Loading

الخميس، 4 فبراير، 2010

في انتظار المجهول

هوامش حرة

في انتظار المجهول

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة



لا يوجد عداء أبدي ولا يوجد سلام دائم‏..‏ فمن كان صديقـا بالأمس يمكن أن يكون عدوا غدا ومن كان عدوا بالأمس يمكن أن يكون صديقـا غدا هذا ما تعلمناه من دروس التاريخ وتجارب الحياة والبشر‏..‏ فما بالك إذا كان الأمر يخص الشعوب والأوطان والأمم‏..‏



وإذا كانت كل هذه المقولات قد اكتسبت شيئـا بل أشياء من الواقع والحقيقة إلا أن الزمن الذي نعيش فيه فرض واقعا جديدا يسمي لغة المصالح وتوزيع الأدوار‏,‏ وإذا كان من الصعب أن يؤدي شخصان دورا واحدا في مسرحية يراها المشاهد في لحظة واحدة‏,‏ فإن أدوار الشعوب تقوم علي معادلة واحدة أما أنا أو الآخر ولا يوجد بينهما بديل ثالث هذه هي لعبة السياسة وموازين القوي‏..‏ بمعني‏:‏ إما أن أقوم أنا بالدور أو أن يقوم به غيري وحتي في لغة المصالح إذا تعارضت الأهداف تبقي الكلمة الأخيرة للطرف الأقوي القادر علي تحقيق أهدافه‏..‏



والذي يتابع مسيرة العلاقات بين مصر وإسرائيل منذ توقيع اتفاقية السلام في السبعينيات لابد أن يضع أمامه عدة اعتبارات ضرورية‏..‏



أول هذه الاعتبارات أننا أمام دولتين قامت بينهما حر‏0‏وب طويلة علي فترات قريبة وأن هذه الحروب لم تكن ظواهر طارئة بل كانت نتيجة صراع حقيقي وكيانات جديدة فرضتها علي الساحة قوي دولية وأن هناك أطرافـا أساسية في هذا الصراع قد دفعت الثمن وأقصد بذلك ضياع فلسطين الدولة العربية الشقيقة المتاخمه لحدود مصر والشعب الفلسطيني الذي تشرد في بلاد الله لكي يقيم في وطنه وعلي أرضه شعب آخر مزروع‏..‏ فنحن هنا أمام صراع تاريخي وأمام معارك وحروب طاحنة خاصة أن هذا الصراع مازالت أسبابه قائمة‏..‏ ان الشعوب لا تستطيع الهروب من أقدارها‏..‏ وقدر الشعوب مجموعة حقائق يصنعها التاريخ وتشكلها الجغرافيا وتسيرها إرادة الشعوب‏..‏ ولهذا لن تستطيع مصر أن تهرب من قدرها ودورها ومسئوليتها حتي لو تصور البعض ذلك‏..‏ ولاشك أن استقبال مصر لأبناء غزة بين ربوعها في الأسبوع الماضي كان تأكيدا لهذه الحقائق‏..‏



أما الاعتبار الثاني أننا أمام أدوار ومصالح قد تعارضت من البداية لأنها قامت علي أنقاض وطن واطلال شعب‏,‏ والدليل أنها تحولت إلي صراع وحروب وإذا كانت الحروب قد هدأت علي احدي الجبهات فإن هذا لا يعني بالضرورة أن الصراع قد انتهي بل أخذ شكلا جديدا‏..‏



أما الاعتبار الثالث أن هذا الصراع وإن كان قد قام علي أسباب تخص فلسطين وشعبها إلا أنه من البداية يمثل تهديدا لمصالح مصر ودورها وأمنها القومي‏..‏ أما أنه يهدد مصالح مصر فالشواهد كلها تؤكد ذلك وأما أنه يتعارض مع دورها فلاشك أنه يسعي إلي تهميش هذا الدور‏,‏ أما تهديد الأمن القومي المصري فهذه قضية لا تحتاج إلي شواهد وأدلة لأن كل ما حولنا من أحداث وخطط ومؤامرات يؤكد هذه الحقيقة كل يوم‏..‏



كل هذه التساؤلات طرحتها في الأيام الاخيرة عمليات التراشق التي حدثت بين مصر وإسرائيل في تصريحات رسمية أو أحاديث بين مسئولين كبار هنا وهناك ولاشك أن النغمة الإسرائيلية كانت غاية في الوقاحة والتجاوز‏,‏ خاصة ما أعلنه وصرح به باراك عقب زيارته الأخيرة للقاهرة‏..‏ لا مجال للحديث عن صراع عسكري بين مصر وإسرائيل في ظل اتفاقية السلام فلا أحد يتحدث عن ذلك ولكن لا ينبغي أن نسقط من قاموس حياتنا كلمة الصراع لأنه حقيقة موجودة ومؤكده والصراع ليس بالضرورة يعني عملا عسكريا ولكن له بدائل أخري كثيرة ومؤثرة‏..‏



