Loading

الأحد، 7 فبراير، 2010

أفكار عظيمة‏..‏ في زمن صغير

هوامش حرة

أفكار عظيمة‏..‏ في زمن صغير

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة





ليس كل من عارض وزيرا أو أنتقد مسئولا عدوا للنظام‏..‏ وليس كل من دبج المدائح وحمل المباخر ورقص علي كل الحبال ودق الصاجات‏..‏ صديقا للنظام‏..‏ إن الذي يحسم ذلك كله هو درجة المصداقية والحرص علي مصالح الوطن حتي وإن اختلفنا حولها هدفا ونتيجة‏..‏ ما أكثر السلبيات التي تحملها النظام من دعاوي المدافعين عنه بالحق والباطل‏..‏ وما أكثر خسائر النظام بسبب مواقف صغيرة كان من الممكن أن نعالجها بحكمة تحفظ أقدار الناس وترسي القيم الحقيقية للحوار بعيدا عن التجريح أو المديح‏..‏ وما بين التجريح والمديح تبقي مسافة ما تفصل بين المعترضين بنزاهة والمؤيدين بسفه‏..‏
لقد حملنا تراثـا طويلا من التقسيمات السياسية والفكرية التي لم تحركها أفكار‏,‏ ولكن حركتها في معظم الأحيان مصالح وحسابات وللأسف الشديد أننا خسرنا في كل الحالات‏..‏ وكانت الخسائر عادة تتجسد في تلك النتائج الهزيلة رغم أن الحلم كان كبيرا‏..‏ ومازال هذا الانقسام يمثل أخطر أمراض المجتمع المصري ما بين أهل الثقة وأهل الخبرة‏..‏ ما بين أصحاب الوطن وأعداء الوطن‏..‏ وبمعني آخر بين من يعتبرهم النظام أعداءه‏..‏ ومن يضعهم في صفوف المدافعين عنه‏..‏

ولا أعتقد أن الدفاع بالحق والباطل يفيد أحدا‏..‏ ولا أعتقد أيضا أن الهجوم بهدف الهجوم يمكن أن يضيف شيئـا‏..‏

