Loading

الأحد، 7 فبراير، 2010

أزمة الأسعار‏..‏ والحلول البديلة

هوامش حرة

أزمة الأسعار‏..‏ والحلول البديلة

يكتبها‏:‏ فاروق جـــويـدة


لابد أن نعترف بأن الحكومة تواجه الآن مجموعة من الأزمات والمشكلات الحادة‏..‏ بعض هذه الأزمات جاء نتيجة أخطاء تتحمل الحكومة مسئوليتها‏..‏ والبعض الآخر جاء من أحداث وتقلبات خارجية دفعنا ثمنها في وقت صعب‏..‏ وإذا كان هناك اتفاق علي صعوبة هذه الأزمات فإن الخلاف يبقي حول أسلوب مواجهتها‏..‏ مازالت الحكومة حتي الآن لا تري أمامها من مخرج غير جيوب المصريين تفتش فيها من وقت لآخر رغم أنها تعلم علم اليقين أن الجيوب خاوية وأن عمليات الجباية لا تصنع حاضرا ولا تؤمن مستقبلا‏..‏ ولهذا جاءت الحكومة بمجموعة من الإجراءات السريعة القاسية التي افتقدت الحس السياسي بكل جوانبه بل إنها افتقدت أبسط قوانين الرحمة‏..‏

كان شيئـا غريبا للغاية أن يعلن الرئيس مبارك في عيد العمال زيادة المرتبات بنسبة‏30%‏ لتهتز قلوب المصريين فرحا بهذا القرار الإنساني وتأتي الحكومة وتطيح بكل شيء‏..‏ كان ينبغي أن تترك الحكومة المصريين يعيشون ساعات قليلة من الفرح مع هذه الزيادة ولكن جاءت كتيبة الوزراء لكي تخرج علينا بعاصفة مدوية بمجموعة من الإجراءات التي ابتعلت الزيادة في المرتبات قبل أن تصل إلي جيوب الناس‏.‏

لقد تابعت علي شاشات التليفزيون هذا الوجود المكثف لأربعة من المسئولين الذين ظهروا في حملة إعلامية منظمة لشرح القرارات وتوضيح مبرراتها وأسبابها‏,‏ وكان هناك إجماع بينهم علي أن ما فعلته الحكومة هو الحل الأمثل لما تواجهه من أزمات‏..‏ أن أبسط أنواع الحلول كما قلت أن تمد الحكومة يدها وتفتش في جيوب مواطنيها لتحل أزماتها وتوفر الموارد اللازمة لتفعل بها كل شيء وأي شيء‏..‏

وإذا كانت الحكومة قد فعلت ذلك وبررته فإن هناك روشته أخري سوف أطرحها في مجموعة من التساؤلات وأري أن فيها أكثر من بديل لتجاوز ما نحن فيه من أزمات‏..‏ إن زيادة أسعار البنزين والسولار لا يمكن أن تكون حلا مضمون النتائج لمجتمعات تبحث عن الاستقرار والبناء والتنمية‏..‏ لأن هذا الحل يؤكد فشل حلول أخري كان ينبغي أن تكون في مقدمة الحسابات‏..‏

*‏ أين بنود الإنفاق الحكومي في قرارات رفع الأسعار‏..‏ إن في مصر الآن مؤسسات تنفق عليها الدولة آلاف الملايين من الجنيهات ابتداء بمرتبات العاملين فيها وهي بعشرات الآلاف وانتهاء بالحراسات والسيارات والتشريفات ومواكب السادة الوزراء التي تخترق كل يوم شوارع القاهرة وتمثل انتهاكـا لموارد هذا الشعب‏..‏ يضاف لذلك الوفود المسافرة إلي الخارج كل يوم وتوابعها من المرافقين وهي تمثل إهدارا لثروة هذا الشعب‏..‏ كان الأولي بالحكومة أن تبدأ بنفسها وأن تصدر قرارات لضغط الإنفاق الحكومي حتي تؤكد جديتها في توزيع الأعباء والالتزامات‏.‏ إن ما يحدث في أجهزة الدولة أحيانـا يؤكد هذا الانفصام بين المسئولين والشارع المصري‏..‏

*‏ لماذا كانت كل المنشآت والمباني التي أقامتها الوزارات المختلفة لتجديد مقارها وإنشاء مؤسسات جديدة وكم تكلفت كل هذه المنشآت‏,‏ لا توجد وزارة واحدة‏,‏ في مصر لم تقم بإنشاء مجموعة ضخمة من المنشآت التي تجمع مسئولين وموظفين لا يعملون‏..‏ إن الاستثمار العقاري هو أخطر ما استنزف موارد مصر في السنوات الماضية وهو مال ضائع بين كتل من الأسمنت لم تضف شيئـا لقدرات هذا البلد‏..‏

*‏ ماذا تقول عن حكومة باعت مصانعها وبددت إنتاجها الزراعي بين الكانتلوب والخيار وتحولت كل المؤسسات فيها إلي عمليات السمسرة وتسقيع الأراضي‏..‏ أين الإنتاج الذي يوفر للمواطن المصري سلعة‏..‏ وأين التصدير الذي يوفر لنا العملات الصعبة وأين القمح الذي كنا نزرعه‏..‏ لقد فرطنا في ذلك كله وجلسنا نرجو الرحمة من الأسواق العالمية ونبكي علي العملات الصعبة التي ندفعها لشراء رغيف خبز يكفينا‏..‏ أيهما كان أهم أن نزرع ونصدر وننتج مثل كل دول العالم أم نبيع الاراضي ونفتش في جيوب الغلابة ونقيم المكاتب الجديدة‏..‏