وكان ينبغي منذ فترة طويلة أن نحسب الآثار التي ترتبت علي عملية السلام مع إسرائيل من مكاسب وخسائر‏,‏ والشيء المؤكد أن مكاسب إسرائيل في عملية السلام كانت أكبر بكثير مما حصلت عليه مصر خاصة إذا كان الحديث عن الدور والمسئولية والتهميش المتعمد والغياب العربي والاختراق الإسرائيلي لكل شيء وقبل هذا كله تقف سيناء الخالية وهو أخطر ما في القصة‏..‏



هنا نصل إلي أخطر وأهم جوانب هذا الصراع وهي سيناء التي لم تتغير في شيء منذ تركتها القوات الإسرائيلية المحتلة‏..‏ ان بقاء سيناء ربع قرن من الزمان بهذه الصورة كان أكبر الخسائر التي لحقت بمصر في عملية السلام وهو أخطر ما يهدد أمنها القومي‏..‏ عندما كانت إسرائيل تحتل سيناء كان من الممكن السكوت عما يحدث فيها علي أساس أنها أرض محتلة‏,‏ ولكن بعد أن عادت سيناء فلا يوجد مبرر واحد لاهمالها بهذه الصورة لأن ذلك يدخل في نطاق الاستخفاف بالأمن القومي لمصر‏..‏ أن سيناء الخالية في ظل صراع رهيب علي كل شبر من الأرض في المنطقة كلها يمثل حالة اغراء صريحة وواضحة للطامعين وما أكثرهم حولنا‏..‏ وسيناء الخالية من البشر والمشروعات أكبر خسائر مصر الاقتصادية في وقت نتحدث فيه عن أزماتنا مع الطعام والشراب والبطالة‏..‏ وسيناء الخالية جريمة تاريخية إذا بقيت علي ما هي عليه وجريمة وطنية إذا وجدنا أنفسنا يوما غير قادرين علي الدفاع عنها وجريمة اقتصادية لأن كل شبر فيها يمثل موردا اقتصاديا نحن في أشد الحاجة إليه‏..‏ وهنا نرجع إلي بداية الحديث وهو قضية الصراع لأن مصر القوية هي القادرة أولا علي الحفاظ علي دورها ومسئوليتها ومصالحها‏..‏ ومصر القوية هي التي تستطيع أن تتجاوز مشاكلها وأزماتها من خلال استثمار حقيقي لمواردها وما يحدث في سيناء يؤكد أننا نسير في الطريق الخطأ وأننا بعد أكثر من ربع قرن من الزمان لم نتعامل مع سيناء بصورة تضمن أمن واستقرار ومصالح هذا الوطن‏..‏



لا ينبغي أن تبقي سيناء نقطة ضعف مؤكدة في جسد مصر ولهذا يجب أن نضع من الضمانات والإجراءات ما يضمن حماية هذا الجسد من أي دمار قادم‏..‏



ان الامر لا يحتاج لأكثر من نظرة امينة وواقعية لهذا الجزء العزيز من الوطن لقد طلب الرئيس مبارك من كل حكومات مصر تقريبا منذ عودة سيناء أن يدفعوا إليها بخمسة ملايين مواطن مرة واحدة حتي ولو عاشوا في العراء‏..‏ ولم تنفذ حكومة واحدة شيئـا مما طلبه الرئيس‏..‏ وإذا كان في مصر أكثر من ست ملايين عاطل يبحثون عن عمل وهم في سن الشباب فليذهب هؤلاء إلي سيناء تحت أي برنامج أو أي خطة أو أي مشروع ليكونوا مصدر ثراء لهذا الوطن ومصدر قوة لحمايته فليس هناك سلام دائم‏..‏ ولكن توجد قوة البشر وهي الوحيدة القادرة علي حماية أوطانها‏..‏ ان حالة الصمت والتجاهل التي تحكم علاقتنا كوطن بسيناء قضية تثير الكثير من الشكوك والهواجس حول هذا الموقف المريب وكأننا ننتظر شيئـا مجهولا لا نعلمه نحن‏..‏ وقد يعلمه الآخرون‏..‏



فإلي متي سنظل في انتظار هذا المجهول؟‏!.‏






ويبقي الشعر

من ألف عام

عشت أرسم في خيالي

صورة امرأة يخبـئـها القدر



كانت تطوف مع اللـيالي كلــما

سقطت طيور العمر

واندثـرت كأوراق الشجر



تبدو بلـون الفـجر أحيانـا

بلون الـحزن أحيانـا

وحين تغيب يختنق القمر‏..‏



فيها لهيب الشمس

فيها سكـرة الأمواج

فيها لهفة الأرض الـحزينة



لارتعاشات المطر‏..‏

فيها حنين العاشقين إذا بدا

طيف الفراق وعاد يدمينـا السفر



تخبو الملامح‏..‏ يستكين النبض

يرحل كالصدي صوت الوتـر

في كل يوم كنت أحسب



ما تبقــي من زماني

قبل أن تخبو علي الـعينين

أشواق الـعمر


'‏ من قصيدة امرأة من ألف عام سنة‏1993'‏