يوم أن بشرنا بالاشتراكية خرج علينا أصحاب المصالح وتجار المناسبات وأنقسم المصريون إلي فئتين أحباب الشعب‏..‏ وأعداء الشعب‏..‏ ودخل المعارضون السجون والمعتقلات كل حسب ترتيبه ودوره‏..‏ مرة الشيوعيون‏..‏ ومرة الإخوان المسلمون ومرات كثيرة الاثنان معا‏..‏ وفي ظل هذا المناخ استفادت قلة قليلة وبقيت التقسيمات والصراعات بين من أعطوا أنفسهم الحق في الحديث بأسم الوطن‏..‏ ومن كانوا ضحايا هذا الوطن‏..‏ ولم تكن الاشتراكية فكرة عظيمة أو حلما مشروعا للناس ولكنها تحولت إلي مكاسب للبعض‏..‏ وكارثة علي البعض الآخر‏.‏
وفي سنوات قليلة غاب هذا الحلم وتحول إلي كابوس طويل‏..‏ لقد كفرنا بالاشتراكية وبدأنا الحديث عن سلبياتها وأنها حققت العدالة في الفقر ولم تحقق الاكتفاء بالغني‏..‏ وسقط مشروع الاشتراكية بين من أيدوا النظام واستفادوا وبين من عاداهم النظام وضاعوا‏..‏ وفي كل الحالات كانت الاشتراكية هدفـا عظيما اختلفنا عليه وذهبت الاشتراكية وبقيت الخلافات والتقسيمات وحسابات المصالح بين الربح والخسارة‏..‏
مع حلم الاشتراكية كان هناك حلم النضال والتحرير والكرامة ومع نكسة‏67‏ تبخرت كل هذه الأفكار العظيمة وتلاشت مع رحيل رموزها‏..‏ وإذا كانت الاشتراكية والعدالة الاجتماعية قد سارت بالتوازي مع أحلام الحرية والمقاومة فقد جاء نصر أكتوبر يجسد حقيقة النضال والنصر واستعادة الكرامة‏.‏ ولكن سرعان ما جاء وافد جديد أسمه الانفتاح الاقتصادي ليضع منظومة أخري لفكر آخر‏..‏ ومجتمع آخر‏..‏ وإنسان مصري آخر‏..‏
وكما بدأت الاشتراكية حلما بدأ الانفتاح شعاع أمل جديد‏..‏ وارتبط هذا الحلم الوافد الجديد بعملية السلام مع إسرائيل وكامب ديفيد وفيلا لكل مواطن وشعارات كثيرة براقة‏..‏ واختلفا للمرة الثانية حول الحلم وتوابعه‏..‏ هناك من رأي في الانفتاح الاقتصادي بابا جديدا نتخلص فيه من سيطرة الدولة علي الاقتصاد والنظام الشمولي وتوابعه وهناك من راهن علي السلام بابا للمستقبل الجميل‏..‏ وهنا بدأ الحديث عن الحريات والأسواق الحرة والاقتصاد المتعدد الأهداف‏..‏ وألقينا القطاع العام في البحر لتخرج علينا جنية جميلة مبهرة أسمها الانفتاح الاقتصادي‏..‏ وكما كانت الاشتراكية حلما جميلا فشل جاء الانفتاح لنبدأ رحلة أخري من الانطلاق نحو أفاق أفضل‏..‏ وفي الوقت الذي أطلت فيه طيور الانفتاح في سماء مصر كانت حمائم السلام ترفرف في أرجاء المحروسة تعلن رحيل المعاناة والحروب وتبشر بمجتمع الرخاء والاستقرار والكفاية‏..‏ وكما انقسمنا علي الاشتراكية تكررت الصورة مع الانفتاح واختلفنا عليه هدفا ووسيلة وحلما‏..‏ وكما استفاد البعض بالاشتراكية جاء البعض الآخر ليجني وحده ثمار الانفتاح‏..‏ وللأسف الشديد انقسمنا للمرة الثانية بين مؤيد ومعارض ووجد النظام من يؤيد الانفتاح‏..‏ ومن يعارض السلام وانتهت الحكاية بأن خسرنا الاشتراكية والنضال‏..‏ كما خسرنا الانفتاح والسلام وفي كل الحالات كان النظام يحاول دائما أن يشق الصف ويفرز المسيرة بين من يؤيدون ومن يعارضون دون وعي بنتائج ذلك كله‏..‏
والآن نحن نعيش مرحلة ثالثة ما بين الخصخصة وبيع الأصول وما بين الأعباء والديون‏..‏ والغريب في الأمر أن تبقي المنظومة بكل تفاصيلها حتي في الأشخاص‏..‏ هناك من دافع عن الاشتراكية وتبني أفكار الانفتاح وشارك في ملحمة الخصخصة‏..‏ وتحاول أن تبحث عن منطلقات فكرية أو وطنية وراء ذلك كله ولا تجد إلا المصالح والحسابات الشخصية‏..‏ سوف تجد من حمل لواء الاشتراكية وهو يرقص في ثياب الانفتاح ويطوف حول أصنام الخصخصة‏..‏ فأين كنا في ذلك كله‏..‏ ومتي أخلصنا ومتي آمنا ولماذا كفرنا بذلك كله‏..‏
أن السبب في هذه الكوارث أننا لا نضع اعتبارات لمقاييس جادة وعلمية ومحايدة لقضايا المجتمع وأزماته أننا نتعامل مع هموم الوطن‏,‏ كل حسب مصالحه وحساباته وليس أفكاره‏..‏ أنني احترم الفكرة في كل شيء حتي لو كنت علي خلاف معها ولكنني لا أحترم أبدا أن تحرك الأوطان أهدافـا وأحلام من خلال رغباتنا ومصالحنا الخاصة‏..‏ لقد اختلفنا حول الاشتراكية خلافات مصالح واخترنا الانفتاح بشعارات مصالح‏..‏ والآن نبيع أصول الوطن لتحقيق بعض المصالح وهذا يعني أننا كنا كاذبين ومنافقين في كل الحالات وأننا لم نؤمن يوما بأن الاشتراكية طريقنا للرخاء ولهذا خسرنا المعركة مع أول هزيمة فكان الانفتاح‏..‏ وخرج البعض والتهم الوليمة‏..‏ ثم كانت الخصخصة وبيع الأصول وخرج من بين صفوف هذا الشعب من وضع يده علي ما بقي فيها‏..‏ الخلاصة عندي أننا فشلنا في كل المراحل لأننا لم نؤمن بأفكار طرحناها وحلمنا معها ولأن النظام كان حريصا أن يختار أهل الثقة وأن يبعد أهل الخبرة رغم أن الأحق والأبقي من الاثنين معا هو الشعب صاحب الحق في أرضه وثروته وتاريخه‏..‏ وكما خسرنا الاشتراكية بسبب أهل الثقة خسرنا الانفتاح بسبب أصحاب المصالح‏..‏ والآن نخسر الخصخصة وهي آخر ما بقي لهذا الشعب بعد ذلك كله‏..‏

متي نفهم هذه الحقيقة ليس كل من انتقد النظام عدوا له‏..‏ وليس كل من نافق النظام صديقا له‏..‏

باسم الاشتراكية سرق البعض القصور الملكية وقالوا إنها عهد بائد‏..‏ وباسم الانفتاح سرق بعض السماسرة أموال مصر‏..‏ وقالوا إنها الحرية الاقتصادية والاقتصاد الحر‏..‏ وباسم الخصخصة يبيعون ما بقي منها ما بين الحديد والأسمنت ويقولون إنها تدوير الأصول‏..‏ تري هل هي مسئولية شعب صمت وشارك‏..‏ أم مسئولية حكومات باعت أم أنها أزمة الأفكار العظيمة حين تجيء في زمن صغير وقامات قصيرة‏..‏؟



 

ويبقي الشعر

حجر عتيق فوق صدر النـيـل

يصرخ في المدي

الآن يلقيني السماسرة الكبار إلي الردي



فأموت حزنـا‏..‏

لا وداع‏..‏ ولا دموع‏..‏ ولا صدي

فلـتسألوا التـاريخ عنـي



كل مجد تحت أقدامي ابتدا

أنا صانع المجد العريق ولم أزل

في كـل ركـن في الوجود مخلـدا



أنا صحوة الإنسان في ركـب الخلود

فكيف ضاعت كل أمجادي سدي

زالت شعوب وانطوت أخبارها



وبقيت في الزمن المكابر سيدا

كم طاف هذا الكون حولي

كنت قداسا‏..‏ وكنت المعبدا



حتي أطل ضياء خير الخلـق

فانتفضت ربوعي خشية

وغدوت للحق المثابر مسجدا



يا أيها الزمن المشوه

لن تراني بعد هذا اليوم وجها جامدا


'‏من قصيدة حتي الحجارة أعلنت عصيانها سنة‏1997'‏