*‏ أين دور أثرياء الحكومة من أبناء الطبقة الجديدة وهل يكفي أن نرفع أسعار البنزين السوبر أو السجائر المستوردة أو السيارات الفارهة‏,‏ أين أصحاب الطائرات والمنتجعات واليخوت ومرتفعات القطامية وفيلات السادة المسئولين وعائلاتهم‏..‏ من كان أولي بمواجهة الأزمة‏,‏ الذين تاجروا في أرزاق هذا الشعب أم الذين لا يجدون شيئـا‏..‏ ماذا عن أباطرة المشروعات الضخمة في السياحة والبترول والحديد والأسمنت والأسمدة وتجار الأراضي‏..‏ إن مائة شخص فقط في مصر كان يمكن تدبير ما طلبته الحكومة من جيوبهم‏..‏

*‏ أين دور الحكومة في فتح الأبواب أمام الأموال العربية التي تتدفق حولنا بالبلايين إن كل دول العالم تسعي إلي دول البترول أمام هذا الارتفاع الرهيب في معدلات الدخل في هذه الدول‏..‏ أين نصيب مصر من ذلك كله لقد اكتفينا بالكويز والشراكة مع دول مفلسة وتركنا نهر الأموال العربية يدور حولنا كأننا لا نري منه شيئـا‏..‏ إن فشل الحكومات المصرية المتعاقبة في تشجيع الثروة العربية داخل مصر كان خطيئة كبري بكل المقاييس واكتفينا ببيع قطعة أرض هنا أو هناك‏..‏ وإذا شاهدنا تجارب الصين والهند ودول شرق آسيا في الإنتاج والتصدير والاكتفاء لأدركنا حجم خسارتنا في الأسواق العربية التي كنا أولي بها وكانت أولي بنا‏..‏

*‏ في أحيان كثيرة يسأل المواطن المصري بسذاجته المعهودة أين دخل مصر من قناة السويس وهو‏25‏ مليار جنيه‏..‏ وأين دخل مصر من السياحة وهو أكثر من‏40‏ مليار جنيه‏,‏ وأين دخل مصر من البترول والغاز‏..‏ وأين دخل مصر من بيع الأراضي وتسقيعها‏..‏ وأين دخل مصر من تحويلات المصريين في الخارج‏,‏ وقبل هذا كله أين أنفقت الحكومة‏700‏ مليار جنيه هي حجم الديون الخارجية والداخلية و‏300‏ مليار جنيه هي حجم المعونات‏..‏ من الخطأ الشديد أن ندعي الفقر والإفلاس‏,‏ لأن لدينا موارد كثيرة ولكن الأزمة الحقيقية أن حجم اتفاقنا يتجاوز حدود الإمكانيات وأن الأولي بالترشيد هو سياسة الحكومة نفسها‏..‏

كان ينبغي علي الحكومة ألا تفسد فرحة المواطنين بالعلاوة التي قررها الرئيس مبارك لمواجهة غول الأسعار‏,‏ وكان ينبغي أن تبحث الحكومة عن بدائل لزيادة الإنتاج والتصدير وتشجيع العمل وأن تتحمل الطبقة الجديدة خاصة رموز الحزب الوطني الجزء الأكبر من آثار هذه الأزمة‏..‏ كان ينبغي علي الحكومة أن تخرج من مكاتبها وتذهب إلي أسواق الدول العربية لتشاهد ما يحدث فيها وأن تنزل إلي الشارع المصري وتري المنتجات القادمة إلينا من الأشقاء العرب في كل السلع وبأرخص الأسعار‏..‏ كان ينبغي أن يظهر السادة الوزراء علي شاشات التليفزيون ليتحدثوا عن الموارد التي أضافوها بالعمل والجهد والإنتاج وليس بالجباية والضرائب وحرق أعصاب الناس بزيادة الأسعار‏..‏ مسئولية الحكومة الحقيقية أن تبحث عن موارد وإنتاج وبدائل لا أن تفتش كلما حاصرتها الأزمات في جيوب المفلسين‏..‏بقيت عندي ملاحظتان‏..‏

الطريقة التي تم بها تمرير هذه القرارات بين الحكومة ومجلس الشعب وافتقدت الوضوح والصراحة‏..‏ أن في الحكومة‏28‏ وزيرا لا نعلم لهم موقفـا أو رأيا وبدا أن أصحاب القرارات هم أربعة وزراء فقط‏..‏ أضاعت الحكومة ومجلس الشعب علي المصريين فرحة إنسانية قدمها لهم الرئيس حسني مبارك في عيد العمال‏..‏




ويبقي الشعر

تمنيت يوما زمانـا عنيــــــــدا

أري العمر فيه أكاليل غـــــــــار

توالت علينـا السنـون الـعجاف



وشردنـا وجهها المستعــــــــــــار

ثقيل هو الحلـم إن صار وهمـا

وضاق به العمر حتـي استـجــــــار



سأمضي إلـي الحلم مهمـا تواري

ومهما طغـي الـيأس فينـا وجــــــار

فلا تحزني إن رأيت الفـــــوارس



خـلـف الجياد بقـايـا غـبـــــــــــــار

ولا تعجبي إن رأيت الجيـــــــــاد

وقد زيـنـتـها أكـاليـل عـــــــــــــار



تموت الجياد إذا ما استكـــــــانـت

وتغـدو مع الـعجز‏..‏ دخــان نـــــار

'‏ من قصيدة تمنيت عمرا أحبك فيه سنة‏2000'‏