي حين ميسرة دمرت قوات الأمن أكوام الصفيح التي تسمي العشوائيات في انتظار مسكن آمن لكل إنسان‏..‏ ورغم التشاؤم الشديد في الرؤي والمواقف والشخصيات فإن ضراوة الواقع الذي جسدته الأفلام الثلاثة يحمل صرخة ينبغي أن تهتز لها أرجاء هذا الوطن وأن تجد صدي واسعا لدينا جميعا حكومة وشعبا قبل فوات الأوان‏..‏





ويبقي الشعر


من ألـف عام كـنـت نـجما‏..‏

ربما ضل المسار فضاع في الدنـيـا وتـاه

وتـشرد المسكين في الأفـق البعـيد



فـصار أغـنية عـلي كـل الشـفـاه

قـد كـنـت قديسا

تـخـفـي في ثياب الطـهر أحيانـا



وضـلـلـه هواه‏..‏

قد عشت أرصد رحـلـة الأشواق

في ركـب النـجوم ولـم يزل



قـلـبي يحن إلـي سماه

قـد كـنـت يوما بعض ضوء‏..‏

بعض ماء‏..‏ بعض طين



كـنـت بركـانـا تـنـاثـر في دماه

أحييت شـيئـا في ضمير النـاس أيقـظـهـم

ولـم أعرف مداه


'‏ من قصيدة امرأة من ألف عام سنة‏1993'‏